ذاكرة الهولوكوست: هل تُدان الأمم بجريرة الأنظمة؟

صبحي حديدي

Feb 09, 2018

قبل أن يحيله إلى المحكمة الدستورية العليا، من أجل ضمان توافقه مع دستور البلاد، وقّع الرئيس البولندي أندريه دودا القانون الذي أقرّه البرلمان؛ والذي يقضي بالتجريم الجنائي (غرامة مالية أو عقوبة سجن تصل إلى ثلاث سنوات) لكلّ شخص يتهم علانية الأمّة البولندية أو الدولة البولندية بالمسؤولية عن، أو المشاركة في، الجرائم التي ارتكبها الرايخ الثالث الألماني في معسكرات الاعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية. وكرر دودا، في رسالة متلفزة، ما كان البرلمان قد اعتمده في الحيثيات الكبرى للقرار: «القانون يحمي المصالح البولندية ويحمي كرامتنا والحقيقة التاريخية، كي يُحكم علينا بطريقة عادلة من قبل العالم وكي لا نُتهم بشكل زائف كبلد أو كأمّة»؛ فضلاً عن أنّ الشعب البولندي، على قدم المساواة وليس اليهود وحدهم، عانى من ويلات الاحتلال النازي.
هذه خلفية منطقية، من حيث المبدأ، كما أنها صائبة تاريخياً أيضاً، في أربعة اعتبارات:
1) أنّ معسكرات الاعتقال النازية، التي أقيمت في أمكنة مثل أوشفتز وتريبلنكا وسوبيبور أنشأتها سلطات الاحتلال النازي، وأشرفت على إدارتها؛ و2) كانت الجالية اليهودية في بولندا هي الأكبر في أوروبا خلال ذلك الطور (قرابة 3.2 مليون)، ومن الطبيعي أن يركز النازيون معسكراتهم في هذا البلد؛ و3) مشاركة مواطنين بولنديين في العمل داخل تلك المعسكرات، طواعية أو قسراً، لا تجرّم الأمّة البولندية بأسرها، تماماً كما لا تُجرّم الأمّة الفرنسية بأسرها جراء تعاون بعض الفرنسيين مع النازية أو حكومة فيشي؛ و4) تعبير «معسكرات الهولوكوست البولندية» ليس صحيحاً، أو ليس دقيقاً على الأقلّ، اتكاءً على تفصيل واحد يشير إلى أنها أُقيمت على أراض بولندية.
محال أن تُرضي هذه الخلفية المنطقية أياً من الدوائر الصهيونية، خاصة تلك التي تمارس الوصاية على ذاكرة الهولوكوست وسائر عذابات اليهود؛ أو أن تقبل بها إسرائيل الدولة، التي تمارس كل يوم أبشع أنساق تدمير تاريخ فلسطين، أرضاً وذاكرة وشعباً. مالكولم هونلين، نائب رئيس «مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الرئيسية»، اعتبر أنّ القانون يتهرب من الحقيقة، ومن واجب بولندا الإقرار بأنّ شروراً ارتُكبت على أرضها (كأنّ أحداً ينكر هذا!)؛ حتى مع الإقرار بأنّ بعض البولنديين ساعدوا اليهود في الإفلات من قبضة السلطات النازية. بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء دولة الاحتلال والاستيطان، اعتبر أنّ القانون «محاولة لإعادة كتابة التاريخ وإنكار الهولوكوست». وعضو الكنيست إسحق شمولي صنّف بولندا في عداد «أوّل أمّة تشرّع إنكار الهولوكوست»، وأنّ «التاريخ سوف يحاكمها مرّتين: لدورها في الهولوكوست، ومحاولتها الحقيرة لإنكاره». وزير الإسكان يواف غالانت قال إن «ذكرى ستة ملايين يهودي [الرقم الذي تعتمده الرواية الصهيونية لأعداد ضحايا الهولوكوست] أقوى من أيّ قانون».
في الولايات المتحدة، على مستوى حكومي هذه المرّة، قال وزير الخارجية ريكس تيلرسون: «الولايات المتحدة تشعر بخيبة أمل لتوقيع رئيس بولندا تشريعاً يفرض عقوبات جنائية على نسبة جرائم نازية إلى الدولة البولندية. سنّ هذا القانون سيكون له أثر ضار على حرية التعبير والبحث الأكاديمي»؛ متناسياً أنّ القانون يعفي من العقوبة الأبحاث العلمية والمقاربات الفنية، كأنْ تقول دراسة أكاديمية، أو رواية أو مسرحية أو شريط سينمائي، إن بولندا الشعب مسؤولة مباشرة عن الهولوكوست. كذلك، أضاف تيلرسون: «الولايات المتحدة تكرر التأكيد أن عبارات مثل معسكرات الموت البولندية مؤلمة وكفيلة بالتسبب بأخطاء، لكن يجب التصدي للمغالطات التاريخية المماثلة في إطار احترام الحريات الأساسية»؛ متناسياً أن رئيسه داس على كلّ حقيقة تاريخية، وقانونية، حين اعترف بالقدس المحتلة عاصمة لدولة إسرائيل.
