حفريات في الذاكرة والهوية والآخر

القصة القصيرة في الأدب الافريقي المكتوب بالفرنسية:

د. فاطمة كدو

Feb 10, 2018

يتعامل الأدب الافريقي المكتوب بالفرنسية مع اللغة كوسيلة لنقل أفكاره. إنه يتلون بهذه اللغة وبالثقافة التي ترعى هذه اللغة. لكنه أدب يحكي عن الأرض وعن الأصول. فاللغة الفرنسية لا تدمج الكاتب الافريقي في الثقافة الفرنسية، إنها تمده بالألفاظ وبالكلمات ليعبر عن معيشه اليومي، وليتواصل من خلالها مع الآخر.
إننا في هذه المقاربة لا نستطيع تقديم تحليلات وافية عن المجموعة القصصية، التي تم إصدارها في كتيب واحد ضم مجموعة من القصص لكتاب مختلفين، حصلوا على جوائز من خلال المسابقة التي نظمها «راديو فرنسا» الدولي حول الأدب الافريقي المكتوب باللغة الفرنسية. وسنكتفي بتقديم نموذج واحد على سبيل التعريف بنبض هذا الأدب هنا في الجنوب الذي ننتمي إليه.
من القصص التي شدت انتباهنا، نذكر «رحلة مثل رحلات كثيرة»، قصة ماليزا موينا ـ كينتندي من جمهورية الكونغو. يتمظهر الخيط الواصل بين قصص المجموعة من خلال ثنائية الأنا والآخر، وثنائية الهنا وهناك. ففي هذه القصة نجد الأنا الافريقي في مواجهة الافريقي الآخر، من الطبقة الراقية، والأنا الافريقي في مواجهة الآخر الأمريكي الأبيض، وذلك من خلال رصد السارد لحالة تفتيش روتينية يقوم بها موظف داخل مرفق من مرافق المطار، حيث تتجاوز عملية التفتيش الأمتعة إلى تفتيش الأجساد لعلها تخبئ ممنوعات تمنعها من السفر بقوة القانون.
يطال التفتيش امرأة، كانت قد رفضت في البدء أن تمتد إليها يد لتلامس مختلف مناطق جسدها بحثا عن شيء ما. لكنها تستسلم في النهاية، بعدما هددها الموظف بأنه إجراء قانوني لابد منه، وإلا منعت من السفر. فامتدت يده المبتلة عرقا، في جو صيفي حار، فأحستها المرأة وهي تعبر جسدها، كأنها حلزون. منذ ذلك اليوم يقول السارد كرهت المرأة منظر الحلزون، الذي يذكرها عند رؤيته بيد المراقب. وبعد انتهاء العملية التفتيشية، غادرت السيدة الغرفة وتوجهت صوب أريكة بقاعة الانتظار، حيث أخذت مكانها منتظرة موعد الطائرة، في رحلة عادية داخلية. إن لحظة الجلوس هذه، على الأريكة، وصفها السارد بأنها كانت استرجاع إحساس الذات بذاتها، بعد أن غاب هذا الإحساس طيلة الدقائق التي استمر فيها التفتيش، تفتيش المراقب للجسد.
لقد كانت فترة الدخول في الغيبوبة، التي مارستها المرأة بكل قواها محاولة بذلك تجاوز الإحساس باليد الحلزونية وهي تعبث بجسدها، امتحانا عسيرا. لكن هذا الاسترجاع يتكسر عندما رأت المرأة (وهي جالسة على أريكتها في مقابل مكاتب التفتيش) أشخاصا غيرها يغادرون مقر التفتيش، ومن بينهم امرأة قصدت نفس الأريكة. وعندما تبادلتا النظرات، كانت نظرات طويلة، تعبر عن حوار صامت حول ما دار في غرفة التفتيش. وفي لحظة واحدة وكأنهما متفقتان مسبقا ـ توجهتا بنظراتهما نحو جميع المسافرين داخل القاعة منهيتين بذلك حوارهما الصامت. نظرات شاردة، لم تجرؤ أي منهما على حكي ما جرى داخل قاعة التفتيش؛ كأن الحكي خنجر قد يعيد فتح الجرح من جديد: جرح كرامة المرأة، وجسد المرأة.
