هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي الجائر

د.علي محمد فخرو

Feb 15, 2018

لنمعن النظر في مقولات وممارسات النظام الاقتصادي الرأسمالي العولمي، الذي تقوده وتهيمن عليه الأيديولوجية النيوليبرالية المتوحشة، لنعرف ملامح المستقبل الذي تتجه نحوه البشرية، وبالتالي يتجه نحوه الوطن العربي التابع المغلوب على أمره.
*أولا، أن الكينونة الفردية، برغباتها وطموحاتها وحريتها المطلقة في الاختيار واستقلاليتها عن نفوذ ومطالب وقواعد المؤسسات المجتمعية، هي التي تشكل المجتمع. في قلب تلك الفردية ضرورة التنافس الأناني في الأسواق، والنجاح في تلك المنافسة، وإلا فإن ذلك الفرد يعتبر إنسانا فاشلا ويستحق ما يقود إليه ذلك الفشل من فقر وقيمة اجتماعية متدنية وعدم الفاعلية في حياة المجتمع. من هنا فإن الظروف والمشاكل الاجتماعية ليس سببها المجتمع، وإنما سببها أخطاء الأفراد أو كسلهم أو عدم قدرتهم على المنافسة في بحر الأسواق الهائج.
وبالطبع فإن حصيلة ذلك الجهد الفردي هو تصاعد في الملكية الفردية، من دون سقف ولا حدود، التي يجب أن تكون مصانة بكل أنواع القوانين والأنظمة وحماية الدولة. وباختصار، يكفي أن يحصل الفرد على الحرية، وأن يستعمل العقل في تصرفاته، حتى يحقق الملكية الفردية المطلوبة. أما تأثيرات وتعقيدات المجتمعات فهي أمور يجب أن تبقى هامشية في هذا الفكر النيوليبرالي الغريب.
*ثانيا، السوق الحرة التنافسية هي قيمة عليا يجب ألا تمس ولا تفرض الدولة عليها قيودا، حتى لو أدت حريتها التنافسية إلى دمار اجتماعي أو أذى بشري. ففي النهاية ستنتج تلك السوق ثروة تنزل قطرة قطرة من جيوب الأغنياء إلى جيوب الفقراء، لتحل مشاكلهم الحياتية. ومن أجل أن لا يمس ذلك السوق الحر المقدس ويفقد حيويته في خلق الثروة المتعاظمة، حتى لو كانت في يد أعداد صغيرة من البشر، فإن النيوليبرالية تضع قيودا صارمة على حرية الدولة في حكمها للمجتمع. فنشاطات ومشاريع الدولة الاقتصادية يجب استبدالها بالسوق الحرة، من خلال برنامج الخصخصة لكل ما تقوم به الدولة من مشاريع تنموية صناعية وخدمية، ومن معونات اجتماعية للضعفاء والمهمشين، من منطلق أن القطاع الخاص هو أكفأ بكثير من القطاع العام في إدارة أي شيء.
وإذا كان لا بد من تدخل الدولة، فيجب أن يكون في الحدود الدنيا وينصب أساسا على تصحيح ما يمكن أن يؤثر على حيويته ونشاط الأسواق من مثل السيطرة على الأجور، ومن مثل تقليل كل أنواع الدعم الحكومي، ومن مثل تخفيض الضرائب على الأغنياء والشركات. الاقتصاد يجب تحريره من كل القيود، والملكية الفردية يجب أن تصان، حتى لو وصل الحال إلى ما وصفته مؤسسة أكسفام الخيرية من أن ثروة (وليس دخل) ثمانية أشخاص في هذا العالم تساوي ما يملكه نصف سكان العالم الفقراء من ثروة. ومن هنا فليس بمستغرب أن تتفاخر بعض المؤسسات العولمية، من مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بنجاحاتهم المبهرة في تقليل أعداد الفقر المدقع في هذا العالم عندما ينجحون في زيادة دخل ملايين الفقراء من دولار واحد ونصف الدولار في اليوم إلى دولار واحد وتسعة أعشار الدولار في اليوم. إنه تفاخر بوصول دخل أفراد أولئك الملايين من الفقراء المعدمين إلى حوالي سبعمئة دولار في العام.
فهل حقا أن النيوليبرالية ستقضي على الفقر في هذا العالم، إذا كانت تحمل ذلك المنظور المتواضع في مسألة التوزيع العادل للثروة في مجتمعات العالم؟
والغريب العجيب أن بعضا من مسؤولي تلك المؤسستين يطالبون مؤسسات القطاع الخاص والشركات العالمية على الأخص بالمساهمة في استثمار أموالهم في دول العالم الثالث، من أجل حل مشاكل الفقر في تلك الدول. لكن مرض العقلية النيوليبرالية يفصح عن نفسه في الحال عندما يؤكدون لذلك القطاع الخاص بأن ما سيستثمرونه من أموال لن يكون قط في خطر. فاذا ربحوا في المشاريع التي سيقومون بتنفيذها، فإن الأرباح ستذهب لهم، أما إذا خسروا فإن على دولة ذلك البلد الفقير أن تعوضهم عن خسارتهم باستعمال المال العام، الذي جمع بواسطة الضرائب. وبالطبع فإذا استعمل المال العام لإخراج القطاع الخاص الخارجي من أزماته، فإن ذلك سيعني مزيدا من تخفيض الخدمات العامة الاجتماعية للفقراء في ذلك البلد.
إنها اللعبة القديمة إياها. الأغنياء يزدادون غنى في أيام اليسر وأيام العسر. أما الفقراء فيحصلون على القليل في أيام اليسر ويدفعون الثمن من قوتهم في أيام العسر.
باختصار، هل يحق لنظام جائر مجنون كهذا بأن يسمح له بأن يمسك رقبة هذا العالم ويتمكن من كل عوامل الإنسانية فيه، وذلك باسم الفردية المجنونة، وباسم حرية الأسواق التنافسية، وباسم تقييد يد الدولة في تحمل مسؤولياتها الاجتماعية والإنسانية؟
الجواب واضح: آن الأوان لإنهاء هذا النظام الجائر أو تعديله بصورة جذرية. هذا المستوى من التوحش الرأسمالي والفكر السياسي الأناني ما عاد مقبولا.
لقد تربع هذا النظام على عرش هذا العالم الاقتصادي والاجتماعي بصورة مجنونة عبر العقود الأربعة الماضية وأثبت أنه سيقود هذا العالم إلى الأزمات التي لن تتوقف. إن نظاما يفاخر بأن تكون أحد إنجازاته وصول بليون من البشر إلى دخل سنوي لا يزيد عن سبعمئة دولار، في حين يملك ثمانية اشخاص ثروة تساوي ثروة نصف سكان هذا العالم من الفقراء والمهمشين، لا يحق له أن يبقى.
إن كتب وتخريفات منظري هذا النظام من أمثال مدرسة شيكاغو والعراب ملتون فريدمان يجب أن توضع في زبالة التاريخ.
كاتب بحريني

هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي الجائر

د.علي محمد فخرو

- -

2 تعليقات

  1. صرخة عاطفية مؤثرة و لكن ما البديل؟
    البديل هو سقوط هذه النيو ليبرالية و قد شهدنا بدايات ذلك في 2008 و تدخل الديموقراطيين بقيادة اوباما في لجم بعض اسبابها و خاصة في مجال المضاربات. الا ان سياسات ترامب الجديدة كانت رفع القيود التي وضعتها ادارة اوباما و العودة الى المضاربات التي تسمى منافسة حرة. و على الاغلب فان هذه الايدولوجية ستنهار و لكن بعد مخاض عسير و خسائر مؤلمة

  2. جزاك الله خيرا، لبيانك لحقيقة النظام المتوحش الرأسمالي الليبيرالي، و لكن كما تساءل أخانا في التعليق، ما هو البديل؟
    البديل، الوحيد هو النظام الاقتصادي الاسلامي و لكن و للأسف لا يوجد في الواقع لانه لا توجد الدولة التي تطبقه، و هو نطام متكامل من حيث الموضوع و لكونه البديل الوحيد فإن و كضربة استباقية استغلت قوى الاستعمار، القديم و الحديث، “الربيع العربي ” ليجعلوا منه كل تلك الفوضى التي نعيشها في عالمنا العربي و الاسلامي، مستغلين، و بدهاء منقطع النظير، سذاجة التنظيمات الاسلامية؛ الجهادية منها و الساسية خاصة التي تم اظهارها على الساحة حكركة الاخوان المسلمين.
    فاستخدم الجهاديون، بعد تكبيرهم و تضخيمهم، ليعطوا صورة بأن الدولة الاسلامية دولة قتل و اغتصاب و لأ تعطي قيمة للحياة الانسانية.
    أما الاخوان في مصر فتركوهم يصعدون الى الحكم ثم أزاحوا الكرسي من تحتهم ليسقطوا شر سقة فيعطوا بذلك برهانا على فشل البديل الاسلامي.
    و لكن مكر أولئل دهاقنة النظام الرأسمالي في بوار إن شاء الله، ففكرة الدولة الاسلامية، على منهاج النبوة و ليس الدولة الكاذبة، قد نضجت و ان قتلوا البشر فلا يمكن ان يقتلوا الفكرة، فهي ربانية و وعد الله من تمسك بها و عمل على إعلائها بالنصر و التمكين.. اللهم عجل لنا بدولة الاسلام، خلافة راشدة على منهاج النبوة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left