وكما هي العادة في كلّ ما يتصل بذاكرة الهولوكوست، الأوربي جملة وتفصيلاً كما يتوجب التذكير، يتناسى الصهاينة وأشياعهم أنّ جذور الهولوكوست تضرب في أرض جملة من عناصر العداء الأوروبي ـ المسيحي للسامية؛ والذي بدأ في القرون الوسطي على هيئة عداء ديني لاهوتي، ثم تطوّر إلى مشاعر اجتماعية وثقافية واقتصادية ضدّ شخصية اليهودي بمعنى معمّم مطلق. كذلك يتجاهل هؤلاء حقيقة ثانية مفادها أنّ ألمانيا ذاتها لم تنفرد بطبعة خاصة من هذا الإرث، بل قد يكون العكس هو الصحيح، بدليل الحركة الواسعة لتحرير اليهود في بروسيا القرن الثامن عشر، وتواجد عدد كبير من الشخصيات اليهودية الفاعلة في الدائرة الأضيق من حول بسمارك؛ والأهمية الخاصة التي حظي بها المثقفون اليهود في مختلف ميادين الحياة الفكرية والثقافية والعلمية والمالية في ألمانيا بصفة عامة، وفي برلين على نحو محدد.
ولعلّ أشهر (وأردأ، وأسوأ) نماذج تأثيم الشعوب على نحو جماعي صدرت عن الأمريكي دانييل جونا غولدهاغن، صاحب مجلد في 619 صفحة، عنوانه «جلاّدو هتلر المتطوعون: الألمان العاديون والهولوكوست». أطروحته الوحيدة هي التالية: ألمانيا بأسرها، بلداً وشعباً وثقافة، مسؤولة عن الهولوكوست، و«ما يُقال عن الألمان لا يمكن أن يُقال عن جميع الأمم الأخرى مجتمعة. الأمّة الألمانية هي الهولوكوست، ولولا هذه الأمّة لما كان الهولوكوست». وحين تصدى له نورمان فنكلشتاين (المؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي المرموق، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة نيويورك، واليهودي سليل أسرة ناجية من المحرقة)؛ وروث بتينا بيرن (المؤرخة الكندية، والباحثة المسؤولة عن ملفات الجرائم بحقّ الإنسانية في وزارة العدل الكندية)؛ لم يجد غولدهاغن من وسيلة للردّ أفضل من رفع دعوى قضائية، بالتهمة المزدوجة الشهيرة: العداء للسامية وإنكار الهولوكست!
وكي لا يبقى الباحث الصهيوني وحيداً في ساحة تأثيم الأمم جماعياً، كان للسياسي الإسرائيلي (خاصة شريحة «روّاد بناء الدولة»، حسب التعبير الصهيوني)، أدواره التي لا تُنسى. ففي حوار مع المؤرّخ الإسرائيلي بيني موريس، صنّف شمعون بيريس بريطانيا في خانة الدول المعادية للسامية، مستذكراً القول الدارج: «المعادي للسامية هو الشخص الذي يكره اليهود أكثر من المقدار الضروري»؛ مسترجعاً امتناع بريطانيا عن التصويت على قرار التقسيم لسنة 1947، وفرض حظر لبيع الأسلحة إلى إسرائيل، وتوقيع اتفاقية عسكرية مع الأردن… باختصار ـ وبعد أن تناسى أنّ «وعد بلفور»، لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، كان بريطانياً ـ أطلق بيريس هذا الحكم القاطع على عموم البريطانيين: «لقد عملوا ضدّنا على الدوام».
الأمر، مع ذلك، لا يخلو من أمثلة مضادة، تخرج من قلب ذاكرة المأساة ذاتها. ففي سنة 1993 أحيت الإنسانية الذكرى الخمسين لانتفاضة غيتو وارسو، بحضور إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، الذي حرص قبل سفره على تحويل الضفة الغربية وقطاع غزة إلى «غيتو فلسطيني» قسري. مارك إيدلمان، القائد العسكري اليهودي الوحيد الذي نجا من غيتو وارسو، فقد أعلن أنه سئم المقابلات الصحافية والتصريحات الجوفاء: «ما جدوى النبش في الماضي إذا كنّا قد فشلنا في تعلّم دروسه؟
الغرب ما يزال يضع الخطط الاستراتيجية في المرتبة الأولى، ويفضّلها على الأرواح البشرية. ما يجري في يوغوسلافيا اليوم هو انتصار لهتلر وهو في قبره، والغرب يكرّر أخطاء الماضي مثل تكراره بلاغته الكاذبة ونفاقه الفاضح». كان الرجل يدلي بهذا التصريح، النزيه، وهو يعرف أنّ بعض العنصريين الألمان يتبادلون فيما بينهم هذه النكتة: «ما الفارق بين اليهودي والتركي؟ الأوّل نال ما يستحقّ، وأمّا الثاني فسيحين دوره قريباً»!
وهكذا فإنّ الأنظمة تُدان، وكذلك التيارات والحركات والأحزاب ذات العقائد العنصرية والإقصائية؛ ولكن التاريخ ليس أعمى عن سابق قصد وتصميم، على غرار غلاة الصهاينة، كي يدين الشعوب قياساً على الأنظمة التي حكمتها.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

