مقتل الشاب الذي حلم أن يكون حارس مرمى

[1]

مكان قتل الشاب (ليث أبو نعيم) ساحةٌ فارغة وسط قريته النائية (المغير) شمال رام الله. ذات مرة فكروا ببناء بيت في هذه الساحة. قضبان الحديد البارزة من الأرض، والجدار الذي يلف البيت، كان كل ما بنوه. وراء تلك الجدران، اختبأ ليث قبل ملاحقة سيارتي جيب إسرائيليتين، حين أراد الهرب، فُتح باب سيارة الجيب المصفحة وأطلق أحد الجنود النار على جبهته وقتله. هكذا وصف شاهد عيان ما حدث في المكان.
حلم ابن السادسة عشر عاما أن يكون حارس مرمى. رشق الحجارة على سيارة الجيب المصفحة، لذا أطلق عليه النار. ربما ليأخذ العبرة، وربما كعملية انتقام. أصابت الرصاصة المعدنية المغلفة بالمطاط جبهته، فوق عينه اليسرى، وسقط ليث ميتا بعد وقت قصير. كان بإمكان مطلق النار توجيه رصاصته إلى رجليه، أو استخدام الغاز المسيل للدموع أو اعتقاله بطرق أخرى، لكن ،حسب شهادة شاهد العيان، فإن هذا لم يحدث.
ليست الإصابات بإطلاق النار على الرأس أمرا جديدا في هذه المنطقة: حسب تقرير «بتسيلم»، منذ بداية كانون الثاني/ يناير قُتل في الضفة الغربية مصعب السوفي الذي أطلقت النار على عنقه. أما علي كينو وأحمد سليم وليث أبو نعيم، فقد أطلقت النار على رؤوسهم. وقبل ذلك في شهر كانون الأول/ ديسمبر، قُتل بإطلاق النار على رأسه أحمد المصري من سلفيت. ونعم أطلقت النار على رأس محمد التميمي من النبي صالح والشاب محمد عوض التميمي من قرية عبود. الأخير ما زال قيد العلاج وهو بحالة حرجة في مستشفى في رام الله. التميمي من النبي صالح في فترة نقاهة ببيته، بيد أن جزءا من جمجمته ناقص. ليث أبو نعيم مدفون في مقبرة قريته.
لقد قتل ليث في الساحة الرئيسة في القرية، ساحة لا شيء فيها سوى بقالية عبد القادر الحاج محمد. البقال (70 سنة) هو الشاهد على إطلاق النار. كان صديقا ليث معه أيضا، لكنهما لم يشاهدا شيئا لأنهما هربا نحو بيوت القرية. الآن جاء الصديقان إلى هنا: ماجد وأسامة النعسان. شابان نحيلان، في السادسة عشر من عمريهما. جاء أبناء صف ليث أيضا، لتقديم الشهادة أمام محقق الصليب الأحمر الدولي، أشرف أدبيس، الذي جاء مع زميلته الأوروبية للتحقيق في ظروف القتل. الشباب بملابس موحدة جديدة: قمصان زرقاء عليها صورة صديقهم المتوفى ويضعون الكوفية على أكتافهما. يظهر على وجهيهما شعر خفيف. ما زالت الصدمة بادية على وجهيهما. بقي الكرسي الذي جلس عليه ليث في الصف فارغا، وقام زملاؤه بوضع صورته عليه كأنه ما زال معهم. يوم الأحد الماضي أقيم احتفال ذكرى في ساحة المدرسة.