واصلت المرأة مراقبة مقر التفتيش؛ وفجأة ظهرت جماعة من السياح الأمريكيين وقد نزلوا توا من حافلة خاصة، محملين بأجهزة تصوير وكاميرات، وبأنياب عاجية وتماثيل، مروا على الجمركيين الذين رأتهم المرأة وقد انتبهوا إلى حضور الأمريكيين، كأنهم تلاميذ تم ضبطهم متلبسين بأخطائهم، فتهافتوا على ختم جوازات السياح في انبهار، واضعين بدل الختم ختمين وثلاثة وعشرة بل أكثر دون تفتيش. إنه الآخر الذي يمثل السياح الذاهبين في رحلة دكار- باريس- نيويورك. وبعد لحظات قليلة توجه السياح إلى الطائرة بانام 747. لقد وصفهم السارد بـ «الشعب الأمريكي» وليس السياح، للدلالة على قوة الآخر. فهذه الجماعة رغم أنها صغيرة في عددها لكنها كبيرة، لأنها جزء من الشعب الأمريكي «وتوجه الشعب الأمريكي، وهو دائم الابتسام، بخطى مريحة نحو 747 لـ بانام. ثم عادت القاعة إلى هدوئها وإلى نشاطها الروتيني: تفتيش، وضع الأختام على الأوراق، وسط احتجاجات بسيطة وأمتعة تقذف بعنف بعد تفتيشها…».
وهي ترقب القاعة في انتظار موعد رحلتها الداخلية، انتبهت المرأة إلى صوت فرامل قوية لسيارة مرسيدس، نزل منها شخص محترم جدا، بدا صغير السن كي يكون وزيرا. «ربما يكون ابن عمه أو صهره»، تكلف سائق السيارة بإنهاء إجراءات السفر وطبع الأوراق لدى رجال الجمارك؛ الذين لم يسألوا عن الشخص وأمتعته، ولم يكلفوا أنفسهم التعرف على الشخص المعني بالأمر، الذي اقتفى أثر الأمريكيين ليلتحق بالطائرة رقم 747. ها هي الذات مرة أخرى تسترجع كينونتها لتضع نفسها موضع المقارنة الطبقية مع الآخر. هذا «الآخر» الذي ليس في حقيقته سوى»الأنا» وقد انشطرت إلى «أنا» مضاعف/ متعدد: بتعدد الطبقات الاجتماعية وشساعة المسافة بينها.
وتظل هذه القصة حبلى بأسئلة تراهن على هذه العلاقة المتوترة بين «الأنا» و»الآخر» إلى غاية وصول موعد الرحلة الداخلية، حيث صوّر السارد انعتاق المرأتين من الانتظار الطويل لرحلتهما الداخلية، من خلال اقتران هذا الانعتاق بانخراط إحدى المرأتين في بكاء وهي تغادر القاعة، دون الالتفات إلى الوراء كي لا ترى البناية التي شهدت استسلام الجسد ليد المفتش تعبث بأكثر مناطقه حميمية، باسم القانون. لقد عمد السارد إلى المقارنة بين أجساد «ذكورية» حرة منطلقة، وأخرى «أنثوية» سجينة ومقيدة لا تمتلك حرية الانطلاق نحو آفاق أخرى (رحلة جوية داخلية) إلا بعد أن تسلم ذاتها للتفتيش، حيث تغتال يد المفتش الملابس الداخلية لجسد المرأة وتفك خيوطها.
إن هذه المقارنة تتم داخل فضاء المطار كنقطة وصل بين اتجاهين داخلي وخارجي. حيث يحضر: 1) الأمريكي الذي يمثل قيم الحضارة والتقدم في مقابل الافريقي كموضوع للبحث وللاكتشاف، والذي لا يظهر كذات فاعلة، بل تنوب عنه التماثيل/ الأنياب العاجية/ التذكارات التي حملها الأمريكي معه، عائدا إلى وطنه؛ و2) يحضر الافريقي من الطبقة الراقية الذي يربأ بنفسه أن يكون موضع تفتيش، أو معاينة، أو مساءلة، ويتمظهر المجتمع كمكرس لهذه الوضعيات المتناقضة وحاميها، من خلال المفتشين والجمركيين الذين يرفعون القوانين والأعراف في وجه المرأة لممارسة اغتصاب من نوع آخر. ويلغونها عندما يتعلق الأمر بالآخر/ الرجل، البعيد عن الشبهات وعن سوء الظن. إن حرية الرجل مرتبطة بالانطلاق نحو أجواء أخرى خارجية، حيث تخترق الحدود في اتجاه عالم آخر. في الآن ذاته تستلب هذه الحرية من المرأة، التي تخضع لطقوس التفتيش، لأكثر مناطق الجسد حميمية. وعندما يؤذن لها بالانطلاق، فإنها لا تتجاوز الحدود الإقليمية، في رحلة داخلية.
