الشاعر العُماني زاهر الغافري في «حياة واحدة سلالم كثيرة»: نثر المكان خارج أبعاده وأرواحه

المثنى الشيخ عطية

Feb 10, 2018

ليست المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر العماني زاهر الغافري «حياة واحدة، سلالم كثيرة» مجموعة عن المكان، رغم أن قصائدها تحيطك بأنوار وظلال وألوان مدينة مالمو السويدية، التي سكنها الشاعر طويلاً، وساحاتها التي تمد لخطواتك أرصفتها كي تطأها لا «كمحارب قديم، بل كشاب مرحٍ يتفحص أبواب الفردوس، ويغني بصفيرٍ مكتوم»؛ فمالمو نفسها ليست مكاناً، كما أنها:
«ليست مالمو امرأة،
على الأرجح إنها موسيقى صامتة،
فجوة يمر الزمن عبرها بطيئاً كسلحفاة»…
«ليست مالمو باباً
بل شجرة تغفو عند النهر،
حديقة مسرات
صغيرة
وأنت تنتظر امرأة حياتك
قرب لسان الجسر»…
مدينة مالمو، التي تهيمن أجواؤها وأرواح المثقفين المنفيين الذين احتضنتهم على المجموعة، هي في الحقيقة أكثر من مجرد مكان محدد بأبعاد، وأكثر من أبعاد يمكن فتحها كسلالم لمسارات المصائر. وهي كما تتشظى في المجموعة، تُنتفى كمكان، لتكون مسرحاً للعبث، لن تجد فيه «جوهرة ضائعة بين العربات»:
«لن تعرف شيئاً في موليفونغ توري
لأن الشيء واضح كفاية
لكنه سري للغاية
واضح وسري لأن
الحافة قريبة جداً إليك»
مسرحُ عبثٍ، تتبادل فيه معاني الحياة والموت قذف كرات الثلج، وتصيغ نفسها داخل أتون الشاعر الهادئ بظلال الأسى. ثلاث وثلاثون قصيدة نثر متفردة، تقف بسيطة وغامضة كشجرة، تمتد بجذورها إلى عبثية طرفة بن العبد، في مساواته الحياة بالموت، في شعر ما قبل الإسلام، وتصعد على السلالم الموسيقية لرامبو وبودلير، لتخوض تجارب تشكيل نفسها في الكتابة الآلية لبروتون، لكن بنفور ظبي يلمع في عينيه ضوء السوريالية الجديدة، فيقود نبض قفزاته بمتعةٍ، في الذهان الجميل، لـرؤية المكان المحدد، كـ»دخان يمرح وحده بين الغيوم»، ولكسر أبعاد المكان، ونفض الرأس للاستفاقة:
«انهض، انهض وقل لدي طريق
سأسلكها عبر الغابات
عبر البحيرات الصغيرة
قل لدي بلد ما،
مدينة ما أو قرية بعيدة
تنتظر إشارة مني»…
مجموعة الغافري، الذي عاش ثقافة المغترب، وليس مكانه فحسب، تقدم نفسها بأناقةِ نظرةٍ غامضةٍ خاطفة، لكنها آسرة ولا مهرب من متابعتها، وعيش تجلياتها التي لا تفصح عن كسر محدودية أبعاد المكان المكون من مدينة مالمو، وتفاصيلها النابضة في القصائد (ساحة موليفونغ توري، حديقة شيزبري، حانة سكوير سايد، ساحة المعجزة، ديري) فحسب، ولكن أيضاً عن غنى تناول المكان بتفاعل عميق مع الثقافة التي تحيط به. ويتبدى هذا في القصائد التي تتضمن إهداءات الشاعر، حيث لا نجد في الواقع عبثاً في إهداء قصيدة «في أغوستنبري» المشكلة بروح العبث، للروائي العراقي محيي الأشيقر، الذي عاش تجربة المكان في مالمو كمنفى قسري هرباً من استبداد حزب البعث، وكوطن حافل «بأنوار ومباهج وتواريخ من أعمال الروح والجسد والذاكرة»، كما يقول الأشيقر، ففي شتائها «كأن أغوستنبري ليس مكاناً ولا منفى». كما أننا لا نجد عبثاً في إهدائه قصيدة «مصائر لا تنتهي» العبثية، إلى الشاعر العراقي جليل حيدر الذي سكن مالمو أيضاً هرباً من دكتاتورية صدام حسين، ليفاجئه الحكام الدينيون الجدد باستبدادية جديدة متحالفة مع المستبدين الذين يجهضون الربيع العربي، وليرى بغداده اليوم «مدينة عمياء بلا ضوء تقيدها الحواجز الإسمنتية»، وليكثف شاعر السلالم الكثيرة لحظة دوران المصائر على نفسها في حانة سكوير سايد:
«هنا دائماً هنا
في أبديةٍ تحبس النظرة أنفاسها
