تجاور المحكيات في «شارع قابل» للسعودية حنان طالب

عبدالله المتقي

Feb 10, 2018

1: إن المقبل على الرواية الأولى للكاتبة السعودية حنان محمد طالب، طالبا القراءة والمقاربة، يلاحظ أربعة عناصر أساسية في واجهة غلافها:
«باب قابل»
«حنان محمد طالب»
«صورة الغلاف»
«رواية»
يمثل العنصر الأول عنوان الكتاب، المدخل الرئيسي للرواية، إذ يصادف القارئ ومن الوهلة الأولى «شارع قابل»، وهو فضاء واقعي تعرفه الكاتبة كما يعرفه الكثير من القراء أو نعرفه تصوريا من بعيد، هو واحد من أهم وأشهر شوارع مدينة جدة، في الماضي والحاضر، خرج منه معظم تجار مدينة جدة، أسسه الشريف حسين بن علي في ثلاثينيات القرن الماضي، نقرأ للساردة «شارع قابل شارع حقيقي وموجود حتى الآن في «جدة»، إنه فضاء تتحرك وتتعايش فيه شخصيات الرواية، وأحيانا يصعب التوافق بين مكوناته، إنه فضاء عام ومفتوح، وهو مركز الأحداث كما أنه يتحكم في فضاءات وأحداث أخرى.
ولا شك في أن العنصر الثاني يشير إلى اسم الكاتبة وهوية الكتاب، فحنان محمد طالب، كاتبة سعودية من مدينة جدة، تعيش في دبي، دكتوراه هندسة معمارية، كاتبة في صحيفة «الرؤية»، حاصلة على جوائز في مجال الهندسة منها، جائزة الإمارات للطاقة عام 2012، وبهذه البطاقة المختزلة لهوية الكاتبة، نكون إذن أمام نص روائي شرعي وله كل صلاحية التداول في سوق القراءة.
كما يتشكل الغلاف من لوحة تشكيلية أبدعتها يد الفنان محمد بلبيسي المقيم في أمريكا، وهي تمثل نصا بصريا يحيل إلى موضوعات قابلة لأن يتعرف عليها، فهي بمثابة لغة ثانية؛ تذهب إلى كونها اختزالا للنص، إذن هي لوحة تشكيلية تضم بداخلها مشهدا لـ«شارع قابل» بسقفه وتغطيته ومحلاته التجارية الصغيرة، التي ما هي إلا تصوير لواقع يتعرف عليه، بالإضافة إلى مجموعة من الكائنات التي لا تعدو أن تكون من زواره وزبائنه ومرتاديه، بهذه اللوحة، ينفتح لنا عالم «شارع قابل»، ليساعد القارئ كي يخطو أولى الخطوات نحو عالم النص، ومن هنا كانت لوحة الغلاف بمثابة بوابة العبور، التي تمنح القارئ فتنة اكتشاف الكتاب وأغواره.
أما العنصر الأخير، فيشير إلى الجنس الأدبي وهو «رواية»، هذا الإعلان، يجعلنا أمام نص روائي من شأنه برمجة واستنفار التلقي لاستقبال متن سردي بنفس طويل، بأحداثه وشخصياته المتعددة، وفضاءاته، وكذا جمالياته المتنوعة.
2
في روايتها الأولى «شارع قابل»، تتجاور حكايات وتتفرع كي تتوازى وتتقاطع، وتتصل هذه المحكيات بشريحة من الأسر والشخصيات، رجالا ونساء، لا تعدو أن تكون قوى فاعلة وتحضن مجموعة من الدلالات والرموز.
