تونس فرنسا: الأخ التابع للأخ المغرور

نزار بولحية

Feb 14, 2018

وضعوها لأزيد من سبعين عاما تحت استعمارهم المباشر، ثم طوقوها بعده بقيود وأغلال عصية على الفك. ولعقود مديدة ساندوا بعدها ظلم مستبديها لينقلبوا فجأة إلى حماة ومناصرين لتجربتها الديمقراطية الحديثة.
ألا يعني ذلك أن الفرنسيين يجيدون لعب أكثر من دور في تونس بأكثر من وجه وقناع؟ ألا يواصلون رغم تقلب الظرف وتعاقب الازمنة وتتابع الحكام نهج خط استعماري ثابت، يجعلهم يتأقلمون دوما مع كل الأوضاع بدون أن يسمحوا للدولة الصغيرة في أي واحد منها بتقرير مصيرها وتحديد خياراتها بمنأى عن إرادتهم؟ ربما كان بعض ما جرى في المؤتمر الصحافي الذي عقد مطلع الشهر الجاري بقصر قرطاج بين الرئيس التونسي ونظيره الفرنسي عينة بسيطة تدل على ذلك. فلم يكن السؤال الوحيد الذي وجهته يومها مراسلة التلفزيون الرسمي للرئيس ماكرون سوى الاستفسار عما إذا كانت «فرنسا تفكر في جعل تونس منصة رقمية خاصة بالنسبة للشباب المتخرج والحامل لشهادات عليا في مجال التكنولوجيات الحديثة تساعدهم على ايجاد مواطن شغل، وبذلك تساعد تونس على الانتقال الاقتصادي وتساعد اوروبا على الحد من الهجرة غير النظامية؟». وكل ما كان بمقدور الرئيس الفرنسي أن يجيبها به هو أنه رد أن «فرنسا لن تحول شيئا في تونس والرئيس والحكومة التونسية هما من سيحول تونس»، أي ما يعني بالمختصر المفيد أن فرنسا لن تكون تكية أو جمعية خيرية حتى تنفق على شباب تونس بلا مقابل.
لقد حصل ذلك بعد أن ألقى الرئيس التونسي كلمة قصيرة لم يشأ الحديث فيها عن تفاصيل الاتفاقيات التي وقعها الجانبان خلال الزيارة، مفضلا ترك تلك المهمة للضيف. أما هو فاختار في المقابل أن يخوض في مسألة أخرى، وهي شكر فرنسا على مساندتها لبلاده في ما وصفها بمظلمة القرن، وهي قرار الاتحاد الأوروبي في ديسمبر الماضي تصنيف بلاده ملاذا ضريبيا. لقد قال بشيء من التهكم والمرارة إن تونس يمكن أن تكون جنة، إلا في مثل ذلك الأمر، أي الضرائب. مكررا شكره للرئيس ماكرون عما قال إنه دعم جدي قدمه في قضية أضرت كثيرا بدولته وبصورتها في الخارج. لكن معظم التونسيين الذين كانوا يعتقدون أن تلك الصفحة طويت تماما بتراجع الاوروبيين عن ذلك التصنيف «غير الملائم»، بحسب تعبير وزير ماليتهم، لم يجدوا سببا كافيا للتساؤل عن الدافع الحقيقي الذي جعل رئيسهم يطلق على القرار مظلمة القرن، ثم يبادر لكيل المديح والثناء أكثر من مرة لفرنسا للجهود التي بذلتها لأجل رفعها.
لقد اعتادوا على مبالغات قائد السبسي وحتى فلتاته اللغوية، ولم يكن هناك ما يدعوهم في تلك المرة للبحث في ما اذا كان كلام الرئيس نوعا من الاسترسال اللفظي العابر؟ أم أن الرجل كان يعني بالفعل ما يقوله، فقد كان صعبا أن يدرك الكثيرون حينها إن كان الحديث الرسمي عن مظلمة قرن تعرضت لها تونس مجرد انفلات لغوي أو زلة لسان غير مقصودة؟ أم إنه كان إشارة مواربة إلى مظالم أخرى قد تكون حصلت أو ستلحق بالفعل آجلا أم عاجلا بتونس؟
والغريب أن انتظارهم لم يدم اكثر من اسبوع واحد فقط، شهد الجميع بعده تكرر «مظلمة قرن» أخرى كانت هذه المرة أقسى وأشد من الأولى وهي قرار البرلمان الاوروبي تصنيف تونس الاربعاء الماضي ضمن «الدول عالية المخاطر» في مجال تبييض الاموال وتمويل الإرهاب، الأمر الذي جعل الاوضاع تعود إلى المربع الاول، أي إلى مرحلة ما قبل زيارة ماكرون، وجعل التساؤلات حول ما إذا كانت هناك بالفعل مؤامرة أو مظلمة أوروبية تستهدف طعن الديمقراطية التونسية الجنينية من طرف من كانوا يوصفون بشركائها وأصدقائها الاقربين، تكرر من جديد.
