بورتسودان عروس البحر الأحمر وثغر السودان الباسم

تمتلك شهادة ميلاد موثقة

صلاح الدين مصطفى

Feb 10, 2018

الخرطوم ـ «القدس العربي»: تعتبر بورتسودان من أجمل المدن السودانية لوقوعها على الساحل الغربي للبحر الأحمر على ارتفاع مترين (6.6 قدم) فوق سطح البحر، وتبعد عن العاصمة الخرطوم مسافة 675 كيلومترا ( 419 ميلا) وهي الميناء البحري الوحيد وتعرف باسم الثغر الباسم.
وكانت المنطقة عبارة عن مرسى تقليدي عرفت باسم مرسى الشيخ برغؤوت، وتم تحويله إلى ميناء بحري حديث خلال حكم الإنكليز وتم تغيير الاسم إلى بورتسودان، وهو لفظ أنكليزي «Port Sudan» بمعنى ميناء السودان أسوة بالموانئ الموجودة في بعض المستعمرات البريطانية السابقة.
ويقول الصحافي المهتم بتاريخ المدينة عبد القادر باكاش، إن مدينة بورتسودان واحدة من قلائل المدن السودانية تملك شهادة ميلاد موثقة، اذ تم انشاؤها في العام 1909 بافتتاح أول ميناء حديث انشأه الانكليز في السودان مربوطا بخط حديدي ومزود بمرافق خدمية وسكن للعاملين.

طمس حضارة سواكن

ويشير في حديثه لـ«القدس العربي» إلى جوانب مهمة في تاريخ المدينة ويضيف: «جاء إنشاء الميناء بغرض تسجيل تأريخ خاص للامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بعيدا عن الميناء البحري الأول في افريقيا بسواكن الذي طوره الحكم التركي منذ العام 1505 وصارت سواكن مدينة رمزية للحضارة التركية مما حدا بالمستعمر السعي إلى طمسها والقضاء عليها بانشاء مدن جديدة في مراسي البحر الأحمر فكان قيام بورتسودان في مرسى الشيخ برؤوت وتسميته بالاسم الانكليزي، ميناء السودان.
ويقول باكاش إن المستعمر الانكليزي قصد قطع الخدمات عن سواكن لاجبار السكان على الهجرة والإعمار في الموقع الجديد وبذا كان ميلاد المدينة التي اتسعت وتمددت وتحولت من مدينة خطط لها ان تكون صناعية وتجارية، إلى مدينة سكنية تمددت أحياؤها شمالا وجنوبا رغما من ما تعانيه في مصادر مياه الشرب. فالانكليز انشأوا المدينة لتكون ميناء حاضنا للأنشطة الاقتصادية وتم ربطها وتزويدها بالمياه من نبع مائي في منطقة أربعات التي تبعد حوالي 40 كلم ولم يتم تخطيطها بحيث تكون مدينة سكنية لأنها تفتقر للمياه وتربتها المشبعة بالملوحة لا تصلح لإنشاءات سكنية وكذلك مناخها الحار والجاف جدا في فصل الصيف.
ويقول الباحث محمد الحسن شقيرة أن كتيبة مصرية وبعض العمال من ميناء سواكن وضعوا اللبنات الأولى لميناء السودان الحديث ويصف المشهد العام لتأسيس المدينة بقوله: «تم إنشاء ثلاثة مبان مع تأسيس الميناء، هي فندق البحر الأحمر، والسكة الحديد ومستشفى بورتسودان، وساهم في ذلك عمال أجانب كانوا في سواكن إضافة لعمال محليين استجلبوا من منطقة أربعات، ثم بدأت الأحياء تتكون: ديم سواكن، وديم جابر، وديم موسى، وديم عرب، والسكة حديد، وسلبونا وهي أحياء للعمال».

