جدل في تونس بين الداعين لتفعيل عقوبة الإعدام والمطالبين بإلغائها

روعة قاسم

Feb 10, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: مع انتشار الجرائم ذات الطابع الأخلاقي في السنوات الأخيرة في تونس، برزت مطالبات من هنا وهناك تدعو إلى تفعيل عقوبة الإعدام التي نصّ عليها القانون الجزائي التونسي في سلم العقوبات المعتمد. إذ يرى هؤلاء أن تفعيلها سيردع كل من يفكر في الإقدام على هذه الجرائم البشعة على غرار الإغتصاب والإعتداء على الأطفال جنسيا وغيرها، والتي تكون عادة مصحوبة بعنف نفسي أو بعنف مادي وقتل الضحية.
وتخلف هذه الجرائم عادة ضررا نفسيا كبيرا للضحية إذا لم تفارق الحياة، ولأفراد أسرة الضحية سواء أزهقت النفس البشرية أو لم تزهق، ويصعب التخلص من مخلفاتها تماما حسب تأكيدات من مختصين. والحل في رأي المنتصرين لتفعيل عقوبة الإعدام هو حرمان الجاني من حقه في الحياة باعتباره يمثل خطرا على المجتمع وقد اعتدى على حقوق غيره الحياتية.
كما أن انتشار الإرهاب في تونس في السنوات القليلة الماضية وسقوط الشهداء من الأمنيين والعسكريين وعموم المواطنين، شجع الكثيرين على الضغط لتفعيل عقوبة الإعدام. فمشاهد القتل وصرخات الثكالى والأرامل واليتامى ضحايا الحركات التكفيرية، لم يكن سهل الإحتمال على عموم التونسيين الذين عاشوا في كنف الهدوء والإستقرار لعقود طويلة.

جرائم تستحق

وفي هذا الإطار يعتبر زهير المغزاوي، النائب في مجلس نواب الشعب والأمين العام لحركة الشعب في حديثه لـ»القدس العربي» ان هناك جدلا كبيرا في تونس حول عقوبة الإعدام، لأن المحاكم أصدرت أحكاماً عدة بالإعدام وثبتت في ما بعد براءة أصحابها. ويؤكد على أن حديث البعض اليوم عن ان الدين مع حكم الإعدام، والوضع الإستثنائي الذي نعيشه في تونس يجعل الجدل يكبر ويحتدم خاصة بالنظر إلى بعض الجرائم المريعة التي ارتكبها مثلا سفاح نابل، الذي وقع الحديث عنه من جديد وارتكب سابقا جرائم فظيعة، وكذلك الجرائم الأخلاقية التي ارتكبت بحق الأطفال مؤخرا والعمليات الإرهابية أيضا.
وبالتالي، وحسب النائب التونسي، فإن مراجعة المنظومة الحقوقية والمنظومة الدينية والإنسانية بحاجة إلى نقاش كبير في تونس، ولا بد من وضع الأمور في نصابها خاصة وأن الجماعات الإرهابية اغتالت مؤخرا ضابط الأمن في منطقة باردو، فاحتج جمهور كبير أمام منزل الضابط يطالب بتنفيذ حكم الإعدام على الإرهابي. وقع الإحتجاج عندما زار رئيس الجمهورية منزل الضابط وهو وعد المحتجين أنه سينفذ الحكم.
ويضيف المغزاوي قائلا: «نحن هنا أمام منظومة دينية وأخرى حقوقية لهما قراءتان مختلفتان، وأعتقد شخصيا أن هناك جرائم تستسحق حكم الإعدام مثل الجرائم الإرهابية والجرائم بحق الطفولة، ولكن يبقى الموضوع يحتاج للنقاش بدم بارد دون استفزاز ودون خلفيات ايديولوجية أو سياسية ودون محاولات لتسجيل نقاط على بعضنا البعض لأنه موضوع يحتاج إلى نقاش حقيقي في تونس».