خلف الخردة

قرية فقيرة، يعيش فيها حوالي 4 آلاف نسمة يعتمدون على الزراعة ومحاطة بمواقع استيطانية. القرية المجاورة، ترمس عيا، ثرية وعدد من بيوتها فاخر، يدل أن سكانها يعيشون في الولايات المتحدة. صديقا ليث وصاحب البقالة يقصون القصة نفسها حول ما حدث هنا يوم الثلاثاء في 30 كانون الثاني/ يناير. بعد الظهيرة توجه عدد من أطفال وشباب القرية إلى شارع ألون على بعد كيلومتر تقريبا عن مركز القرية، وقاموا برشق الحجارة وإشعال الإطارات. اندلعت، منذ تصريح دونالد ترامب الاعتراف بالقدس، في هذه القرية المنسية مواجهات، تقريبا بشكل يومي. صدت قوات الجيش الشباب وأبعدتهم نحو القرية بواسطة قنابل الغاز المسيل للدموع، وطاردتهم سيارتا جيب عسكريتان إلى داخل القرية. تفرق معظم الفتيان بكل الاتجاهات، بقي ليث وحده تقريبا أمام سيارتي الجيب وأراد، كما يبدو، أن يرشق حجرا آخر عليهما. تقدم في الساحة حيث القضبان الحديدية، نحو سيارة الجيب التي توقفت في الجهة الثانية. رشق الحجر وبدأ بالهرب، قال صاحب البقالية الحاج محمد، الذي تطل بقالته على الساحة، إن أحد الجنود، الذي كان يجلس قرب السائق، فتح باب سيارة الجيب وأطلق رصاصة واحدة. في الساحة توجد خردة لسيارة تجارية كانت ذات يوم لشركة «لايمن شليسر» للحلويات في إسرائيل، وهي الآن مطلية باللون البني وتستخدم كبسطة للفلافل. في الاثنين الماضي كانت أبواب سيارة الخردة مغلقة، حاول ليث الاختباء خلفها، لعله لم يتوقع أن الجنود سيفتحون باب سيارة الجيب ويطلقون النار على رأسه.
صعدنا إلى سطح المبنى الذي توجد تحته البقالة، وفيه عدد من الشقق التي لم تستكمل، من هناك نطل على الساحة: شارع ألون والمستوطنات والمواقع الاستيطانية من حولنا، عيدي عاد وشفوت رحيل، والساحة الفارغة مع قضبان الحديد البارزة فيها. ما زالت توجد على الأرض في المكان الذي سقط فيه ليث، بقعة دم وبقايا منشور لذكرى موته مع صورة له وضعت فوق البقعة. قال صاحب البقالة إن الجندي الذي أطلق النار تقدّم نحو الشاب الذي يحتضر وضرب جثته بقدمه، لفحص وضعه. أمر الجنود صاحب البقالة الدخول وإغلاقها. بعد ذلك غادروا المكان من دون تقديم المساعدة الطبية لضحيتهم. نقلته سيارة عمومية إلى عيادة في ترمس عيا ومن هناك، نقلته سيارة إسعاف فلسطينية إلى المستشفى الحكومي في رام الله.