تنوع سكاني وجاليات أجنبية

ولعبت السكة الحديد دوراً كبيراً في المدينة، ويمثل القطار بنظامه الدقيق مرحلة مهمة في تاريخ المدينة وكان «المخزنجية» الذين يقومون بعمليات حصر الصادر والوارد يتمتعون بثقافة عالية ونظم بديعة في العمل داخل الميناء وشكلت أدبيات عمال الشحن والتفريغ وأهازيجهم لوحات زاهية لا تزال مرسومة في وجدان أبناء بورتسودان الأوائل قبل أن تنهار هذه المنظومة بدخول الشاحانات وتدهور قيمة الميناء نفسه بعد ذلك.
وتعتبر بورتسودان واحدة من المدن السودانية التي تتنوع فيها التركيبة السكانية، وبحكم وظيفتها كميناء رئيسي ومركز تجاري مهم وبوابة للبلاد، استقبلت المدينة أعداداً كبيرة من السكان المنتمين إلى اصول مختلفة من خارج السودان.
ويقول شقيرة إن شكل المدينة بدأ يظهر بعد ذلك من خلال الجاليات الأجنبية كالهنود والشوام واليمنيين والمغاربة مع الاستفادة من الكوادر السودانية ممن يجيدون اللغة الانكليزية: «وظهر التلغراف، بوصفه وسيلة اتصال ناجعة مع العالم الخارجي حيث يتم ارسال الرسائل لبنغلاديش واستراليا والهند لطلب التوابل والشاي والدقيق وجميع المستلزمات بعد ذلك».

منفذ بحري لدول الجوار

بورتسودان مدينة بحرية يوجد فيها أكبر مرفأ سوداني وهي الميناء الرئيسي للسودان بل تعتبر منفذا بحرياً مهماً لبلدان أخرى مغلقة في المنطقة مثل إثيوبيا وتشاد ودولة جنوب السودان. بدأ تطويرها كمدينة حديثة في وقت مبكر من القرن العشرين، في حين يرجع تاريخ إنشاء المدينة كميناء في موقع محمي إلى فترات زمنية أبعد بكثير. ففي أطلس بطليموس الجغرافي (100-175) ق. م ظهرت المدينة باسم ثيو سيتيرون.
وقدم الملاح البرتغالي خوان دي كاسترو في سنة 1540 م وصفا جميلاً لها تحت اسم تراديت، الواقعة شمال سواكن. والتي ارتبطت باسم الفقيه الإسلامي الشيخ برغوت (أو بارود). والذي كان مدفوناً في قبة (ضريح) يزورها البحارة والصيادون. وكان المكان كله معروفا أيضا لقرون طويلة باسم مرسى الشيخ برغوت تبركاً بهذا الرجل الصالح.
ويصف الباحث شقيرة أنماط الثقافات المختلفة التي سادت في المدينة الوليدة : «حيث اشتهرت وما زالت-بثقافات غذائية معينة طبقا للمجتمعات الموجودة فيها مثل المخبازة والمعصورة والهريسة، وذلك جنبا إلى جنب مع ثقافة أهل المنطقة الغذائية والمتمثلة في السلات وهو لحوم يتم طهيها بطريقة أهل شرق السودان يضاف إلى ذلك القهوة بطقوسها المعروفة في المنطقة.
وانتشرت في المنطقة ثقافة الزي، والذي يميزه الصديري، وحسب الباحث شقيرة فإن أصول هذا النوع من الزي موجودة عند الهنود والأفغان والباكستانيين، أما الفوطة التي ترتديها النساء فترجع أصولها لثوب الساري الهندي.