احترام الذات البشرية

في المقابل يرى حقوقيون أن كل التشريعات والمبادئ والنصوص الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان تؤكد على اعتبار هذه العقوبة من أشد العقوبات القاسية والمهينة التي تتنافى مع مبادئ احترام الذات البشرية والحق في الحياة. وبالتالي وجب إلغاؤها تماما من التشريع الجزائي التونسي لا الإكتفاء فقط بعدم تطبيقها مثلما هو حاصل اليوم.
فهي في نظرهم عقوبة قاسية ولاأخلاقية ويمكن الإستعاضة عنها بعقوبات أخرى بديلة قد تحقق الهدف المنشود وهو عقاب الجاني وردعه عن تكرار فعلته. كما أن الإعدام عقوبة نهائية ولا يمكن التراجع عنها خاصة إذا ظهرت معطيات جديدة قد تغير وجه الفصل في قضية ما رغم استيفائها لكل أوجه الطعن.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن المجرم المحكوم عليه بالإعدام هو في كثير من الأحيان شخص غير سوي يعاني من اضطرابات نفسية ولا يتصرف بطريقة اعتيادية، وبالتالي وجبت مراعاة هذا الجانب. ويمكن أيضا الذهاب بعيدا نحو معالجته للخروج من هذه الحالة الصعبة التي دفعته إلى ارتكاب فعله المجرم مع عقابه بالسجن والمؤبد إن لزم الأمر.

ضغوطات خارجية

كما أن عدم إلغاء عقوبة الإعدام من التشريعات التونسية يجعل الدولة تجد صعوبات في طلب تسليم مطلوبين تونسيين للعدالة في البلدان الأوروبية على وجه الخصوص. إذ كثيرا ما يستند المحامون الأوروبيون لهؤلاء الجناة على خشيتهم من إعدام موكليهم في تونس في حال حصل التسليم إلى السلطات البلاد.
ويرى البعض أنه على مستوى تطبيق عقوبة الإعدام في تونس منذ الإستقلال برز التفاوت الطبقي والجهوي وخصوصا الأخير الذي تعاني منه تونس. فمعظم من تم إعدامهم هم إما خصوم للنظام السياسي أو هم فقراء من أبناء الجهات الداخلية قليلة الحظ من التنمية في البلاد، بينما لا يعدم في كثير من الأحيان من كان أهله من ذوي السطوة والنفوذ أو ينتمي إلى الجهات التي وجدت حظا وافرا من التنمية.
كما أن الضغوطات الخارجية التي تدعو تدعو تونس إلى إلغاء عقوبة الإعدام كبيرة ويربطها الطرف الأوروبي عادة بمعوناته الاقتصادية واستثماراته. ولا تبدو لتونس القدرة على تحمل هذه الضغوط في ظل هذا الوضع الاقتصادي المزري، الذي لا تحسد عليه.

عقوبة مرفوضة

ويعتبر زهير مخلوف الناشط الحقوقي التونسي والعضو السابق في هيئة الحقيقة والكرامة لـ «القدس العربي» ان عقوبة الإعدام مرفوضة خاصة ان من شروط قبول الانتماء إلى منظمة العفو الدولية ان لا تكون الدولة تعترف بعقوبة الإعدام. فمن الناحية القانونية وبالنظر إلى المسالة في تداعياتها أو نتائجها، تأكد من خلال الأرقام انه في البلدان التي تسن عقوبة الإعدام لم يتناقص عدد الذين يقومون بجرائم، وبالتالي، وحسب مخلوف، فإن عقوبة الإعدام لم تكن في أي حال من الأحوال سببا في ردع المجرمين وصدهم عن ارتكاب جرائمهم.
كما أن عقوبة الإعدام، وحسب محدثنا، لا يمكن ان تعاقب الجاني باعتبارها لحظة واحدة بينما في السجن مدى الحياة دون تخفيف يكون الجاني قد نال عقوبة أشد مما كان سينالها من خلال الإعدام. فالسجن أشد قسوة من الإعدام وذلك بخلاف ما يعتقده البعض.
ويضيف قائلا: «كما أن عقوبة الإعدام في مجتمعات كثيرة باتت سلاحا يستعمل ضد الخصوم السياسيين لإزاحتهم وإبعادهم من دائرة المنافسة. ناهيك عن أنه وفي كثير من الأحيان تبرز معطيات جديدة في ملف قضائي ما ينجر عنها ثبوت براءة من تم إعدامه فيتم إزهاق نفس بشرية ظلما ودون أي وجه حق».
وعن سؤال «القدس العربي» عن كيفية تعامل القانون التونسي مع هذه العقوبة يجيب زهير مخلوفا قائلا: «القانون التونسي كان فيه 23 فصلا قانونيا ينص على عقوبة الإعدام الآن خففت الفصول وأصبحت مقتصرة على ثلاث حالات فقط وأهمها القتل العمد مع سابقية الإضمار. اذن عقوبة الإعدام في تونس خففت مقارنة مثلا مع المغرب الذي توجد في تشريعاته حوالي 600 حالة يحكم فيها بالإعدام وهذا في الحقيقة مفزع ويبين إلى أي درجة الروح البشرية لا تساوي شيئا عند اولئك الذين شرعوا عقوبات الإعدام في وطننا العربي».
ويعتبر مخلوف أن هناك ضغطا حقيقيا مسلطا على تونس لإلغاء عقوبة الإعدام، لأن البروتوكول الاختياري الآن أصبح يتحاور في شأنه عن الوضع التونسي، ولكنه لا يتصور أن يتم إلغاؤها بالنظر إلى كثرة الجرائم التي تقع بين الفينة والأخرى، لكن يمكن في رأيه تجميدها أو إيقاف تنفيذها وهذا سبق ان حصل في عهد بن علي، حيث وقع تجميد تنفيذ عقوبة الإعدام بعد حادثة باب سويقة وما عرف بـ»سفاح نابل».
وتواصل إيقاف تنفيذ الإعدام حسب مخلوف في عهد الترويكا وبعد الثورة، إذ لم يقع إعدام 120 حالة وفي المرحلة الحالية بدأت تصدر عقوبات إعدام ورد تقرير في خمس حالات منها لم يقع فيها تنفيذ الحكم إلى الآن.