حكاية «صفية» نموذج مرتبط بالغرور جراء الثناء على وسامتها الفاتنة «كانت صفية آية في الجمال. طويلة ذات جسد متناسق ممشوق، شعرها ناعم ينسدل على كتفيها وعيناها عسليتان طويلتا الأهداب». ثم نموذج للفضيحة، حيث غرر بها «بدر» للهروب من بيت عائلتها كي يسحب من تحتها الحصير لاحقا، انتقاما من والدها الذي رفضه عريسا، ثم زواجها غصبا من «عبدالفتاح» الذي كادت تخونه مع شاب لبناني لولا يقظة الضمير التي تسبب فيها جنينها، كي تعود لبيت زوجها عبدالفتاح «دلفت إلى الداخل وهي تبكي وتمسح الدموع وتمسك ببطنها وتقول بابتسامة: أنا أعيش، راح أعيش على شانك بنتي أو ولدي، أنا راجعة، ما راح أهرب». أما حكاية «يزيد»، فنموذج للعدوانية والجشع والمكر، وصورة ضدية لشقيقه «عمران»، بذّر ميراث أبيه، ثم انقلب على «عمران» وتحايل عليه لإخراجه من البيت الذي تشبث به «وقتها انهار أبو عمران وجثا على ركبتيه وقال بهستيرية تقطع القلوب» والله ما تطلعوني من هذا البيت.. أمي طلعت من هنا لقبرها.. أبوي طلع من هنا لقبره، وأنا كمان راح أطلع من هنا لقبري». والأكثر منه طمع» يزيد حد الانتقام من «حمزة» عبر خنقه في محله التجاري في شارع قابل: «ظل يزيد يكتم أنفاس حمزة حتى سقط قتيلا على الأرض، فأبعده يزيد والتقط السكين من على الأرض وفتح أدراج المحل وأخذ كل ما وجد من مال وفتح الباب بهدوء وخرج».
في حين تكشف حكاية «بكر» عن الرغبة في استئنافه حياة نظيفة وجديدة، لكن المجتمع لم يسامحه بسهولة، حتى محاولته الارتباط بالأرملة «مريم» والتقرب من ابنها «عبدالله»، باءتا بالفشل لأن ذاكرة المجتمع حادة وظلت حافظة لسلوكه الشاذ «لم يكن قرار رفض بكر عريسا، ونقل عبدالله من المدرسة سهلا على بكر، عاش لحظة صمت رهيبة، كان في غرفته ولم يخرج عندما سمع أخاه صادق يقول لأمه: هذا مين راح يقبل بيه يا أمي، ليش زعلانة ؟». بخصوص حكاية «حمزة» الفتى الإفريقي، فهو مثال للخديعة والانتهازية والرقص واللعب على الحبال، فبعد أن كان مستخدما في المحل عند «ابو ياسين»، تغيب لمدة زمنية، كي يعود بهوية سعودية، وكي يحصل على محل بالقرب من أبي ياسين، ما أثار مجموعة من التساؤلات، لكن هذا الجشع سينتهي به إلى الموت على يد «يزيد».
هذه الحكايات المتجاورة وغيرها تتناسل وتتوالد كي تتقاطع مرة، وكي تتضاد مرة أخرى، كي ترسم في الأخير مدينة جدة بحاراتها وعاداتها وتجارتها وتقاليدها الاجتماعية، وتكافل ناسها،وكذا ذواكر أمكنتها، وبعض من علاقتها والخارجة عن المألوف حتى، وبذلك تمثل محكيات « شارع قابل، رحلة فترة الستينيات إلى مدينة جدة القديمة، حيث عبق الماضي والحبكة الدامية المشوقة، وكي تتحول الكتابة إلى تحقيق ما هو إبداعي ثم ما هو تاريخي، بما يعطي العمل حيوية تشد المتلقي منذ البداية.
3
تحفل رواية «شارع قابل» بتقنيات جمالية متنوعة، حيث تعدد الخطابات، إذ نصادف الخطاب الشعري الفصيح، فنقرأ للشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد:
سنرجع يوما إلى حينا ونغرق في دافئات المنى