موسيقى السماكة

وتميزت المدينة بثقافة موسيقية تعرف بـ«السماكة» وهم صائدو السمك. وتعتمد هذه الموسيقى على جملة إيقاعات عربية بالسلم السباعي يتم مزجها بالسلم الخماسي السوداني. ويقول الباحث شقيرة: «تقدم هذه الموسيقى غالبا في شكل أوبريت تحاكي من خلاله الفرقة طريقة صيد السمك في البحر، وقد شاركت هذه الفرقة في مهرجانات إقليمية ودولية ونالت جوائز». وإضافة لذلك اشتهرت المنطقة بالغناء والرقص التراثي مصحوبا بالسيف.
ويلحظ الزائر للمدينة إنتشار نوعين من الطيور هما النورس والغربان، وتشكل طيور النورس الفأل الحسن بغنائها الجميل وانتشارها على الساحل مما أدى لاتخاذها شعارا لشركة الخطوط البحرية السودانية والتي كانت تمتلك اسطولا من السفن (14 باخرة) تجولت في كل أنحاء العالم وكانت مصدر رزق للكثير من سكان المدينة قبل أن يطالها التدهور والخراب..!
وفي الجانب الآخر انتشر الغراب في أنحاء المدينة بلونه الأسود وصوته القبيح وهو طائر كثير التوالد ومزعج في المنازل ويتشاءم منه معظم أهل بورتسودان خاصة عندما يبدأ في إصدار صوته المزعج أثناء تشييع لأحد أفراده.

النسيج الاجتماعي

ويصف باكاش المدينة الساحلية بعد نشأة الميناء ويقول: «صارت قبلة جاذبة لكل المتعاملين مع البحر وللباحثين عن فرص عمل أكبر، فكان مجتمعها نسيج وحده، إذ احتضنت الشوام والأرمن واليهود وأهل اليمن والهنود والأقباط إلى جانب سكانها الأصليّين من قبائل البجا».
وتعد بورتسودان واحدة من المدن الفريدة في هندستها المعمارية وتميزها كمدينة سياحية ساحلية يعتمد ثمانون في المئة من سكانها على الأنشطة المينائية. واهتمت الحكومة في الآونة الأخيرة بها للاستفادة من تميز المدينة في ان تكون مقصدا سياحيا، إلا ان تدني الخدمات وافتقارها لموارد مستديمة في مياه الشرب تشكل تحديا كبيرا أمام أي تقدم عمراني أو توسع سكاني للمدينة، وباءت جهود الحكومة بالفشل في ربط مدينة بورتسودان بأنبوب مياه من النيل رغم تبنيها لهذا الخيار منذ العام 1999.

صناعات خفيفة

وفي المدينة نشاط اقتصادي متنوع، أبرزه حركة الميناء وما يرتبط بها ثم قطاع الخدمات. وتسود الصناعة الخفيفة بورتسودان ويتمثل أهمها في صناعة الملح، ومصانع تعبئة الأسمنت ومطاحن الدقيق
ويعتبر الباحث ابراهيم عمر محمد أن منطقة بورتسودان تتميز بمقومات سياحية مهمة، ويرى أن أهم الظواهر الطبيعية في ولاية البحر الأحمر تتمثل في التلال (4000 إلى 8000 قدم فوق سطح البحر) الموازية لساحل طوله 650 كلم. إضافة للعديد من المناطق والقرى والجزر السياحية مثل منطقة اركويت وجزيرة سنقنيب ومنطقة عروس وغيرها
وتتميز المياه قبالة بورتسودان بأنها دافئة وصافية وهما أهم ميزتين لسياحة الغوص والإبحار، مع وجود حوالي 400 نوع من الشعب المرجانية، وتوجد محمية للشعب المرجانية في سنقنيب ودنقناب وحوالي 1500 نوع من الأسماك والسلاحف البحرية بما فيها اسماك القرش وسمك العقام وسمك الراي اللاسع والحنكليس وثعبان البحر والسمكة الببغائية الضخمة التي يمكن مشاهدتها بكميات ضخمة جداً، وهناك أيضأً الدلفين والحيتان الضخمة التي تزور المنطقة من وقت لآخر.
وهناك تجمعات لمانغروف في مساحة تقدر بحوالي 500 هكتار زاخرة بمختلف أنواع الأسماك والطيور، ويعتبر ساحل بورتسودان واحداً من السواحل النظيفة في العالم لعدم تلوثه ووضوح الرؤية داخل مياهه الصافية، كما أنه يزخر بالعديد من أنواع الشعب المرجانية والأسماك الملونة التي تكسبه منظرا خلابا، إلى جانب عدد من الحيوانات البرمائية كالسحالف البحرية.
ويرقد قبالة بورتسودان على بعد 20 ميلا حطام البارجة الايطالية أمبريا، التي غرقت أو أغرقت بأمر ربانها في عام 1940 كما يذهب بعض الروايات، حتى لا تقع في يد البريطانيين الذين كانوا يرابطون في بورتسودان إبان الحرب العالمية الثانية، وكانت في طريقها من ايطاليا إلى مستعمرتها إريتريا محملة بكميات كبيرة من سيارات الفيات وزجاجات النبيذ والذخيرة. هذه الأشياء كلها لا تزال على متنها ويمكن للغواص مشاهدتها على عمق 38 مترا.
كما يتميز الحطام بتحوله إلى موطن للعديد من أنواع الكائنات البحرية التي اتخذت منها أعشاشاً ومصائد إلى جانب الأنواع المتعددة من الحياة البحرية التي تزخر بها المياه السطحية وقاع البحر العميق، مع وجود مياه بلورية صافية وانعكاسات متعددة الألوان من الشعاب المرجانية التي تفتن الهواة وذوي الخبرة من المصورين لمشاهد تحت مياه البحر. وفضلاً عن ذلك يوجد حطام كبسوله المكتشف والعالم البحري الشهير جاك إيف كوستو التي يعود تاريخها إلى ستينيات القرن الماضي ووضعت على المياه الساحلية السودانية بقصد دراسة أشكال الحياة في قاع البحر.