بحثاً عن أختها العمياء».
هنا في حانة سكوير سايد، يحدث أحياناً أن يشرف المكان عدد قليل من الزبائن بجمال يشبه الموت: المغنية الصلعاء مثلاً، أو غودو الذي انتظرناه طويلاً ولم يأت، لكنه أتى في هذه الظهيرة ليخبرنا أنه في حياة سابقة كان عتالاً في معمل البراءة وقد تجلى الآن في هيئة الملاك الحارس، الشقراء باربرا تفتح ساقيها للنادل، مشيرة إلى زهرة الآلهة: قطفها اللعين ابن فضلان».
وكذلك إهداؤه قصيدة «الرسام»، إلى الفنان التشكيلي العراقي رشيد عبد الرحمن، الذي سكن منفى مالمو، وأسر الشاعر بعمله العفوي الذي يوازي عمل الحلم في مسرح عبث قصيدة نثره: «لم تكن فكرة تلك التي رآها في لحظة الغيبوبة/ ربما كانت حصاة تلمع في وادي الأحلام/ لذلك يرسم أقنعة/ غالباً ما تعود إلى وجوه أصحابها، يرسم ما يشبه متلازمة الحظ العاثر».
ويضاف إلى هذا إهداؤه قصيدة «غريب بين نهرين» للشاعر العراقي كمال سبتي الذي سكن هولندا وأتته المنية فيها، وشكلت حياته وشعره وموته دوراً في مسرح عبث قصيدة نثر الشاعر، حيث:
«الموت زهرة في حديقة
الموت إطلالة من زائر غريب
الموت أكثر مما ينبغي
ستقول لك تلك التلال».
وحيث تتشكل قصيدة «أرض الأموات»، التي يلقي منها الشاعر اكتشافه إلينا بأسى: «أن الرحلة هي طواف دائم حول المركز ذاته/ وما تبقى ليس سوى كلام يشبه السحر/ يأتيني من بعيد عبر أصوات/ حارسات خطواتي/ شقيقاتي الثلاث».
كما يتبدى غنى تناول المكان والتفاعل مع الثقافة المحيطة به، في تخلل نسيج القصائد أسماء وإشارات فنية، ثرية، موحية، ومشاركة للقصائد ارتداءها ثوب الأسى، مثل اسم الفنان النرويجي إدوارد مونك، وصرخته القابضة على الأرواح بتصويرها ذروة انكسار الروح: «أنت امرأة برية/ ويمكنك هذه الليلة أن تكوني/ ضيفة الثلج والغابات/ وأن تسمعي/ وأنت واقفة فوق الجسر/ صرخة إدوارد مونك/ قوية/ واضحة/ لكي تعرفي أن الحقيقة/ باب مغلق».
ومثل اسم الفنان الإيطالي مودلياني، ورقاب نسائه الطويلة في قصيدة «أحلامي وعازفة البيانو»، وإشارات مسرحيتيْ «المغنية الصلعاء»، و»في انتظار غودو»، لرائديْ مسرح العبث يوجين يونسكو وصموئيل بيكيت، حيث «لا شيء يحدث، لا أحد يجيء»، في المكان الذي جعله الغافري مسرح عبثٍ لمجموعته المتفردة.
يضاف إلى هذه الإشارات التي تمنح القراءة أمواجاً متدفقة من المتعة، إشارة الجزة الذهبية الموحية بأسطورة جاسون وميديا اليونانية، وإشارة الأفعى الموحية بأسطورة آدم وحواء، في القصيدة التي تحمل اسمها، وتضعنا في مسرح عبث جنة الشاعر الوحيدة: «التي تنام صامتة/ كأن في رأسها يدور دولاب الخليقة/ بلا توقف تحت أقدام الرب». والإشارات الأخرى الممتعة التي لا تخلو من الركوب في زورق رامبو الثمل، وملامسة يد الخلق في فرشاة النحات مايكل أنجلو.
في اختلاط حواسنا، على لون النغمة التي تتردد كثيراً كمفردة، وتأتي عنواناً لقصيدةٍ، على سلالم مجموعة الغافري السابعة بعد «أظلاف بيضاء»، «الصمت يأتي للاعتراف»، «عزلة تفيض عن الليل»، «أزهار في بئر»، «ظلال بلون المياه «، «كلما ظهر ملاك في قلعة». وفي المكان الذي فتحه الغافري لشغف حواسنا في التمازج:
«لا تكترث،
لن تعيد اكتشاف ذاتك في مكان واحد
المكان دائماً قفزة في ليل مؤلم».
زاهر الغافري:
«حياة واحدة سلالم كثيرة»
مسعى للنشر والتوزيع ـ كندا 2017
94 صفحة.

 

الشاعر العُماني زاهر الغافري في «حياة واحدة سلالم كثيرة»: نثر المكان خارج أبعاده وأرواحه

المثنى الشيخ عطية

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left