لوسيان بورجيلي: «غداء العيد» مستقل بالكامل وترك للمتفرج حرية الاستنتاج

أراده فيلما من الواقع بكاميرا محمولة لتحقيق الانغماس لدى المشاهدة

زهرة مرعي

Feb 10, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: دخل لوسيان بورجيلي مساحة السينما الروائية الطويلة بفيلم «غداء العيد» مستنداً إلى حوارات رشيقة ومتنوعة تدور بين المجتمعين إلى طاولة طعام عائلية. من المؤكد أنه عرف سلفاً ضرورة تركيز كافة قدراته الإبداعية على حوار مشوق، وبغير ذلك لن يتمكن من الحفاظ على متفرجين يلازمون مقاعدهم حوالي ساعة ونصف يتابعون أحداثاً تدور ضمن حيز مكاني واحد.
السيناريو واحد من الانجازات التي حققها بورجيلي في خطوته السينمائية الأولى، أما الثانية وهي على درجة من الأهمية كذلك فتتمثل بأنه حقق فيلماً مستقلاً مئة في المئة، من دون حاجة للفة على داعمين للفن السابع. فجيبه الخاص تحمل كامل التكاليف، ولم يضبط أحدهم حرفاً متمنياً تبديله أو حذفه.
مع الكاتب والمخرج لوسيان بورجيلي هذا الحوار:
○ »غداء العيد» وليمة لبنانية دسمة هل أردتها لتأكيد المؤكد في تركيبتنا أم لوضع الأصبع على الخلل في صيغة الانتماء الوطني؟
• رغبت في وضع جزء من الحياة أمام نظر المشاهد، وتركت له أن يستنتج، يفكر أو يطرح السؤال حسب الشخصيات الواردة أمامه. المثال الذي يحضرني مشاهدتي في عمر الـ16 سنة أفلاماً لبرغمان، وتشايكوفسكي وجوني غودار دون أن أفهم ماهيتها. بل كنت أتوجع لأني لا أفهم. حضرت تلك الأفلام بإيعاز من صديقي الذي اعتادها من أخوته الأكبر منه. شاهدت تلك الأفلام بعد عشر سنوات وكانت لي نظرتي المختلفة لها، كما واستمتعت بها. حالياً وفي مرحلتي هذه فهمت تلك الأفلام أكثر. وقد أفهمها بصيغة مضافة بعد سنوات، وهذا يعود لحالتي في ذاك الوقت، ووضعية جلوسي ومن كان إلى جانبي. بالعودة إلى «غداء العيد» أظن أن كل شخص سينظر للفيلم بناء لعمره، تاريخه وحياته، وسيتفاعل مع الموضوع بطريقة مختلفة. سيتفاعل هذا الإنسان مع المضمر والمعلن من الفيلم، وكذلك ما هو حاضر في وعيه ولا وعيه. ليس لي إعطاء جواب، بل أسئلة، والباقي يعود للمشاهد. فهو سيعطي الإجابات التي يحتاجها في هذه المرحلة من حياته.
○ هل كتبت السيناريو قبل مشاركتك الفاعلة في الحراك المدني أم بعده؟ وهل تأثر السيناريو بالحراك الذي تمّ فضه؟
• للكاتب الذهاب إلى الخيال العلمي، ومهما أغرق سيبقى جزء منه في نصه. كان غودار يعتبر أنه يوثق الممثلين، وبماذا شعر كل منهم في هذه اللحظة. الممثل وحضوره في هذه اللحظة له صلة بما ينتهي إليه الفيلم، وليس الكاتب وحده. للحراك أثره عندي ولا ينفصل عني، شكل ولا يزال حالة الرفض للمؤسسة والنظام القائم في لبنان منذ زمن بعيد، والذي نعرف إلى أين أخذ البلاد والعباد. الحراك فكرة مستمرة، فهل سنبقى على حالنا أم سنجرب أسلوباً جديداً للتغيير؟ نحتاج التغيير الحقيقي. ثمة أفكار وردت في الفيلم لا أتبنّاها. فالفيلم جزء من مجتمع وليس لي تبني مجتمع بالكامل. شخصيات «غداء العيد» شريحة واقعية من مجتمعنا. وضعتُ النقاش بين أطراف العائلة، وللمشاهدين أن يديروا نقاشهم الداخلي. هذا مجتمعنا وليس لنا أن نتخفى ونقول أنه ليس هو.