ذاكرة الهولوكوست: هل تُدان الأمم بجريرة الأنظمة؟

صبحي حديدي

- -

5 تعليقات

  1. الحركه الصهيونيه قامت من اجل دوله يهوديه في فلسطين و بالضروره ضد الشعب الفلسطيني و اخراجه من ارضه بطريقه ساديه و وحشيه و لم يكن عند نشوئها نازيه و استلم هتلر الحكم في ١٩٣٣ بعد ان كانت الصهيونيه ترسخ اقدامها في فلسطين و لا يبرر اضطهاد النازيه لليهود جرائم الصهيونيه المتواصله في فلسطين بل يستغلونها للتغطيه على هذه الجريمه و تشريعها لا بل ايضا لابتزاز الاموال بالتعويضات و كم نزفت المانيا من المليارات لصالح الكيان الصهيوني استعملها لتدمير الهويه الفلسطينيه و ما احوجنا الى الاعلام و التوعيه لفصل الصهيونيه صانعة النكبه عن اليهود في مختلف انحاء العالم و ديانتهم فلم نسمع منهم عن اقامة دوله او الاستيلاء على ارض شعب آخر و لم يكونوا باي حال سببا في نكبه و نحن نعادي الصهيونيه و كل ما يمت اليها بصله بسبب الشراكه في الجريمه المستمره

  2. من كان يتصور أن بولندا تتحرر من الهولوكوست بعد أن استُغلت شر استغلال بإسم الهولوكوست خاصة أيام الإتحاد السوفياتي حيث استُنزفت وأثرى من قام بتفعيل الهولوكست.
    والأمر نفسه حدث أيام ألمانيا الشرقية واليوم تُستغل ألمانيا ليزداد ثراءا أصحاب ” محل ” الهولوكوست.
    بل أكثر من ذلك من العرب من يرتمي في أحضان الهولوكوست تطبيعا وتمكينا من الثروات ودخول تحت طائلة قروض البنك الدولي التي تعتبر مدخلا للتبعية الهولوكوستية.

  3. المنطق يقول الأمم لا تدان بسبب جرائم الإنظمة ، و لكن العدالة تقتضي إنصاف و تعويض المتضرر.
    و هذا ما يجب أن نعمل عليه نحن العراقيين جرّاء ما حصل من موت و خراب و دمار بسبب الغزو الإجرامي

  4. الحقيقة ان الحكومة البولندية اتخذت قرارا صائبا لمصلحة بلدها فليس من العدل اولا ان يبتلي الاحفاد بما فعله اجدادهم من مصائب(في حال كونها حقيقة) ثم الامر يجب ان لا يستمر الى ما لا نهاية

  5. فاتني امر مهم وهو انه يجب على الامم ان تعترف بما ارتكبت من مجازر وماسي بحق الاخرين افرادا او مجموعات او دول وان تعتذر لهم و(تعوضهم) مهما كانت الفترة التي وقعت فيها الاحداث بعيدة,وقد اعتذرت اليابان لكوريا والصين جراء جرائم الحرب العالمية الثانية بحقهم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left