الموقف الإيراني من «غصن الزيتون» التركي في عفرين

[1]

لا تتوقف القيادات الإيرانية، عن إدانة السياسات الأمريكية طوال عقود، ومهاجمة سياستها نحو إيران والمنطقة. وكذلك تقوم الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مهاجمة إيران ووصف قيادتها بالديكتاتورية واتهامها برعاية الإرهاب الدولي.
منذ بداية الثورة الإيرانية عام 1979 أطلقت إيران شعار «الشيطان الأكبر» على أمريكا، ولكن الكثير من الأخبار التي كشفها رؤساء ومسؤولون إيرانيون سابقون فضحت هذه العلاقات العدائية في الظاهر، والحميمية في الباطن، ومنها تصريحات الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر، الذي كان ضحية صراع تيارات سياسية متشددة وإصلاحية داخل إيران، فقد كشف عن العلاقات السرية الوثيقة بين إيران وأمريكا في عهد الخميني وكان في قمة الهرم السياسي في إيران وبعده. ولكنهما حتى الآن لا يستطيعان تطبيع علاقاتهما، رغم ان أكبر هدف سعت له إيران من وراء تنازلاتها الكبيرة في ملفها النووي كان كسب ثقة أمريكا والغرب، بحسب تصريحات وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف بعد توقيع الاتفاق في 2015.
وبغض النظر عن صحة الأخبار التي تكشف العلاقات السرية بين إيران وأمريكا، فإن مجريات الأمور السياسية والأمنية والعسكرية على أرض الواقع تثبت أن هناك تفاهمات سرية، أو اتفاقيات مقررة بينهما، وإن لم تكن مدونة دولياً، تنسق تحركات كل دولة نحو الأخرى، بما لا يضر بمصالحهما المتفق عليها بينهما، وعلى رأس هذه التفاهمات السرية التي انتهت إلى تفاهمات دولية موقعة في الاتفاق النووي بين إيران والدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، فيما تم التعارف عليه بخمسة زائد واحد، هذا الاتفاق تم بين إيران وامريكا بعد مفاوضات بدأت سرية في سلطة عمان وغيرها، بل منها ما تم الوساطة فيه مع الحكومة التركية أيضاً، وفي المقابل كانت إيرن تتحرك بكل حرية عسكرية في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج العربي، حتى أعلن مسؤولوها بهيمنة إيران على أربع عواصم عربية، فإيران لم يكن لها أن تعلن هذه السيطرة لولا تفاهماتها مع الإدارة الأمريكية، ومع وزارة الدفاع الأمريكية تحديداً، التي سبق لإيران أن قدمت لها خبرات لوجستية في غزو أفغانستان عام 2002 وغزو العراق 2003، فالحرس الثوري الإيراني يلعب دورا مهماً في تنفيذ التفاهمات الإيرانية الأمريكية في المنطقة، وهذه ليست تهمة له بالعمالة لأمريكا، بل هو ينسق أهدافه بما يحقق لأمريكا أهدافها أيضاً، وبما لا يتعارض معها ثانياً، فامريكا لديها خططها لتقسيم المنطقة مرة أخرى، بعد تقسيمات سايكس بيكو 1916، وقد وضعت هذه الخطط الأمريكية منذ عام 1974، وقد لا يكون التغيير في نظام الحكم الإيراني إلا أحد الخطوات اللازمة لإنجاز التقسيم في البلاد العربية خدمة لأمن إسرائيل.