حارس مرمى المنتخب

عُلّق الآن منشور كبير عليه صورة ليث وأعلام المنظمات الفلسطينية على جدار البيت الذي لم يبنَ، قرب المكان الذي سقط فيه. وفي يوم مقتله، قال صديقاه، غادر المدرسة في العاشرة صباحا تقريبا بعد شعوره بوعكة صحية. والتقياه مرة أخرى في الرابعة بعد الظهر هنا في الساحة. حسب أقوالهم، هو لم يشارك برشق الحجارة على شارع ألون، لكنه انضم فقط عندما عاد الشباب إلى الساحة. قال لنا جد ليث إن حفيده كان في الطريق إلى تدريب لكرة القدم في (ترمس عيا). عندما خرج من البيت بعد الظهر، حمل معه حقيبة التدريب. لم يجدوا الحقيبة وهم يعتقدون في البيت أن أحدا ما أخذها كتذكار.
يوجد بيت العائلة في طرف القرية، توفيت أم ليث، نورا وكانت في السادسة والعشرين بمرض السرطان، وكان عمر ليث وقتها سنتين. تزوج والده هيثم امرأة أخرى وانتقل للعيش في (بيت سيرا). بقي ليث يعيش في بيت جده فتحي وجدته نعمة، وهو البيت الذي نجلس في ساحته مع محقق (بتسيلم) إياد حداد.
حتى عمر العاشرة لم يخبروه أن والدته ميتة، وهو يعتقد أن جده وجدته هما والداه. أيضا بعد أن كبر ظل يدعو جده بـ «والدي». يعمل والده في شركة «مغنيزا» في موديعين للإنشاءات. وكان يرى ليث في كل نهاية أسبوع حين كان يأتي ليث إلى بيته في بيت سيرا.
قبل أربعة أيام من قتله، رآه للمرة الأخيرة. في يوم الثلاثاء الأسبوع الماضي اتصلت بهيثم أخته وقالت له إن ليث أصيب. سارع إلى المستشفى الحكومي في رام الله، ورأى الأطباء يحاولون عبثا إنقاذ حياة ابنه. قدمنا له كل ما استطعنا، قال جده الذي رباه.
درس فتحي الطبخ في المدرسة الحكومية للسياحة «تدمر» في هرتسليا. والوزير رحبعام زئيفي هو الذي وقع على شهادته. حتى وقت قصير كان الجد (65 سنة) يعمل طباخا في فندق «متروبول» في القدس. يحضر أحدهم قفازات حارس المرمى لليث: خضراء بيضاء وبالية. لقد كان شابا وسيما ذا شعر أسود ناعما.
لقد أكثر من التقاط الصور، ووالده يرينا الصور: هذه وهو يجدف في العوجا، لقد كان حارس منتخب المدرسة، يشجع فريق برشلونة. وأحب السباحة أيضا، ومثل معظم أبناء المنطقة لم ير البحر في أي يوم، باستثناء البحر الميت. قال جده إنه في كل مرة اندلعت مواجهات في القرية، كان يذهب ويحضره إلى البيت. في الثلاثاء الماضي لم يقم بذلك، لأنه ظنّه في التدريب.
قال المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي للصحيفة إنه «في هذا اليوم حدث إخلال عنيف بالنظام، شارك فيه نحو 30 فلسطينيا قاموا بإشعال الإطارات ورشق الحجارة على الجيش الإسرائيلي قرب قرية المغير. ردت القوات بوسائل تفريق المظاهرات، ونعرف بوجود إدعاء عن فلسطيني مقتول. بدأت الشرطة العسكرية بالتحقيق، وعند نهايته ستنقل النتائج إلى النيابة العسكرية».
يسأل الجد فتحي بتكدر: «هل يوجد جيش في العالم، بعد إطلاقه النار على شخص ما، يضع جنوده أقدامهم على جثته؟ لقد أطلقوا عليه النار بدم بارد لقتله. كانت تصفية. كان بإمكانهم اعتقاله، إصابته، لا أن يقتلوه. قتل فلسطيني لا يعني أي شيء بالنسبة لهم. لا مشاعر إنسانية لديهم. ألا يوجد للضابط الذي أطلق النار عليه أولاد؟ ألم يرَ في ليث ولدا مثل أولاده؟ لقد أصبح الجنود الإسرائيليون منفلتين، كل جندي يستطيع قتل أي شخص حسب مزاجه». بعد ذلك عرضوا علينا صور ليث في هاتف والده المحمول. ها هو يدخن النارجيلة مع أصدقائه، وهذه جنازته، ـ محمود عباس اتصل والآلاف حضروا. هذا هو عزاؤنا الوحيد.

جدعون ليفي وأليكس ليباك
هآرتس 9/2/2018

مقتل الشاب الذي حلم أن يكون حارس مرمى
اطلاق النار على رأسه والدوس على جثمانه
صحف عبرية
1 Comment (Open | Close)

1 Comment To "مقتل الشاب الذي حلم أن يكون حارس مرمى"

#1 Comment By مروان On Feb 10, 2018 @ 11:19 pm

قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار وبئس المصير، الله مولانا ولا مولى لهم.