الإختراق الإسرائيلي لبعض الدول الخليجية

سوسن أبو حمدة

Feb 15, 2018

تمر المنطقة العربية بمرحلة تحول وتغير خطيرة ليس بالإمكان رصد إفرازاتها على المدى البعيد. حجارة ثقيلة تسقطها الطيور الأبابيل على الشعوب العربية كأنها من سجّيل.
لم يعد الشك خطيئة ولم يعد قذفا للمحصنات الجزم بقبول السعودية وحلفائها من العرب الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الموجهة ضد قضايا مركزية عربية ورأسها فلسطين. السؤال الكبير والمباشر هو كيف استطاعت إسرائيل إختراق وتطويع بعض الدول الخليجية لتحقيق أهداف إستراتيجية وتاريخية ؟ وكيف إستطاعت إقناع حكام مكة وعربهم بالتبرك بحاخاماتها بدل الأقصى؟
النجاح الإسرائيلي في إختراق المنطقة الخليجية ليس وليد اللحظة فالإهتمام الإسرائيلي بالخليج بدأ في مرحلة مبكرة من خمسينيات وستينيات القرن الماضي أيام الشاه رضا بهلوي الذي كان يتمتع بعلاقات حميمة مع إسرائيل ويزودها بالنفط وبعد سقوطه أصبح الخليج أحد أهم الأهداف الإستراتيجية لإسرئيل للحصول على الطاقة. بعدذلك جاء إنتصار العرب في حرب عام 1973 وكان لإستخدامهم سلاح البترول الدور في لفتِ إنتباه إسرائيل لاستراتيجية المنطقة الخليجية وجعلها هدفا للإختراق الإسرائيلي. ولتحقيق هذا الهدف أنشأت إسرائيل مراكز بحث متخصصة بشؤون الخليج دأبت على فهم وتقصي أدق التفاصيل السياسية والاقتصادية والإجتماعية في المنطقة الخليجية لبحث مواطن إختراقها، وحسب دراسات عدة فإن العديد من هذه المراكز يرتبط مباشرة بجهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد ».
لم يعد أهل مكة أدرى بشعابها فإسرائيل باتت أدرى بشعاب أهل مكة وأرضها، وبالتالي ليس من جديد القول إن ثمة قبولا خليجيا للعلاقات مع إسرائيل، فإسرائيل نجحت منذ سنوات في نسج علاقات مباشره مع بعض الدول الخليجية وسرية مع دول أخرى تدور في أروقة أوروبا وأمريكا. وليس خفيا أيضا التطبيع الإقتصادي السري والعلني القائم بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية بقطاعيها العام والخاص تحت غطاء رجال أعمال وشركات عالمية. ولعل المرتبة المتقدمة التي حققتها إسرائيل في إختراق بعض هذه الدول هي في مجال التعاون العسكري والإستخباراتي، فالعديد من الدول الخليجية شاركت إسرائيل علانية بمناورات عسكرية.
الوقائع تُدلل إذا أن مخطط الإختراق الإسرائيلي للخليج نجح بإمتياز، وواضح جدا أن إسرائيل تفوقت في التأسيس لنفوذ سياسي واستراتيجي في المنطقة الخليجية، ولعل الأخطر أنها تفوقت بالفصل بين الخليج والمنطقة العربية فغيرت أولويات بعض الدول الخليجية حسب شروط العلاقة مع إسرائيل والاستحقاقات التي تفرضها الأخيرة على هذه الدول ثمنا لإستمرار العلاقة، فهذه الدول كانت غير مستعدة لإقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل علنا قبل تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لكن هذه الأولوية أُسقطت الآن وفقا لشروط العلاقة.
في علم السياسة البراغماتية مشروعة وبالتالي ماالذي يمنع بعض الدول الخليجية من التحرر من العباءة العربية والدخول بعلاقات علنية مع إسرائيل؟
ببساطة يمكن القول بأن المصالح المعلنة لهذه العلاقة هي لجم إيران ومحاربة الإسلام السياسي وخطف ثورات الشعوب العربية الحالمة. أما المصالح الخفية فهي الأعمق وهي دعم التغير المقبل في بعض الأنظمة الخليجية وضمان إستمرار بقائها لأنه في حالة الأنظمة العربية لابد دائما من الضامن أو المُستعمر لحماية وجودها. حتى نوضِّح الصورة أكثر فإن ما تتعرض له بعض الدول الخليجية من إملاءات لتنفيذ أجندة إسرائيل في المنطقة هو شبيه بحالة الإستعمار الذي لم تخرج من بوتقته الأنظمة العربية حتى الآن، فالمستعمر البريطاني والفرنسي مازال هو الضامن لبقاء العديد من الأنظمة العربية حتى الآن. رأَينا مؤخرا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كيف تحرك وأعاد سعد الحريري إلى بيروت متجاوزا الرغبة السعودية لأن لبنان هي منطقة نفوذ المستعمرالفرنسي. الحال مشابه تماما في المنطقة الخليجية فإسرائيل ومن تحت القناع الأمريكي نجحت في أن تكون هي الضامن لبقاء بعض الأنظمة الخليجية وهذا ما يفسر تنفيذ الأجندة الإسرائيلية بعـباءة خليـجية.
والإشارة واجبة هنا إلى الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق الإختراق الإسرائيلي للخليج، فبعض الدول الخليجية هي منطقة نفوذ أمريكية بإمتياز وحقيقةً لا يوجد خط فاصل بين المصالح الأمريكية والإسرئيلية في الخليج في ظل هذا التخادم الاستراتيجي الواضح الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل في المنطقة الخليجية، فالولايات المتحدة وبحكم نفوذها على العديد من هذه الدول قررت بأنه حان الوقت لهذه العلاقات العلنية مع إسرائيل وما على هذه الأنظمه إلا الإمتثال إن أرادت البقاء.
بذلك نفهم أن القرار الاستراتيجي لبعض الدول الخليجية لم يعد بيدها وما يُتخذ من خطوات سياسية جريئة تتعلق بالقضية الفلسطينية وغيرها من القضايا ليس نابعا من سياسات هذه الدول وإنما بإملاءات أمريكية إسرائيلية.
مرحلة في غاية الخطورة تلُف المنطقة الخليجية وتُفقدها قرارها الاستراتيجي بشكل كامل لصالح أهداف إسرائيل الاستراتيجية. لابد أن هذه الأنظمة تعي تماما أن التحالف مع العدو الإسرائيلي، عدوالقومية والجغرافيا، يحمل أضرارا استراتيجية خطيرة على المنطقة الخليجية لا ترتبط فقط بفلسطين التي يقدمونها قربانا لبقائهم، لكنهم رغم إدراكهم هذه المخاطر يختارون البقاء والتحالف مع الشيطان على رماد قومية بأكملها. الأيام هي الفيصل فطيور بني إسرائيل لابد ستحلق يوما فوق أشرف المدن،المدينة المنورة، لتُغرد أن مقامات أجدادها من بني القينقاع والنضير وقريضة كانوا هنا لنرى وقتها كيف سيرد حكام مكة وفقهاء السلطان الذين إبتلع الخوف ألسنتهم وصَلبها.