الإعدام في القانون

واعتبر المحامي محمد درغام في حديثه لـ»لقدس العربي» أن الإعدام لم يلغ من القانون التونسي لكن وقع تعليق تنفيذه، أي أن القضاة يصرحون به في أحكامهم لكنه لا ينفذ، فآخر مرة تم فيها تنفيذ حكم الإعدام كان في سنة 1991 في حق ناصر الدامرجي الذي اشتهر بكنية «سفاح نابل». وقد ارتكب هذا السفاح جرائم يندى لها الجبين بحق أطفال قصر وضغط الرأي العام يومها باتجاه إعدامه ونفذ حكم الإعدام فيه.
ومنذ ذلك التاريخ، يضيف درغام، لم تنفذ أحكام الإعدام رغم كثرتها، ويبدو أن تونس وجدت في تعليق التنفيذ، الحل الأمثل كي لا يجوع الذئب ولا يشتكي الراعي. أي إرضاء المنادين بتطبيق الإعدام من خلال الإبقاء عليه في سلم العقوبات وترك الباب مفتوحا للقضاة ليحكموا به، من جهة، وإرضاء الحقوقيين المحليين والداعين إلى إلغاء عقوبة الإعدام في الخارج من جهة أخرى».
ويقول: «الحقيقة أن هذا الوضع التوفيقي لا يبدو سيئا بنظر البعض، باعتبار أن الحسم باتجاه الإلغاء قد يجعل القاعدة القانونية قاسية وصلبة ويجعل مجال المناورة أمام القاضي منعدما. في حين أن المطلوب هو أن تكون القاعدة القانونية مرنة تتكيف مع المتغيرات وتواكب تطور المجتمع، إذ يجد القاضي نفسه أمام وضعيات تحتم عليه النطق بحكم الإعدام كأقصى عقوبة في القانون التونسي اعتبارا لفضاعة الجرم وتهدئة للنفوس ثم يتم تعليق تنفيذه بعد أن تهدأ فورة الغضب ولو قليلا.
أي لا يجب التفكير فقط في الجاني وقساوة العقوبة بالنسبة له وضرورة إصلاحه وتأهيله مثلما يدعو معظم الحقوقيين، بل وجب التفكير أيضا في الضحية وفي أفراد أسرتها ومدى شعور الأسرة باللوعة والحسرة والأسى وهي يتناهى إلى مسامعها أن الجاني في أفضل حال يلهو ويمرح ويرتع في السجن وكأنه لم يفعل شيئا ذا بال مثل حالة أسرة المرحوم الطفل ياسين التي هزت الشارع التونسي السنة الماضية».

جدل في تونس بين الداعين لتفعيل عقوبة الإعدام والمطالبين بإلغائها

روعة قاسم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left