○ لبنان يمنح الفن أفكاراً من دون حدود فهل كان تحديد الموضوع والنص سهلاً؟ ألم تكن في مواجهة مفاضلات على صعيد البيئة مثلاً؟
• قد ينطلق أحدنا من مكان قريب منه، وقد يبحث للذهاب نحو الأبعد. الوحي الذي كتبت من خلاله أتى من محيطي، ومنه تعارفت مع أصدقاء قريبين أو بعيدين. النص خبرية تلازم فكرنا، ننام معها ونمشي ونعيش. هكذا تتطور وتتوسع. وقد أسمع خبرية أخرى ويتسع المدى. ما أسمعه ويجذبني أدونه. سروري كبير لترشيح السيناريو لجائزة غوردن ريسلر في مهرجان ميامي السينمائي. هو السيناريو الوحيد الذي تمّ اختياره من الشرق الأوسط، وسيعرض في المهرجان في 13 اذار/مارس المقبل. لقد تمّ تقدير حبكة النص ومرونته وهذا ما أسعدني جداً. حتى في مهرجان دبي كثر طلبوا مني تزويدهم بالنص. أراه النص أساساً، ومن الضروري أن تكون له الأولوية.
○ لنتعرّف إلى ولادة «غداء العيد» كسيناريو وتمويل؟
• كتبت النص وأعدت صياغته أكثر من مرة، ومن دون مساعدة من أي جهة. فيما خصّ التمويل تعاملت مع الفيلم بكليته وفق نظرية «الدوغما» أو القوانين العشرة لصناعة فيلم خارج «السيستم» أو كما الجنين خارج الرحم. فيلم خارج «السيستم» من الصعب إيجاد من يؤمن به، أو أن يربح جائزة. لم أبحث عن داعمين ولا عن مهرجانات داعمة. إنها الحرية في الاختيار. «غداء العيد» حر من رأسه حتى أخمص قدميه. كل داعم سيكون له رأي في السيناريو وطلب تبديل. أن نكون حيال عشرة داعمين فذاك سيؤدي إلى نص يشبههم. ليس بالضرورة أن يكون عاطلاً، بل لن يكون بكامل جينات من أتى بالفكرة. في رأيي أن البحث عن تمويل يلزمه الكثير من الوقت والجهد. ما حصل أن الدفعة الأولى التي حضّرتها لشراء شقة سكنية، راحت إلى الفيلم، وما زلت أسكن بالايجار. فوز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان دبي وهي 13 ألف و600 دولار أعادت بعضاً من التكاليف. فرحت جداً بتهنئة رئيسة لجنة التحكيم الممثلة مارتينا غيدك الشخصية، وهي أخبرتني أين مسّها الفيلم. وهذا ما أعتبره جائزة كبيرة جداً.
○ هل توقعت جائزة مهرجان دبي؟
• بصراحة عندما شاهدت الأفلام المشاركة وجدت المنافسة عالية للغاية. وعندما سأل الممثلون الذين حضروا إلى دبي «هل نبقى حتى إعلان الجوائز»؟ كان ردي لا تتأملوا كثيراً، فبقي إثنان منهم. المفاجأة الإيجابية أننا ربحنا. والنكتة أن الممثلة نانسي كانت ترتدي ملابس ذات تصاميم خاصة خلال أيام المهرجان كاملة بخلافها ساعة إعلان الجوائز. وعند مفاجأة الفوز لم يعد أحد راغبا في الصعود إلى المسرح. بدوري كنت أرتدي سترة بالصدفة.
○ كيف اخترت الشخصيات؟ هل تعرفهم مسبقاً؟
• بعضهم عملت معهم مسبقاً كما فرح عيسى «ريتا» وتعاونا معاً في الإنتاج. كذلك جان بول «الياس» وحسين حجازي «غابي». هؤلاء تعاونت معهم في المسرح سابقاً، والآخرين عرفتهم من خلال ورشات ومحترفات أقيمها لتدريب ممثلين. إلى مجموعة خضعت لإختبار القبول، ومن ثم تابعت معهم محترف تمثيل. تلته أسابيع من مراجعة الأدوار قبل الوصول إلى التصوير.
○ هل رسمت الأدوار بالكامل قبل اختيار الممثلين؟ وهل عدلت أدواراً تبعاً لشخصية كل منهم؟
• بالطبع كان السيناريو جاهزاً، وسعيت لاختيار ممثلين يتناسبون مع الأدوار في الحد الأقصى الممكن.