سنرجع مهما يمر الزمان وتنأى المسافات ما بيننا
فيا قلب مهلا ولا ترتمي على درب عودتنا موهنا»
ونجد أيضا الخطاب الشعري الشعبي:
«غربلو ياغربلو حتى النونو يتغربل
غربلو ياغربلو حتى الرز يتغربل
غربلو ياغربلو
خلي الصايغ يعملو
ساعة دهب والباقي خاتم لأمو غربلو
ياغربلو حتى الحب يتغربل»
هكذا يتسلل الشعري بنوعيه الفصيح والشعبي لكسر رتابة السرد، ومن ثمة تزاوج الخطاب الحكائي بالخطاب الشعري، ما يساهم في إنتاج دفقات شعرية، وبالتالي تكثيف الدال الشعري. وفي سياق إثراء هذا التعدد، نقرأ خاصة رسالة الحب التي كتبها نبيل لصفية بقصد تحريضها على الهروب والالتحاق بها في بيت شقيقته «حسنية»: «صفية، إنتي تعرفي إيش صار وكيف أبوك رفضني، إذا كنت تحبيني، إهربي من بيت أبوكي وأمك، تعالي اليوم لبيت ستي حسنية، زكية موجودة قلتلها تستنا كي تضيفك «.
باستنكاهنا لهذه الرسالة، يتبدى لنا الحوار بين «صفية» و«نبيل» متضمنا لعلامات متضادة، هي «الرفض» الذي يمثله الأب، و«الحب» كإحساس قوي، و«الهروب» كتضحية من أجل هذا الحب، الذي ستكشف صفية في الأخير أنه لا يعدو أن يكون انتقاما من هذا الرفض. بالإضافة إلى الخطاب السيكولوجي المرتبط بتعرية أعماق الشخصيات، والخطاب المرتبط بالمعمار، بما في ذلك فضاء شارع قابل الذي تتفاعل في رحمه كثير من الأحداث وتتصارع فيه الكثير من الشخصيات، يؤشر إلى هذا الخطاب نفسه. بالإضافة إلى الاختلاط اللغوي بين الفصحى واستثمار اللغة الشفوية، التي من شأنها خرق نقاوة اللغة وتحريرها من اللغة الواحدة الوحيدة، ويصل هذا الامتزاج اللغوي حد إثارة انتباه القارئ، وبعودتنا إلى الرواية نقرأ هذا النموذج:
«بكر دون أن ينبس ببنت شفة أخذ يشرب شوربة الحب: «ما جا رمضان يا أمي لسة بعد أسبوعين ليش سويتي شوربة الحب؟». ردت الأم بحنان وهي تربت على كتفه: «اليوم جارتي أهدتني بهارات شوربة الحب في صرر قلت خليني أجربها يا ولدي.
فأبعد يدها عن كتفه: «أنا مو ولد صغير يا أمي، لا تعامليني كده».
وعليه، نلاحظ من خلال هذا الحوار انتصار الكاتبة لذاكرة اللغة الشفوية وجماليتها بقصد تنويع لغة سردها الروائي أولا، ثم بقصد تحديد دقيق للملفوظ والتقاط الأشياء كما هي لا كما هي غارقة في التفصيح وسلطة اللغة الواحدة.
ومسك الختام، تبدو رواية «شارع قابل» بمحكياتها وجمالية تعددها اللغوي، أشبه ما تكون بعلبة حكي متعددة الأحداث والأصوات واللغات، بيد أنها تتجاور حينا وتتنافر حينا آخر، لكنها في النهاية تعزف على لحن واحد، عبر استرجاع لحظات من حيوات متنوعة، حيث «شارع قابل» ومدينة جدة مأواها وعالمها المفتوح على زمن عتيق يفضي إلى ذاكرة رواية خصبة.

٭ كاتب مغربي

تجاور المحكيات في «شارع قابل» للسعودية حنان طالب

عبدالله المتقي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left