الحل الذي لا يريده أحد

في ما يخص غزة لإسرائيل اليد العليا

جاكي خوري

Feb 10, 2018

ثلاث سنوات ونصف مضت منذ أن انتهت حرب «الجرف الصامد». لم يجرِ في إسرائيل بحث علني واعٍ بهذا الشكل عن وضع غزة مثل يجري هنا هذا الأسبوع. وزراء، جنرالات، مراسلون عسكريون ومحللون للشؤون الفلسطينية سألوا كيف بحق الجحيم تُحل المشكلة؟. لكن قلة «قطعوا العظم بالسكين» كما يقول المثل العربي. تستدعي غزة أسئلة صعبة، على رأسها: لماذا لا نفحص بعمق خيار التسوية مع حماس؟ تسوية لا سلام أو حتى حلف، بل لقاء مصالح من النوع الذي يقترحه زعماء حماس في جملة من القنوات منذ بضع سنوات.
ثلاث إمكانيات تقف أمام إسرائيل: احتلال القطاع، احتواء المشكلة أو المبادرة إلى تسوية. وفي ثلاثتها توجد ألغام. الجيش الإسرائيلي ينطلق لإسقاط حكم حماس ويعيد احتلال القطاع. من سيسيطر في اليوم التالي؟ فمصر تخلّصت منه في 1967، والقدس فرحت لأن غزة وقعت في يدها. القاهرة أيضا كانت سعيدة، للسبب ذاته أيضا. أبو مازن؟ حتى لو أراد، أو وعد مسبّقا بأن يضطلع بالمهمة على رأيه، فمن المشكوك جدا أن ينجح. غزة اليوم ليست تلك التي أُخذت منهم في 2007. سكانها أكثر تطرفا وفقرا، منقطعون وغاضبون على السلطة. وأبو مازن لا يرى فيها إقليما انتزع منه، بل عبئا ثقيلا. هو أيضا، لشدة الدهشة، يحاول الهرب منها.
ووفقا للتوقعات، سيقع في معارك إسقاط حكم حماس ما بين 200 إلى 400 جندي من الجيش الإسرائيلي. اليوم التالي لا يبشر بالخير. بعد نحو عقدين من الانسحاب من لبنان يمكن للجيش الإسرائيلي الغرق مجددا في حرب عصابات على أرض غريبة. المهمة المدنية، وإدارة الشؤون اليومية للقطاع، ستجبي مليارات من الشيكل من صندوق الدولة. كل هذا، ولا ضمانة في أن تتوقف نار القسّام.

رسائل سرية

أما سياسة الاحتواء، أو القرار بعدم القرار، التي تطبقها إسرائيل في القطاع منذ أكثر من عقد. فإن مخاطرها معروفة لنا جميعا: توتر دائم، وحرب تندلع كل بضع سنوات. سكان البلدات المحيطة بغزة، أسرى في أيدي مطلقي القسّام. والجيش الإسرائيلي يجد صعوبة في الدفاع عنهم، وهم يخضعون لنية حماس الطيبة. حرب إضافية تتضمن نارا كثيفة نحو غوش دان، تعطيل الطيران ونزول نصف سكان إسرائيل إلى الملاجئ.
كما توجد مخاطر مستقبلية، مثل ولادة جيل غزاوي لا يعرف الإسرائيليين عن قرب، نشأ على أن يرى في إسرائيل عدوا أو مستغِلا، ويطور نحوها مشاعر الانتقام. سيأتي يوم ويدق بابنا بكل قوته حتى الجانب الأخلاقي. صحيح أن القلب اليهودي نشأ على الدفاع عن نفسه، ولكنها ليست مهمة بسيطة بالنسبة له، أن يحشر مليوني مواطن في معسكر كبير، مع العلم بأن الغالبية الساحقة لا ذنب لهم.
أما خيار التسوية فهو على الورق، الأكثر إثارة للاهتمام منها جميعها. فالفكرة بحد ذاتها بسيطة جدا، والتحدي هو في التنفيذ. إسرائيل ترفع الحصار، وبالمقابل تحصل على حدود هادئة. على حماس مسؤولية كاملة بألا يطلق أي صاروخ شمالا. وإسرائيل من جهتها تتعهد بمنح سكان القطاع وزعمائهم حرية حركة، للسفر إلى الخارج متى شاءوا، ليستوردوا ويصدروا، وليصيدوا من دون قيد. ليس هذا اتفاق سلام، هو لا ينطوي على إخلاء بلدات أو تنازل عن أراضٍ. يلمح قادة حماس بعناد عن رغبتهم بالتسوية، ازدادت الرسائل من مكاتبهم منذ أيام «الجرف الصامد». وهي تُرسل عبر قنوات ديبلوماسية أو عبر تصريحات علنية مبطنة، وفي إسرائيل يحلون لغزها. كما أن الإشارات ترافقت مع الأفعال أيضا. فقبل سبع سنوات أنشئ الذراع العسكري لحماس (وحدات التجلد) وهذه قوة خاصة تلاحق مطلقي القسّام. في القطاع هناك من استهزأ بهم ووصفهم بأنهم «حرس حدود إسرائيل». وكما نشر لأول مرة في هذه الصفحة، ففي إطار محادثات المصالحة بين حماس والسلطة، أعربت حماس عن موافقة إيجابية على اقتراح مصري بنسخ التهدئة في قطاع غزة إلى الضفة الغربية. لم تتحقق الخطة، لأنها كانت جزءا من رزمة المصالحة التي فشلت.
ترفض حماس نزع السلاح، طوعا وبلا شرط الحديث في هذه المرحلة. وفي نظر حماس فإنها تقاتل في سبيل وجودها، إذ إنها في تهديد وجودي. وسلاحها هو وسيلة دفاع ضد التصفية. مهمته أن يكون أيضا ورقة ضغط على إسرائيل لدفعها نحو رفع الحصار.

