عبد الفتاح الهوس… مجهول التشكيل المغربي

أشرف الحساني

Feb 09, 2018

يحدد لنا المفكر الفرنسي الراحل أندري لالاند (1963 -1867) في النصف الثاني من القرن العشرين تعريفا للفن بكتابه الطليعي «مفردات الفلسفة التقنية والنقدية» في كونه يحمل معنيين: الأول عام يحيلنا مباشرة الى جملة أو مجموع العمليات التي عادة ما تستخدم للوصول إلى نتيجة معينة ما. والثاني يحمل معنى استيطيقيا، أي أن الفن هو كل إبداع أو إنتاج يتحقق في عمل يصبو وينحو نحو غايات جمالية بامتياز. في مقابل ما جاء به جيل دولوز في كتابه «ماهي الفلسفة» وهو الطرح عينه الذي نجده يتماشى مع مسار الفنان التشكيلي المغربي عبد الفتاح الهوس منذ 20 سنة خلت، بحيث يعتبر دولوز أن الفن يعمل من خلال جملة من المؤثرات، التي يقسمها إلى نوعين: الأول إدراكي وتخص عملية الإدراك الحسي للعمل الفني، لأن الفن في ماهيته وأصله هو عبارة عن خطاب روحي موجه إلى الحواس، أي أنه مرتبط بالمواد المشكلة حسيا. أما الثاني فهو وجداني، إذ يحاول الفنان أن ينقله لنا عبر مواده.
وهنا يمكن القول إن المشروع الفني والجمالي الذي يشتغل عليه التشكيلي المغربي عبد الفتاح الهوس (مواليد مدينة سلا سنة 1971) ، امتداد عميق لما جاء به جيل دولوز وأندري لالاند في تعريفاتهما الفنية، الذي قدمه من خلال معارض فنية عديدة ومتنوعة، سعى فيها دوما إلى توجيه الذوق الفني الجمالي العربي نحو استيعاب تقنيات جديدة في الاشتغال على المادة واللون، بغية توجيه الفرد أو الفنان العربي نحو تحقيق شروط فنية تقوى على استنبات شروط حداثية فنية عربية، فأعماله الأخيرة التي سيشارك بها قريبا في معرضه الفردي في مدينة الرباط، تمثل لحظة متميزة في السياق التاريخي الفني العربي المعاصر. وقد استطاع من خلال مطالعاته الكثيفة لتاريخ الفن الغربي والعربي أن يستوعب بدقة بالغة الأسس الفنية والجمالية، التي قامت عليها الحداثة الفنية المغربية عند كل من الجيلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية ومحمد القاسمي وفؤاد بلامين وغيرهم من الفنانين المغاربة، الذين تميزت أعمالهم بإبدالات فنية وجمالية مهمة تضاهي أعمال كبار الفنانين العالميين.
يشكل عبد الفتاح الهوس ظاهرة فنية غريبة في التشكيل المغربي، اختار لنفسه عزلة المتصوف بعيدا عن طبول المؤسسات ، وعن الساحة التشكيلية المغربية وما تفرضه من رسميات وبروتوكولات مملة ليس لها أساس فني، فهو يؤمن بمقولة «الفن للفن» التي بزغ نجمها في فرنسا في مطالع القرن التاسع عشر، عند كل من ستيفان مالارميه وشارل بودلير وغوستاف فلوبير وغيرهم من الشعراء الفرنسيين الرومانسيين، الذين حاولوا نسف الفن عن كل عقلانية متجمدة تعطل وتنفي وتحد من قيمة الخيال ودوره الخلاق في تشكل العمل الفني، هذا فضلا عن فصل الفن عن كل الموضوعات والمعايير التي تحكم على العمل الفني بمعايير وطروحات الدين والسياسة والأخلاق..
تنضح لوحاته بجمالية، وخصوصيات فنية تمتح عوالمها التخييلية والجمالية من الاتجاه التجريدي، عبر تقنية التقطير اللوني، التي يستخدمها بتلقائية، عبر أشكال متداخلة ومتمازجة من الخطوط اللونية الناصعة، من خلال توظيف عنصر الماء بكثرة وتجفيفه بعد وضع اللون على اللوحة، وهو ما يمنح العمل الفني توهجه الساطع والبهي، كما يسهم في تشكيل وتكثيف فضاء اللوحة من خلال الخطوط والألوان ذات المنحى التجريدي، حيث يركز فيها عبد الفتاح الهوس على اللون الأزرق، كمكون رئيسي عبر ما يمارسه من سحر وفتنة على العين، مع التركيز على إبراز لمعان اللوحة.

٭ ناقد فني مغربي

عبد الفتاح الهوس… مجهول التشكيل المغربي

أشرف الحساني

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left