فإيران في عهد الشاه لم يكن لديها أطماع توسعية ولا غزو فكري في البلاد العربية، وأمريكا بحاجة لمن يثير المنطقة ويشعلها بالفتن والحروب الأهلية، كأهم أدوات التقسيم، وقد استعدت الثورة الإيرانية الطائفية للقيام بهذا الدور، ظنا منها بأن أمريكا سوف تسمح لها بالسيطرة الحقيقية على المنطقة، لا أداة يمكن الاستغناء عنها بعد تحقيق أهدافها. ولا شك أن سياسة الحرس الثوري كانت تعرف ذلك، ولذلك أمسكت يد امريكا في العراق بتهديد حياة جنودها الأمريكيين هناك، وقد نجحت هذه السياسة حتى الآن، نا اضطر امريكا لسحب معظم قواتها من العراق عام 2011 عن طريق مفاوضات نوري المالكي مع إدارة أوباما الأمريكية، فأبقت أمريكا نحو خمسة آلاف جندي أمريكي في العراق، وعادت إيران للمطالبة بإخراجهم من العراق لاستكمال سيطرتها على العراق، وكلفت رئيس الوزراء العراق حيدر العبادي بمتابعة ذلك والمطالبة به، ولكن البنتاغون اعلن مؤخرا رفضه سحب جندي واحد من العراق، لإدراكه بأنه سيدخل بعد ذلك في حرب فعلية مع إيران في العراق نفسها.
هذا ما لعبته إيران في سوريا أيضاً، وتفاهمت مع أمريكا منذ عام 2013 على التدخل العسكري في سوريا لمنع إسقاط الأسد، لحين توفير الظروف لتقسيم سوريا نهائياً، فأمريكا لم تستخدم مؤتمر جنيف في منتصف 2012 لإسقاط الأسد، وإنما لمنع انتصار الثورة السورية، وحين أوشكت إيران على الفشل بمنع سقوط الأسد منتصف 2015 تعاونت مع امريكا على توريط الروس الطامعين بسوريا للتدخل العسكري، لتحقيق الأهداف نفسها، فأمريكا تريد من روسيا منع سقوط الأسد وتهيئة الأوضاع في سوريا للتقسيم، واستنزاف روسيا وسمعة بوتين، كما استنزفت الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.
وإيران بعد عجزها عن منع سقوط الأسد ظنت أن تعاونها مع روسيا سوف يسمح لها باستخدام الجيش والطيران الروسي لتحقيق مصالحها، بينما جاء بوتين لتحقيق أحلام تاريخية للكنيسة الأرثوذوكسية الشرقية في الهيمنة على مياه المتوسط، فركزت روسيا جهودها على ضرب مقومات القوة في الشعب السوري، كدولة احتلال استعماري جديد، وعملت على بناء قواعدها العسكرية الجديدة في طرطوس وحميميم وغيرها، فروسيا لها أهدافها الخاصة، البعيدة عن أهداف أمريكا وإيران ومن باب اولى غير أهداف تركيا والعرب أيضاً، وهذا ما أدركته الحكومة الإيرانية مؤخرا فاتهم مسؤولوها روسيا بالغدر في سوريا. صحيح أن إيران في عهد الملالي لم تستطع الانتصار في العراق وسوريا ولبنان واليمن بالسيطرة على هذه الدول لصالحها، إلا أنها حققت بعض أهدافها بتدمير هذه الدول وتشريد شعوبها، وخسارتها من الشيعة العرب في الغالب، وهذا لا يهمها، وما يهمها الآن أن تواصل معاركها التخريبية في البلاد العربية، على أيدي أحزابها الطائفية، المهم بالنسبة لها إبقاء الصراع والمعارك خارج حدودها الجغرافية، فهي تقر الآن بغدر روسيا لها، وهذا غير بعيد عن خسارتها مع حليفها السري أمريكا، لأنها لن تعترف بان امريكا غدرت بها في سوريا أو في العراق او في اليمن او في لبنان، فالإدارة الأمريكية حصرت دعمها في سوريا بتأييد الأحزاب التي يمثل الأكراد فيها القوة الحقيقية، ولا يضير أمريكا أن تكون هذه الأحزاب متهمة بالإرهاب دولياً، طالما هي قادرة على تحقيق أهدافها في سوريا أو في العراق، ولعل ما دفع امريكا لهذه النتيجة بالتحالف مع الأحزاب الإرهابية ذات الأصول القومية الكردية، تيقنها من عجز إيران عن تحقيق الأهداف الأمريكية، فإيران لم تنجح إلا في العراق وبمساعدة امريكية هائلة، ولو ان امريكا تحالفت او تركت