عزلة إقليمية

لدى كثير من الإسرائيليين، بمن فيهم كبار المسؤولين، فإن التفكير في التسوية مع حماس تثير الهواجس. لعلها وصفة لفشل مدوٍ يجبي ثمنا دمويا، ولكن من المفاجئ أن نعرف أنها لم تفحص بعمق على الورق.
إذ لا توجد جهة في إسرائيل وضعت خطة مفصلة لحلٍ في قطاع غزة تتضمن فضائل التسوية وآليات التصدي لمخاطرها الأمنية وآثارها السياسية ومعانيها الاقتصادية على إسرائيل والفلسطينيين. أحيانا تقدم اقتراحات بشأن القطاع، لكنها اقتراحات موضعية كخطة الوزير إسرائيل كاتس لإقامة جزيرة قبال شاطئ غزة تشكل منصة طيران نظيف، برقابة إسرائيلية وثيقة، يمنح سكان القطاع نافذة على العالم.
اقترحت قبرص، صديقة إسرائيل، وضع ميناء ليماسول تحت تصرف إسرائيل وحماس. وحسب الاقتراح، تقام في هذا الميناء منشأة برقابة وإدارة إسرائيليتين، يصل إليها بشكل عام كل من يخرج من غزة أو يعود إليها، قبل أن يتابعوا نحو وجهاتهم.
والبضائع التي ترسل إلى القطاع، تنزل في ليماسول وتفحص قبل أن يسمح لها بمواصلة الطريق تحت رقابة إسرائيلية في الطريق إلى غزة عبر البحر.
جربت إسرائيل وحماس آلية واحدة كهذه. فقبل سنتين ونصف، وضعت خطة مفصلة لإدخال الإسمنت الإسرائيلي إلى سكان غزة ممن تضررت بيوتهم في الحرب.
وبواسطة الأمم المتحدة وضع منسق أعمال الحكومة في المناطق (الفلسطينية) جهازا حدد الكمية اللازمة لكل عائلة، وحرص على توفيرها بدقة.
نُقل الإسمنت بالشاحنات وسُلم عند حاجز إيرز تحت عيون المراقبين وكاميرات الفيديو، في قاعة أعدت لهذا الغرض. وتلقى كل واحد بالضبط عدد الأكياس اللازمة له، ورمم الكثيرون بذلك بيوتهم.
من الصحيح أن الظروف الإقليمية تعمل حتى الآن لصالح إسرائيل، حال رغبت في فحص إمكانية التسوية.
فجيل الزعماء الحالي لحماس، الذي ورث عن الآباء المؤسسين، يسعى إلى الخروج من دور الولد الشرير في الحارة، ويتوجه إلى نيل الشرعية الدولية.
حماس معزولة إقليميا ومكانتها الاقتصادية مهزوزة. وحتى إخوانهم في السلطة الفلسطينية يديرون ظهرهم لهم. وبالمقابل يمنحون إسرائيل استقرارا نسبيا.
المصريون مستعدون لأن يعرضوا خدمات الوساطة، ودافعهم في ذروته، لأسبابهم الخاصة. مكانة إسرائيل متينة، وهي ستصل إلى الخطوة بينما يدها هي العليا، ومن دون سيف مسلط على رقبتها، وسيسعد الدول العربية استثمار مشروع حقيقي للقطاع، حيث سيسحبون من الإيرانيين ساحة نفوذ وسيصفون أيضا بؤرة إقليمية عدم الاستقرار.
ورغم ذلك، خائفون من التسوية – يمكنكم أن تناموا بهدوء (والصلاة ألا تخيب «القبة الحديدية» الآمال). حالة الشك بين الطرفين عميقة والشكوك في الجانب الإسرائيلي في السماء. كيف قال مرة أحد الصحافيين من الجبهة الاخرى: خطر السلام انقضى.

معاريف 9/2/2018

الحل الذي لا يريده أحد
في ما يخص غزة لإسرائيل اليد العليا
جاكي خوري
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left