وهكذا استطاع الكاتب أن يقترب بحسّ فني خاص من جسد الأنثى وهو يغتصب، موظفا تعبير «اليد الحلزونية»، للكشف عن دواخل إحساسات المرأة بهذه اليد، وهي تخترق حدود الجسد الخارجية إلى ما وراء الملابس الداخلية. فالجسد الأنثوي عند موينا ـ كينتندي لم يتم تناوله على الأقل في هذه القصة كموضوع «جنسي»، و»ذات» تثير شهية الآخر. بل تم تناوله من أجل التنبيه بشكل رمزي إلى أن للاغتصاب أساليب عديدة. وقد تمظهرت ثيمة» البكاء» باعتبارها أقصى ما يمكن أن تفعله المرأة كنوع من الاحتجاج الأبكم / الأصم على هذه الأساليب.
إن القصة لا تستحضر إمكانية أن تنوب المرأة عن الرجل في تفتيش جسد المرأة، ولا تطرح إمكانية استعمال تكنولوجية متطورة لاكتشاف الممنوعات، التي يمكن أن يحملها معه المسافر؛ لأن القصة لا تنحو نحو الأطروحة وتلقين الآخر/ المجتمع/ المسؤولين، ما ينبغي فعله، بل تنحو نحو «نمذجة» سلوكيات معينة مسكوت عنها، واضعة» الأنثوي» في موضع «الوطن» (كامتداد للذات)، حيث تقدمت الكتابة محملة بالرمزي من خلال 1) حدود الوطن الداخلية، التي تقابلها رحلة الأنثى جوا في رحلة داخلية؛ و2) حدود الوطن عالميا التي تقابلها رحلة الذكور من الأمريكيين ومسؤول (أو ابن مسؤول مهم في جهاز الدولة)، في رحلة جوية تخترق حدود الوطن. ويقابل هذا الاختراق، اختراق آخر لحدود جسد الأنثى.
إن تقنيات الكتابة في الأدب الافريقي تتخذ من الجسد الإنساني بشكل عام وجسد المرأة بصفة خاصة، هاجسها. ولقد تبين لنا ذلك من خلال مجموعة من الأعمال الأدبية بما فيها بعض المسرحيات المكتوبة، والأشعار. كما تبين لنا أن بعض الكتاب الافارقة، ومنهم موينا ـ كينتندي، يجيدون الكتابة عن جسد الأنثى، ومعاناته بنفس الحرقة التي تكتب بها بعض الكاتبات عن ذات الأنثى، وعن عالمها، ويعتبر هذا استثناء في الكتابة عند الرجل.

حفريات في الذاكرة والهوية والآخر
القصة القصيرة في الأدب الافريقي المكتوب بالفرنسية:
د. فاطمة كدو
- -

2 تعليقات

  1. قرأت لك أستاذتي بمحبة،
    دام لك التألق والحضور..

  2. ثيمة الجسد ، حسب عبد الكبير الخطيبي ، تتجاوز الأعراف و التقاليد و تصبح بؤرة الإبداع. .. فهذا هو الجسد المفهومي. حيث تتغير فيه المفاهيم و مبعث الإثارة و التشويق .إن الكاتب ، بهذا ، حاول أن يوظف الجسد كورقة كشافة للاختلالات التي يعيشها الجنوب مقابل الآخر المتفوق ثقافيا و اجتماعيا . كما أن القراءة التي قدمت ، من طرف الأستاذة، وضعت اليد على الجرح ، الذي ينخر الكيان الإفريقي . حيث لازال الجسد ، في جوهر الثقافة الافريقية ، محط إثارات جنسية حميمية .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left