المقاومة العراقية بحالها لهربت إيران من العراق منذ سنوات، ما جعل إيران تفشل في سوريا وفي اليمن وفي لبنان حتى الآن، فإيران تخوض حروب موت وتدمير وإفقار لهذه الدول فقط، بينما أطماعها التوسعية تحطمت على صخرة الإرادة العربية، رغم ضعفها أولاً، وعلى صخرة التحالفات الدولية الطامعة في سوريا واليمن ثانياً، ولا يضير إيران ذلك، طالما هي تحقق الهدف الثاني من تدخلها العسكري، وهو إبقاء البلاد العربية في حالة حروب وإنهاك وتدمير داخلي.
هذه التحليلات تجعل الاعتماد التركي على تفاهمات صادقة مع إيران في سوريا أمراً صعباً، لأن الحرس الثوري هو من بدأ بتسليح الأحزاب الكردية في العراق وسوريا منذ عام 2013، وكذلك الحرس الثوري يهيمن على قرار جميل بايك رئيس حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل في شمال العراق، وهي التي دعمت بالتنسيق مع امريكا صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، وأمدته بالسلاح، وهو ما كانت روسيا تؤيده، ظنا منها ان هذه الأحزاب القومية الكردية يمكن ان تكون أدوات مساعدة للغزو الروسي لسوريا أيضاً، ولكن روسيا لم تقدم للأحزاب الكردية الإغراء الأكبر من الاغراء الأمريكي، فخسرتها لصالح البنتاغون، ولذلك جاء اتهام هذه الأحزاب لروسيا بانها غدرت بها في عفرين تهمة كاذبة، فهي من بدأت الغدر بروسيا بتحالفها مع أمريكا، ومع دخول الجيش التركي بمهمة دعم الجيش السوري الحر لتحرير مدنه وقراه شمال سوريا وتطهيرها من الإرهاب الداعشي او اليساري التابع لحزب العمال الكردستاني، بكل مسمياته الجديدة قوات حماية سوريا «بيج» أو «بيد» أو قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بالتسمية الأمريكية، كل ذلك يفرض على الحكومة التركية أن تكون حذرة في التعاون مع إيران.
إيران كانت إحدى ادوات تعطيل عملية «درع الفرات» في مراحلها الأخيرة، وغير مستبعد ان تستخدم امريكا او روسيا، إيران في تعطيل «غصن الزيتون» في مراحلها الأخيرة أيضاً، لأن إيران لا تطمئن لسيطرة الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا على مدنه وقراه في سوريا، وحصر التعاون الإيراني التركي بمنع سيطرة هذه الأحزاب الارهابية على منبج والرقة بعدها، فلا بد أن ترى إيران مصالحها في ذلك، فسيطرة أمريكا عن طريق القواعد العسكرية شمال سوريا في منبج أو الرقة أو عن طريق الأحزاب الإرهابية يضر بالرؤية الإيرانية أيضاً، وامريكا لن تتوقف لاحقا عن إخراج إيران من سوريا، وكذلك إخراج روسيا أيضاً، او إضعافهما في سوريا، وهذا يجعل بعض الأهداف التركية أهدافاً مشتركة لإيران وروسيا أيضاً، وهذا يتطلب منهما، أي روسيا وإيران، العمل لإنهاء الصراع في سوريا لصالح الشعب السوري، الذي يتولى بنفسه تنظيم علاقاتها السياسية والدولية مع روسيا وإيران وتركيا بعيدا عن أمريكا في المستقبل، فبقاء بشار الأسد في السلطة سيبقي هدفا لأمريكا، يضر بإيران وروسيا، لأنه سيبقي الصراع في سوريا لسنوات مقبلة، وهذا خطأ كبير تقع فيه روسيا وإيران، فأهداف امريكا وإسرائيل تتعارض مع أهداف إيران وروسيا، ويمكن ان تجد روسيا أولاً وإيران ثانياً مصالحهما مع الرؤية التركية لإعادة بناء الاستقرار في سوريا من جديد.
كاتب تركي