إعلامية أردنية تقيم في لندن

الإختراق الإسرائيلي لبعض الدول الخليجية

سوسن أبو حمدة

- -

1 COMMENT

  1. قراءة تحليلية متميزة وعميقة للواقع المزري للعرب عامة ودول الخليج خاصة من كاتبة متميزة وعميقة

    وهذا لا يمنع من الأختلاف مع الكاتبة حول بعض النقاط، فمثلا أن الاستعمارين الفرنسي والبريطاني فلقد انحصر نفوذهما و تراجع دورهم لصالح الاستعمار الأمريكي( الجديد نسبيا)،ومنذ خمسينيات القرن الماضي،وما تبقى لهما انما هو فتات ولقيمات تلقى لهم كما تلقى ألعظمة للجراء الصغيرة،

    أيضا، بالنسبة لمنطقة المصالح الأمريكية الاسرئيلية وتقاطعاتها،،هناك مصالح خاصة لكل منهما وهناك مصالح مشتركة ولا يعني ذلك أن المصالح الأمريكية دائما هي مصالح أسرئيلية أو العكس بالضرورة ،،وبصراحة أعتقد أنه لولا أن أمريكيا تردع اسرائيل لتمكنت هذه الأخيرة من ابتلاع أي بقعة عربية لقمة سائغة فجميع الظروف مهيئة لمثل ذلك،،رغم أن اسرائيل تحقق بعض أو الكثر من المصالح الأمريكية إلا أن هناك مصالح أمريكية أستراتيجية عليا لا تسمح أمريكيا لأي كان من المساس بها ولا حتى أقرب الحلفاء من الشرق أو الغرب ولا يؤثر ذلك على طبيعة كون العلاقة بينهما خاصة جدا. هذه وجهة نظر قابلة للصواب بنفس قدر احتمال الخطأ.

    تحية للكاتبة والجميع

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left