○ عائلة «غداء العيد» تضم شخصيات منوعة منها الثائر على الزعيم «اللي بيسوى كيس زبالة». كم هي قدرة هؤلاء على التغيير في رأيك؟
• كما نرى في الفيلم، فاقناع آخر في لحظة ما بتغيير أفكاره، عملية صعبة. لكني على قناعة بأن فكرة ما يمكن زرعها. قد يستغرق حصاد تلك الفكرة سنوات يحتاجها اختمارها الطبيعي. ففي لحظة ما يصبح هذا الشخص ناضجاً لإستقبال تلك الفكرة. كمثال بسيط أتحدث عن الرغبة بوقف التدخين. قد تستغرق المحاولات سنوات لدى شخص ما، وفي لحظة يكون القرار الحاسم والنهائي.
○ كم تعبر «ريتا» عنك في هذا السيناريو؟
• أولا «ريتا» امرأة. في الواقع ألاحظ حضور المرأة مرتبطاً بعنصر خارجي، وليس لها استقلالية بدفع الأمور إلى الأمام. أحببت تلك الشخصية لإحساسي بأهمية حضور المرأة ودورها في مجتمعنا العربي. حدث هذا مع «ريتا» لكن الحياة تحتاج لأمثالها. أن تُعبر «ريتا» بهذه الحرية أمر لا يرضي كثيرين. لو جاءت أفكارها بلسان وشخصية شاب فلا مشكلة. هذا سؤال يجب أن يطرحه كل منا على نفسه. أن يقول شاب كل ما قالته «ريتا» فلا مشكلة؟ ويمكن طرح السؤال نفسه فيما لو فكر أي منا بتبديل «جندر» كافة الشخصيات؟
○ وماذا أردت القول عبر شخصية «سيرج» المغروم بشيعية؟
• ليست رسالة واحدة. الفكرة أننا كمجتمع تخطينا الطائفية. المشكلة في السلطة ذات المصلحة العضوية في تغذيتها لتبقى موجودة. أصحاب السلطة يعرفون مدى حضور وتأثير الطائفية من خلال الإحصاءات التي تردهم، فإن تراجعت يفتعلون ما يغذيها. أقول رأيي كوني عملت كمخرج مع شباب من التبانة وجبل محسن في مسرحية «حب وحرب ع السطح» حيث لمست مدى عدم فهم الآخر. لنعد إلى الفيلم فلا شخصية هي شر أو خير مطلق. حتى «سيرج» يتعاطى مع «ليلى» بشكل لا يريحنا، وكذلك حاله حين فتش غرفة الخادمة. كما في الحياة ليس بيننا من هو مثالي، حتى وإن كانت لنا مثاليات في مواقف ما.
○ شخصية ليلى تطرح أكثر من سؤال بين حجابها على رخصة السوق وحملها خارج الزواج. لماذا أردتها هكذا؟
• كما سبق القول الفيلم عبارة عن خبريات من الواقع، و»ليلى» واحدة منها. لم أخترع مشهداً مطلقاً، وخاصة «ليلى». السؤال هل يتقبل الناس الواقع؟ هذا خيار متروك للمشاهد. الفيلم يقول واقعاً، والهدف تحقيق انغماس بنسبة مئة في المئة في القصة.
○ تقنياً ماذا عن دور الكاميرا المحمولة بالنسبة لك كمخرج؟ لماذا هذا الخيار؟
• هي كاميرا واحدة حملها مدير التصوير والمصور أحمد طرابلسي. لماذا؟ السبب أننا اردنا الإنغماس كما سبق القول، وهذا ما يستدعي كاميرا حقيقية وواقعية فكانت على الكتف. مع هكذا كاميرا يشعر المشاهد وكأنه الشخص الخفي الموجود في هذه الغرفة.
○ لماذا أنهيت الفيلم بالنسيان الذي أصاب «جوزفين»؟
• لكل مشاهد أن يستخرج الرسالة من هذا النسيان. كثير من القصص تمر في الحياة دون أن تكون لها نهايات بخلاف حال الأفلام.
○ هل للفيلم جولة مهرجانات وأين؟
• قريبا سيعرض الفيلم في مهرجان «سينه كويست» في كاليفورنيا وضمن مسابقة «غلوبال فيجن»، إلى جانب مسابقة ميامي التي سبق ذكرها، ثم مهرجان تطوان في المغرب.

لوسيان بورجيلي: «غداء العيد» مستقل بالكامل وترك للمتفرج حرية الاستنتاج
أراده فيلما من الواقع بكاميرا محمولة لتحقيق الانغماس لدى المشاهدة
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left