إن ما حير التونسيين فعلا وجعلهم عاجزين تماما عن فهم واستيعاب ما جرى هو أنهم لم يكونوا قادرين على أن يتصوروا، أنه كان ممكنا أن يلدغوا في وقت قصير جدا ومرتين متتابعتين من القارة نفسها التي طالما غمرتهم بشهادات الشكر والمديح والاطراء، ولم تجد حرجا بعدها من أن تضعهم على لوائحها السوداء مرة أولى للجان الضريبة، كما حصل قبل اسابيع مضت، ثم مرة ثانية لتبييض الأموال والارهاب، مثلما حصل الاسبوع الماضي. لماذا فعل الاوروبيون كل ذلك وهم يعرفون جيدا أن الاثر النفسي لقرارهم سيكون قبل الأثر الاقتصادي والمالي ملحوظا وبليغا، بل ربما حتى مدمرا ؟ هل كانت الغاية الأولى والأخيرة إشعار التونسيين من أن الوقت قد حان ليتركوا احلامهم بالحرية والديمقراطية جانبا ويستعدوا لساعة الحقيقة؟ أم أن اوروبا أرادت أن تكشف الان فقط عن وجهها الاصلي الذي اخفته طوال السنوات السبع الاخيرة بوعودها وعهودها البراقة بدعم ديمقراطية لم تكن ترتاح يوما لوجودها أو ترسخها على الضفة المقابلة لها؟ ربما قال البعض إن هناك قدرا من المبالغة والتهويل، وإن كلا التصنيفين الأول ثم الثاني لا يعنيان ابدا أن اوروبا تركت تونس وتخلت عن دعم ديمقراطيتها، بل العكس تماما. فما قامت به هو تنبيهها فقط لمواطن الضعف والخلل في هياكلها المالية والاقتصادية وللمخاطر التي قد تنتج عن ذلك وتكون ضارة ومدمرة لديمقراطيتها، ومهددة أيضا لمحيطها. فكيف يمكن أن تبنى الديمقراطية فوق جبال متراكمة من الفساد والرشوة والمحسوبية؟ وما فعلته أوروبا ليس سوى دق جرس إنذار لتونس حتى تسارع لتنظيف بيتها الداخلي من الفاسدين والمهربين والمحتكرين الذين كانوا سببا من أسباب انحدار اقتصادها وتعمق أزماتها الاجتماعية. ولا شك أن جزءا من ذلك الرأي قد يكون دقيقا وصحيحا فلا يمكن لتونس أن تلقي دائما وابدا باللوم على الاخرين فقط بدون أن يتحمل ابناؤها قسطا من المسؤولية عن أزماتها العميقة والعويصة. ولكن ألم تتسبب اوروبا وتحديدا فرنسا في الحاضر قبل الماضي في نشر الفوضى على أطراف تونس، ثم رفض مساعدتها في تأمين حدودها من مخاطر تهريب الاموال والسلاح لها من جارتها الجنوبية؟ أليس غريبا أن يعلن الرئيس ماكرون في الاول من الشهر الجاري امام البرلمان التونسي بان فرنسا «ستقف مع تونس مثل وقوف الاخ بجانب اخيه وستقوم بما في وسعها من أجل إرساء الأمن والاستقرار فيها»، ثم يصدر البرلمان الاوروبي بعد اسبوع واحد فقط قرارا جديدا بوضع تونس على لائحة الدول الاكثر تبييضا للاموال وتمويلا للارهاب ؟
لقد قالها الرئيس الغاني أمام الضيف الفرنسي الذي وصل غانا بعد تونس وبوضوح تام: «افريقيتنا لا يمكنها أن تبني كيانها على عطف أو إحسان أو صدقة من الغرب. وهذا لا يصلح ولم يصلح ولن يصلح أبدا لا الآن ولا في المستقبل. ومسؤوليتنا نحن في افريقيا، البحث في استثمار ثرواتنا التي نملكها ونديرها بمعرفتنا وعلى طريقتنا وليس على طريقتكم ولا توصياتكم ولا اكراهاتكم لنا». ويبدو اننا سنحتاج لسنوات اخرى في تونس حتى يظهر الرئيس الذي يقول كلاما مماثلا ولا ينتظر عطفا أو شفقة أو إحسانا من باريس ومن غير باريس.
كاتب وصحافي من تونس