الموقف الإيراني من «غصن الزيتون» التركي في عفرين

محمد زاهد غول

4 Comments (Open | Close)

4 Comments To "الموقف الإيراني من «غصن الزيتون» التركي في عفرين"

#1 Comment By Dinars On Feb 9, 2018 @ 11:32 pm

لاثت وُرَيقات غصن الزيتون وشحبت حبات الزيتون. ولم تنته حرب الوَكالة التي تقوم بها تركيا التي عليها أن تحصن حدودها مع سوريا ثم تتجه نحو أوروبيا حيث مجال توسعها الحقيقي الذي ينتهي عند أطراف البيرينيه والمونش لو أرادت حقا ذلك.

#2 Comment By نهى عبد الكريم – أمريكا On Feb 10, 2018 @ 12:19 am

ما يثير الحزن حقا في هذه المعادلة هي الضريبة الباهظة التي دفعها ومازال يدفعها شعوبنا العربية المعنية بيانات الصراع التي تعد الضحية الأولى في هذا الصراع الذي بات يشكل معادلة أنانية إقليميا وتناسى الجميع أن الشعب السوري تاق إلى نيل حريته عبر ثورة سلمية حاولت قوى الشر الخبيثة الإقليمية والدولية إلى تحويلها إلى صراع أهلي وفيما يتعلق بنظام توزيع النفوذ في سوريا فتبقى إيران أكثر الأطراف التي تمثل خطرا في سوريا والعراق ومجمل المشرق العربي بسبب ضلوعها في تشكيل المزيد من المليشيات ذات الطابع المذهبي وباتت إيران تعلن صراحة ماذا يشكل لها العراق وسوريا ولبنان واليمن وما يثير الحزن أكثر هو غياب الدور العربي المؤثر بشكل إيجابي في سوريا او العراق فضلا عن تعثر ادا الدور التركي الذي يراوح بين البراغماتيه السياسية وبين محاولة دعم الثورة وباتت الرؤيه التركيه حيال الثورة السورية ضبابيه في ظل التفاهات التركيه مع إيران ومع روسيا الغازية

#3 Comment By خليل ابورزق On Feb 10, 2018 @ 2:46 pm

كما قيل في السياسة لا يوجد صداقات دائمة و لا عدوات دائمة انما يوجد مصالح دائمة. و كل من اللاعبين الكبار و الصغار يفعل او لا يفعل بما يرى انه يحقق مصالحه وهذا عين العقل. و الاعقل ان تترك خصومك يتورطون و يتعاركون و يحطمون انفسهم بايديهم.
الثابت ان افشال الثورة السورية خاصة و الثورة العربية عامة هو هدف مشترك لكل القوى المؤثرة المحلية و الاقليمية و العالمية لان نجاحها سوف يغير قواعد اللعبة في المنطقة التي اقيمت منذ 100 سنة على الا يقوم للشرق قائمة. فالحرية و الديموقراطية تعني نهضة الشرق ووحدته التلقائية و زوال اسرائيل الحتمي و السريع.

#4 Comment By أسامة كليّة سوريا/ألمانيا Ossama Kulliah On Feb 10, 2018 @ 9:01 pm

وهذا هو الصحيح يا أخي خليل ابورزق, نجاح الثورات العربية كان سيشكل تغيير جذري واوباما بالذات كان يخشى على أمن إسرائيل وبقية الأنظمة في المنطقة كالسعودية مثلاً , من هكذا تغيير لا يمكن ضبط مسيرته وتطوره. ولنا الله ومالنا غيرك ياالله.