متى تشعر بالخوف في رحلة اكتشاف السيسي؟

د. يحيى مصطفى كامل

Feb 10, 2018

للنفس فصولها وأطوارها هي أيضاً، تحاكي في ذلك الزمن والطبيعة وتماشي تطور الأحداث وتقلب الخطوب. في رحلته من الظل أو العتمة إلى دائرة الضوء المبهر الكثيف شهدنا من السيسي تقلباتٍ وتحوراتٍ مشابهة يداً بيد، مع تنامي رتبته من لواءٍ إلى مشير (رغم عدم خوضه أياً من حروب مصر الكبيرة) وتعاظم سلطته وما بدا إحكاماً لقبضته أكثر فأكثر على مقاليد السلطة ومفاتيح القوة وشتى الخيوط.
رأيناه حانياً عطوفاً يشفق على هذا الشعب المسكين، الذي سقط في يد زمرةٍ أو جماعةٍ تبحث عن مصلحتها وتتلاعب به وحامياً له من الإرهاب ومؤامراتٍ كونية تحاك له، وعلى استعدادٍ لفدائه بنفسه؛ رأيناه مستجدياً الدعم مطالباً بنزول الناس إلى الشارع لتفويضه، كما رأيناه طاووساً يختال في افتتاح توسعة قناة السويس، ويودع طائراتٍ حربية تقلع لتهدم أوكار الإرهاب في سيناء، كما رأيناه يتفاخر ممتلئاً بنفسه معتداً بها، هو الذي شهد له الفلاسفة إذ أدركوا أن الله خلقه طبيباً؛ وكثيراً ما شاهدناه مزمجراً متوعداً الأشرار والإرهابيين، ومنفعلاً طوراً آخر كحين طمأننا بأن مصر لا تفتقر إلى حقوق الإنسان فحسب، وإنما للتعليم والصحة والعمل والإسكان.
لكن خيطاً ينتظم تطوراته وتقلباته، بل تحوراته، إذ أن نبرته ولهجته ما تني تزداد علواً وتعالياً شيئاً فشيئاً، وتغدو آمرةً أكثر فأكثر توازياً مع تعاظم النبرة الأبوية والمهددة لأعدائه «الأشرار» الذين لم يسمهم، فهم على الأغلب يعرفون أنفسهم، وما الذين يتصادف حضورهم والجمهور الأوسع الذي يسمع ويشاهد سوى شهودٍ، تماماً كالعامة والدهماء والسابلة في صراعات المماليك سابقاً. والأمر بسيط لكل من لا يتعمد عدم الرؤية من الغربال، مؤثراً التشبث بأوهامه المريحة الجميلة، فهو ببساطة يميط قناعه وينضو عن نفسه قشرة الشفقة الرقيقة وثوب الحنو الخادع ليظهر «ألوانه الحقيقية»، حسب التعبير الإنكليزي الشائع، فالبالون امتلأ حد الانفجار بما نفخ فيه من جوقة الطبالين والأفاقين من إعلاميين وكتبةٍ وبيروقراطية وناسٍ مضحوك عليهم.
لكننا بالتأكيد لم نره متوتراً منفعلاً محتداً محتقن الأوداج مكفهر الوجه منتفخ العينين غضباً وعصبيةً، كالحال التي كان عليها لدى افتتاح حقل الغاز مؤخراً، فهو لم يكف عن التوعد والضحك استخفافاً من الذين يبدو أنهم لا يعرفونه جيداً، متباهياً بمعرفته الأوسع والأعرض، ورغم نفيه أن يكون سياسياً كأنها تهمة أو سبة، فإنه فاخر أيضاً بدرايته وحنكته الأمضى في ما يخص شؤون الدولة. في الحقيقة هو لم يشذ عن طريقة كلامه المعهودة، فقد بقي وفياً للاسترسال والخروج عن النص والتلعثم أحياناً، وكلما أوغل بعيداً لم تسعف لغته الشحيحة، ولا قدرته الضامرة على التعبير والإيضاح، ومفاهيمه السطحية حبل أفكاره المضطربة الهائمة في شتى الأركان وهواجسه المقلقة الممضة. إطلالةٌ على ما يختمر ويدور في رأسه- ذلك ما كشفت عنه تلك الوصلة الممتدة، فهو لم يعد يتوخى الحرص الذي كان، ولا يمالئ ولا يعبأ بأن يبدو حانياً، فربما ظن أعداؤه من «أهل الشر» به ضعفاً يستطيعون من خلاله النفاذ إليه.
ليس لديّ أدنى شك بأن الكلام لم يكن موجهاً لأيٍ منا، ولا حتى من الجمهور الذي يشهده على صراعٍ، إما واقعٍ أو وشيك، بل إلى أطرافٍ في السلطة، تحديداً في المنظومة الأمنية – الاستخبارية أو القوات المسلحة، ومن قد يكون داعماً أو محرضاً لهم من رجال أعمال ٍأو ما أشبه. الصراع دائرٌ بالتأكيد في عقل الرجل، يقلقه ويخيفه ويؤرقه كما نطقت بذلك هيئته جلياً بدون مواراة.
