انتخابات الرئاسة المصرية والملفات العالقة!

[1]

من المعلوم من السياسة بالضرورة أن الانتخابات العامة؛ تشريعية أو رئاسية؛ وسيلة سلمية للتغيير الديمقراطي تنهي مرحلة لتبدأ بها مرحلة جديدة، لكن يبدو أن هذه القاعدة لا علاقة لها بالانتخابات الرئاسية التي تجري نهاية الشهر القادم في مصر، ومع ذلك أيا كانت النتيجة، التي تبدو معروفة سلفا، فلن تعدم المفاجآت؛ بسبب قرارات وإجراءات تعسفية وشاذة؛ طَبَعت حكم «المشير» بطابعها على مدار سنوات الرئاسة الأربع؛ عاشت مصر خلالها «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».. والمفاجآت المتوقعة كثيرة، وهي محصلة حرب ضروس معلنة من قِبَل دولة «المشير» ضد عموم المواطنين؛ الذين هم «أهل الشر» من وجهة نظره؛ وعلى ما يبدو أنها حرب لن تضع أوزارها قريبا، ولن يُغلق ملفها في المدى المنظور، وتبقى توابعها محركا للعنف والبطش المستمر، وتزداد الوطأة بالدور النشط لأذرع «المشير» الأخطبوطية.
ملأت الانفعالات والتوترات والوعيد والتهديدات الفضاء الرسمي؛ أما النعومة البالغة فهي دائما مع المطبعين والفاشيين وأذرعهم الممتدة إلى كل المجالات. وهي حالة لها شبيه في التاريخ المصري القريب؛ حيث أدى فلتان أعصاب السادات في أيلول/سبتمبر 1981 إلى وضع قادة مصر ورموزها الوطنية والسياسية والأكاديمية والإعلامية والصحافية والدينية؛ إسلامية ومسيحية في السجون والمعتقلات، واتخذ شكل «الكوميديا السوداء»، حين وصفه حراس المعبد وحملة المباخر والفاشيون؛ وصفوه بالثورة؛ «ثورة 5 سبتمبر».. قصيرة العمر؛ لم تُعمر غير شهر واحد وجاءها «حادث المنصة» في 6 اكتوبر 1981، فأردى السادات صريعا.
وذاكرة الحكام من هذا النوع مثقوبة؛ استمروا في اقتراف نفس الأفاعيل وارتكبوا نفس الحماقات، واعتادوا على نفس الألاعيب، وكانت تلك بداية استقرار قواعد التسلط والاستكبار والغباء، وشيوع الجهل بأن السيادة الحقيقية في الدولة المعاصرة هي للشعب، وأي مسؤول؛ مهما علا شأنه أو تدنى وضعه؛ بداية من رئيس الدولة إلى أصغر العاملين في أدنى سلم الحكم؛ كلهم خدم لدى الشعب؛ يحصلون على معاشهم من عائد إنتاج الفلاح والعامل، ومن خدمات التاجر والموظف، ومن موارد الضرائب، ومن المفترض أن هؤلاء رهن إشارة المواطن. لكن فراعنة الدولة يتصرفون تصرف الثري التركي الذي فقد ثروته فامتهن التسول؛ مادا يده للمحسنين قالا «اعطني حسنة.. أنا سيدك»، وصارت مثلا في مصر، ولا أعلم إن كان لهذا المثل نظير في البلاد العربية الشقيقة..
والغوص تحت جلد المسؤول المتفرعن يكشف أن فقدان الأعصاب وعدم ضبط الكلام؛ المعتاد من «المشير» جاء تجاوزا لما كان معتادا.. وعبرت عنه لغة الجسد وحركات الأصابع وتلويحات الأيدي وعبوس الملامح وغِلَظ الأيْمان، وهي حالة رهاب وخوف من شيء ما؛ هل هو شبح طوفان بشري جديد كالذي شهدته مصر في 2011 و2013، وإن بدا ذلك احتمال ضعيف، والمشكلة أن القابضين على الزمام نسوا أن ذلك الطوفان هو الذي فتح أمامهم أبواب الحكم، وحمل «المشير» إلى القصر الجمهوري، وسهل له الحصول على تفويضات وصكوك حصنته من المساءلة، وإن لم تكن مطلقة، ولا ممنوحة على بياض، ولا بغرض التنكيل والتأديب والانتقام والتضييق، ولا من أجل هندسة مواطن أصم وأبكم وأعمى؛ عليه الانصياع دون مناقشة سمعا وطاعة؛ «تسمعوا كلامي أنا بس (فقط)».
والعقدة لم تكن في ذلك الطوفان، وهو مثل الظواهر الطبيعية والمناخية والاجتماعية، وتكمن في قصور الرؤية والعجز عن سبر أغوار مثل هذه الظواهر، وما تركت من آثار نفسية وفكرية وروحية، فذلك «الطوفان النبيل» غير الوطن والمواطن، ونوهنا إلى ذلك في كتاب «ثورة يناير من الإعجاز حتى الشيطنة» (صدر في 2012)؛ نوهنا إلى تغيير كان في حاجة لنصف قرن على الأقل؛ أُختُزل في 18 يوما من الثبات في ميدان التحرير بالقاهرة وباقي ميادين الثورة في ربوع البلاد.. ‪ويبدو أن طاقة «المشير» الذهنية والفكرية والمعرفية لم تسعفه على استيعاب الظاهرة، فتوقف عند يوم 24 يناير 2011‬ ولم يبرحه بعد.