مناطق مدهشة

وفي المنطقة الكثير من الأماكن السياحية التى تميزت بها ولاية البحر الأحمر منها سواكن، أول مدينة سودانية بالمباني العالية والثابتة فكانت قصورها الشامخة لا مثيل لها في المنطقة وكانت مدينة التجارة والمال على البحر الأحمر والشرق العربي.
ومن معالم المنطقة الساحرة مصيف اركويت الذي يقع على جبال البحر الأحمر ويتميز بطقسه البديع ويوجد فيه ضريح البطل السوداني عثمان دقنة الذي هزم جيوش الانكليز في معركتين.
ومن مظاهر السياحة فنار سنجنيب، الذي يوجد داخل المياه الإقليمية للسودان وقد شيد على جزيرة مرجانية، ويعمل الفنار على إرشاد السفن العابرة للخط الملاحي وكذلك منطقة أربعات وهي التي تمد بورتسودان بمياه الشرب وتقع إلى شمال الغرب، داخل جبال البحر الأحمر وتمتاز بوجود عدد من السدود وجداول الصرف والمناظر الطبيعية الخلابة.
ومن المناطق الجميلة توارتيت، على بعد عشرين كيلو على الساحل جنوب بورتسودان على الطريق إلى سواكن وتمتاز بالشاطئ الجميل، وقد اعتاد سكان بورتسودان قضاء العطلات والأعياد ويوم الجمعة من كل أسبوع على شاطئ توارتيت الرملي.
وتشهد المدينة في مثل هذه الأيام من كل عام مهرجان البحر الأحمر للسياحة والتسوق، الذي أكمل إحدى عشرة نسخة ويشتمل هذا العام على ستين منشطا فنياً وثقافياً وفكرياً بمشاركة بعض الدول على رأسها المملكة العربية السعودية واثيوبيا التي تشارك ​بالفرقة القومية الإثيوبية​ ومعرض تجاري ووفد من رجال الأعمال وتشارك في المهرجان –حسب اللجنة المنظمة ـ فرق فنية من ​إندويسيا والصين وتركيا والهند​.
إسطورة القطط
ومثل العديد من المدن الساحلية لا تخلو بورتسودان من القصص والأساطير، وتوجد فيها مجموعة كبيرة من القطط التي يعتقد البعض أنها من الجن، خاصة تلك التي تنتشر في المطاعم وتلمس أرجل مرتاديها بطريقة توحي بلفت إنتباه الشخص ثم تفرد القطة يدها طالبة الطعام تماما مثل الإنسان.

بورتسودان عروس البحر الأحمر وثغر السودان الباسم
تمتلك شهادة ميلاد موثقة
صلاح الدين مصطفى
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left