لست أول من يستنتج ذلك، إلا أن أهميته تتضح عبر دحضه ذلك الرأي أو تلك التنظيرة بالأحرى، التي تعتقد أو ارتأت لوهلة أن الأجهزة تعمل بتناغمٍ لأول مرةٍ منذ 23 يوليو 52، إذ يقيناً أن التحدي الوحيد الذي قد يوصل السيسي إلى ما بدا عليه لن يكون من خارج هذه المنظومة، التي يستند إليها، خاصةً أن مجمل تحركاته يشهد بأنه لا يقيم للشعب وزناً، ويحسب أنه يستطيع أن يضحك عليه بكلمتين معسولتين، وهو إذ يحاصره في خندق لا يسمح له فيه سوى بالتصديق الأبله والتصفيق له مصطفاً وراءه، فإنه بذلك يستدعي (ربما بدون وعيٍ أو قصدٍ منه) تقليد دولة يوليو كما رسخه وخلفه عبد الناصر. كما حاكاه أيضاً في عسكرة لا الاقتصاد فحسب، ولكن شتى مناحي الحياة، بوتيرةٍ واتساعٍ ربما يفوقان أي شيءٍ قام به عبد الناصر. لاسيما أنه إذ يعتمد حصراً على المنظومة الأمنية العسكرية والجيش تحديداً (أدوات عنف النظام) ففي عسكرة الاقتصاد نوعٌ من المسارعة والهرولة لإرضاء أكبر قدرٍ ممكنٍ من الرتب والرجال لاكتساب (وشراء إذا أردنا الدقة وسمينا الأمور بمسمياتها) ولائهم.
غير أنه ليس من الصعوبة بمكان استنتاج أن تلك المحاولة المستميتة قد لا تكون كافية لإشباع نهم وطمع الجميع، بل قد تزيد من شهية البعض، فاحتياج طرفٍ لآخر واعتماده عليه (كالسيسي مع الجيش) يشعر الأخير بأهميته كشرطٍ وجودي للمحتاج، إلى جانب أننا لا نستطيع أن نستبعد تماماً أن الأمر قد لا يخلو من نزعةٍ أو حميةٍ وطنيةٍ لدى البعض، وحرصٍ وخوفٍ على مستقبله من مسلسل التنازلات والتقارب مع الكيان الصهيوني والتنازل عن الأرض.
جولةٌ أخرى من صراع الأفيال والتطاحن تصاحب محاولة إعادة إنتاج النظام ارتكازاً على الجيش بالأخص، وقد فشلت هذه الوصفة من قبل، ولم تخلف سوى نظامٍ مسخ فقد مقومات البقاء، ولما كان المجال العام قد جرف من قبل، فما الحاصل الآن سوى ضربٍ في الميت أو»تكسيح» لمعاق.
مخيفٌ ما نشاهده من صراعٍ يمزقون فيه بعضهم بعضا بهذه الفظاظة والشراسة، كما هو مخيفٌ ذلك العنف المتنامي في كلام السيسي وتكشف شخصيته الحقيقية بمفاهيمه وآرائه التي ربما كان من الأنفع والأجدى أن يشرحها لنا بتفصيلٍ أكثر جملةً واحدة فيعلمنا عوضاً عن التعالي علينا بحصيلة خبرة الخمسين عاماً وتبكيتنا.
لقد استدعى مرأى هجمة السيسي تلك إلى ذاكرتي شيئاً من أطياف 81 حين عصف السادات بكل أعدائه وقد رأينا مآله، لذا فلم ينِ يلح عليّ سؤال في مناسبات شتى لكل من أراه مطمئناً: ألم تشعر بالخوف حين عصف بالمعتصمين في رابعة والنهضة فقتل من قتل وأحرق من أحرق وأصاب من أصاب عوضاً عن حلٍ سياسي كان ممكناً؟ ألم تشعر بالخوف حين أنفق ملياراتٍ على مشاريع لا جدوى من ورائها سوى الأثر النفسي باعترافه وحين افتتح التفريعة الجديدة لقناة السويس؟ ألم تشعر بالخوف وأنت ترى وتسمع عن الشرطة التي تداهم الناشطين والسياسيين بل والصبية في المقاهي؟ ألم تشعر بالخوف والنظام يجاهر بتصفية أعدائه وأنت تسمع عن المختفين قسرياً؟ ألم تشعر بالخوف وترق لعشرات الآلاف الذين يتعفنون في السجون؟ ألم تشعر بالخوف حين قتلت شيماء الصباغ جهاراً نهاراً حاملةً باقة ورد؟ ألم تشعر بالخوف حين ألقيت بجثة ريجيني المشوهة كالكلاب على قارعة الطريق؟ ألم تشعر بالخوف حين قال إن الله خلقه طبيباً يداوي وأنه «أبو العريف» شهد له فلاسفة لم يسم أياً منهم؟ ألم تشعر بالخوف حين سلم الجزيرتين المصريتين؟ ألم تشعر بالخوف حين حرر سعر الصرف فأسقط بجرة قلمٍ الملايين إلى مصاف الفقراء والمعوزين؟ ألم تشعر بالخوف وهو يمزق معارضيه المعروفين وبعضهم كان زميل سلاحه؟
ألم تخف وتفوق مع كل هذه الأمثلة وغيرها أكثر؟ فمتى تشعر بالخوف إذن؟
كاتب مصري

متى تشعر بالخوف في رحلة اكتشاف السيسي؟

د. يحيى مصطفى كامل

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left