تونس فرنسا: الأخ التابع للأخ المغرور

نزار بولحية

- -

6 تعليقات

  1. مقال رائع و تحليل دقيق لحالة دولنا في المغرب الكبير و كيف تقوم فرنسا بالتلاعب بها لابتزازها اقتصاديا و سياسيا. و ماكرون كسابقيه وكأن لا شيء لم يتغير سوى صغر سنه و اندفاعه المدروس لخدمة اجندة المال و رجاله في فرنسا.

  2. الف تحية للكاتب على هذا المقال الرائع تحيا تونس الجديدة

  3. انا كشخص و أظن اغلب التونسيين لهم نفس التصور يجب غلق ملف مرض الاستعمار الفرنسي المستشرى لدى البعض و الذى يقع إخراجه كل مرة ….تونس تاريخها منذ 3000 سنة استعمار يخلفه استعمار ….و التونسيين اليوم هم نتيجة كل المستعمرين الذى عرفتهم عبر تاريخها….اليوم نحن تونسيون و نتعامل مع من يتعامل معنا ….و نتاجر مع من يتاجر معنا و بلادنا مفتوحة لمن يريد زيارتنا و لمن يريد الاستثمار فيها و أصدقائنا الأوروبيين و من بينهم الفرنسيين هم من يستثمر فى بلادنا و هم من يستقبل مهاجرينا و هم من بين من يزور تونس…..نحن لا نسبح على بحر من الغاز او البترول ننام عليه و نقوم عليه…..
    اما بخصوص تصنيف تونس كدولة قابلة لغسل الاموال و تمويل الإرهاب….فمنذ 2011 و الناشطون يصرخون و ينبهون ان بلادنا تحولت إلى بؤرة لتهريب و تمويل الإرهاب عبر جمعيات معروفة بنشاطاتها لتمويل الإرهاب بغطاء خيرى و جلب دعاة الخراب ….و هنا الاتحاد الأوروبي لم يقم إلا بكشف المستور مما ساهم فى توتر من حمى و سهل هذا الخراب و تهديده بحروب أهلية….شكرا الاتحاد الاوروبي لوضعهم فى الزاوية ….تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء إلا لها

  4. يقول الشاعر..
    لست أبكي لعسف ليل طويل…..أو لربع غدا العفاء مراحه
    انما عبرتي لخطب ثقيل……قد عرانا ولم نجد من أزاحه
    كلما قام في البلاد خطيب…..موقظ شعبه يريد اصلاحه
    أخمدوا صوته الالهي بالعسف…..أماتوا صداحه ونواحه
    مع كامل التقدير للأستاد بولحية…مع الاشارة الى أن الشاعر هو المبدع الفريد ابو القاسم الشابي…في قصيدة يستنهض بها الهمم ضد الاستعمار الفرنسي وأدنابه….

  5. ما يجري لتونس هذه الأيام من الأوروبيين، يدل على أنه لا يصح إلا الصحيح وأن ما كشفت عنه صحيفة فرنسية من محاولة مسؤولين تونسيين دفع هدايا (زيوت وتمور) لشراء مواقف أوروبية، وما كشف عنه صحافي تونسي عن قيام البلاد في عهد بنعلي بمحاولة مماثلة لشراء صمت محطة تلفزيونية شهيرة، بالتمور، يدل على أن البلاد تسير في الطريق الخطأ.

  6. هههههههههههه رشوة الأوروبيين بالزيت والتمر !!!!تحيا الجزائر

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left