ومفاجآت معركة انتخابات الرئاسة المتوقعة تقلق «المشير» وأذرعته، فقد نطقت الجموع في الشوارع وداخل المركبات العامة والخاصة، وعلى المقاهي وفي البيوت؛ دون حاجة إلى حشد أو تظاهر؛ نطقوا بالنقد الحاد واللاذع، ومحملين «المشير» مسؤولية ما لحق بهم من أذى وحل بهم من ضنك، وطلب رحيله، أو الوفاء بوعده بعدم الاستمرار الحكم يوما واحدا دون رغبة الشعب، ويبدو أنه يحمل هم تبعات قد تترتب على ترك المنصب، والآمال التي علقتها عليه الرياض وواشنطن وتل أبيب، والخوف من فشل «صفقة القرن».. وهذا لا يتحمله هذا الثلاثي المرتبط برباط «كاثوليكي» من الصعب الفكاك منه.
وإذا ما أردنا تناول إنجازات السنوات الأربع من حكم «المشير»، فقد تلاشت بفعل الإخفاقات النوعية والصادمة التي وقعت، وطمست كل أثر لأي إنجاز مهما كانت قيمته؛ حتى أن المستفيدين منه والمتكسبين من ورائه، وهم دوائر محدودة للغاية لم يشعر بهم أحد، وانجاز «المشير» المؤكد هو عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي, والإطاحة بحكم «الجماعة» بعد عام واحد فقط من تسلمها الحكم، وتم ذلك استنادا إلى خروج مئات الآلاف إلى الشوارع احتجاجاً، وبقي إبعاد «الإخوان» عن السلطة، هو الإنجاز الأبرز لـ«المشير».
ويُحسب لعهد «المشير» شق شبكة طرق تجاوزت ألفي كيلومتر في ثلاث سنوات، وتجديد شبكة الكهرباء وإقامة عدد كبير من محطاتها، وحل أزمة انقطاعها، وبناء مئات من وحدات الإسكان الاجتماعي لذوي الدخل المنخفض، ولم يتم ذلك بلا أعباء ثقيلة على كاهل المواطن؛ فقد ارتفعت أسعار الكهرباء أضعافا مضاعفة، وأوشك إلغاء كل أنواع الدعم بشكل كامل أن يتم بنهاية العام القادم (2019). بالإضافة إلى فرض رسوم مرور عالية على شبكة الطرق الجديدة. وما تم تحقق بتكلفة باهظة وقروض تجاوزت حد الأمان، وفوق طاقة الأجيال الحالية والقادمة على السداد؛ ناهيك عن الآثار المدمرة لتعويم العملة. الوطنية وما أدراك ما حدث للجنيه المصري!.
وخلال أسابيع الاستعداد لانتخابات الرئاسة هناك فرصة سانحة لتناول ملفات عالقة، بتفاصيل أوسع؛ تفيد القارئ وتساعد الناخب على اتخاذ قراره السليم، ومنها ملفات ترسيم الحدود البحرية ومأزق التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.. وملف مستقبل مياه النيل وأثر توقيع «المشير» على «اتفاق المبادئ» الذي سهل على أثيوبيا بناء سد النهضة.. وملف صندوق النقد الدولي وورطة قرض الـ12 مليار دولار وسداده، وما ترتب على تدخل «الصندوق» في رفع الأسعار وانخفاض مستوى معيشة قطاعات عريضة من المواطنين، وزيادة نسبة البطالة.. وملف «صفقة القرن» وآثارها المدمرة على الوضع الإقليمي لكل من مصر وفلسطين والأردن والسعودية وسوريا ولبنان.. وملف غاز البحر المتوسط، والتنازلات التي قدمتها إدارة «المشير» للشريك الأجنبي، الذي يبيع الغاز لمصر، كسلعة مستوردة؛ كأنها ليست في نطاق حدود مصر البحرية.. هذا فضلا عن ملفات «خصخصة» سلطات ومؤسسات الدولة، والتحكم في تعيين الهيئات العليا للقضاء، وفي اختيار رؤساء الأجهزة المركزية؛ غير القابلين للعزل، وملفات أخرى كثيرة.،

٭ كاتب من مصر

انتخابات الرئاسة المصرية والملفات العالقة!

محمد عبد الحكم دياب

1 Comment (Open | Close)

1 Comment To "انتخابات الرئاسة المصرية والملفات العالقة!"

#1 Comment By محمد On Feb 10, 2018 @ 4:36 am

انهلك وفينا الصالحون،قال نعم،اذا كر الخبث،صدق رسول الله. فليس غريبا ان تعاني مصر وخاصة الغلابا من ابنائها الضنك والجوع والحرمان ،لا لشيء سوى ان المجال قد ترك للخبثاء والاشرار الين زين لهم الشيطان اعمالهم ،فظنوا انهم يحسنون صنعا،ولكنهم حقيقة هم المفسدون.وكما تكونوا يول عليكم