سوريا بين الصفعة الإيرانية والصفعة العثمانية

بكر صدقي

Feb 15, 2018

بإسقاط الإيرانيين طائرة F16 الإسرائيلية (أمريكية الصنع)، باستخدام وسائل الدفاع الجوي السورية (روسية الصنع) دخل الصراع الإقليمي الدولي على الأراضي السورية منعطفاً شديد السخونة. ذلك أن الروسي المهيمن على الأجواء السورية قد سمح لإيران، أو غض النظر عن إطلاقهم الطائرة بدون طيار التي اخترقت الحدود الجوية للمحتل الإسرائيلي، وهي الحادثة التي ستطلق ردود الفعل التي تلتها. وذلك على رغم التنسيق المعلن بين تل أبيب وموسكو في كل الضربات الإسرائيلية السابقة للمواقع الإيرانية داخل الأراضي السورية. وغالباً ما كانت هذه الضربات تحدث بعد الزيارات الروتينية لبنيامين نتنياهو لموسكو، بما يعني الإعلام المسبق أو الحصول على إذن مسبق.
هذه الجولة الجديدة من الاشتباك الإسرائيلي ـ الإيراني، سبقتها أيضاً زيارة مماثلة إلى موسكو، قبلها بنحو أسبوع. فهل يعني ذلك أن روسيا قررت وضع حد للعربدة الإسرائيلية فوق الأجواء السورية، بضربها للمواقع الإيرانية متى شاءت؟ ولكن هل كان على نتانياهو العائد لتوه من زيارة الكرملين أن يعلم بتغيير قواعد الاشتباك على هذا النحو ميدانياً، بدلاً من إبلاغه بذلك أثناء الزيارة، ما من شأنه تجنيب إسرائيل هذه «الصفعة الإيرانية» المدوية؟
لا أعرف ما إذا كان هناك تعبير إيراني بهذا الاسم، لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استخرج، بالمقابل، من جعبة التاريخ التركي تعبير «الصفعة العثمانية» ليهدد بها الولايات المتحدة الأمريكية، لا أقل! وكان ذلك في سياق الجدل الدائر حول الرغبة التركية في التوسع، في عملية غصن الزيتون، لتشمل مدينة منبج التي تسيطر عليها وحدات الحماية الكردية تحت مظلة القوات الأمريكية. فمن المعروف أن تركيا طالبت الولايات المتحدة، منذ استيلاء وحدات الحماية على منبج، بعد دحرها لقوات داعش منها، صيف العام 2016، بإخراج وحدات الحماية من هناك، بما أن البلدة تقع غربي نهر الفرات، أي خارج منطقة عمليات التحالف الدولي لمحاربة داعش، وقد اعتبرت تركيا ذلك أساساً لترسيم منطقة نفوذها الخاصة (غربي نهر الفرات) وطالبت الأمريكيين بإبعاد الوحدات الكردية إلى شرق النهر. وتقول الحكومة التركية إن إدارة أوباما قد وعدتها بالاستجابة لهذا الطلب بعد تحرير منبج من مقاتلي داعش، الأمر الذي لم يحدث، على رغم انقضاء نحو سنتين، ودخول القوات التركية إلى المناطق المجاورة في إطار عملية «درع الفرات»، وصولاً إلى مدينة الباب التي تقع على أطراف حلب. ولم يتغير الموقف الأمريكي من موضوع منبج، بعد مجيء طاقم الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
بل تفاقم الوضع أكثر، من زاوية نظر الهواجس التركية المعلنة. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية عن بدء العمل في إنشاء جيش لحراسة حدود منطقة نفوذها، قوامه 30 ألف مقاتل، يتكونون أساساً من «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل وحدات الحماية الكردية عمودها الفقري. كما أن الضغوط الأمريكية على أنقرة من أجل إنهاء عمليتها العسكرية في منطقة عفرين بأسرع وقت ممكن، غير خافية على أحد. ويبدو أن حدود «تفهم» واشنطن المعلن لهواجس الأمن القومي التركي، بمناسبة الحرب التركية على عفرين، أضيق من أن تحقق أحلام أردوغان الذي صور له سماح الأمريكيين والروس لقواته بدخول منطقة عفرين، مناسبةً ليطالب بالمزيد في منبج. وإذ جاءه الجواب الأمريكي صريحاً في رفضه أي اقتراب من منبج، مع التلويح بأن ذلك قد يؤدي إلى صدام عسكري مباشر بين القوات التركية والأمريكية هناك، رد أردوغان بالتهديد بالصفعة العثمانية.
وخلاصة الأسطورة التركية حول هذه الصفعة هي أن قادة الجند في الجيش العثماني كانوا يلجؤون إلى هذه «التكتيك الحربي» للفوز بالمعركة قبل وقوعها. فقد كان القائد العسكري العثماني يواجه قائد الجيش المقابل ويصفعه صفعة مدوية على وجهه، بحيث يسمع صوتها على نطاق واسع. وغالباً ما كانت تلك الصفعة تؤدي إلى كسر إرادة الخصم واستسلامه قبل بدء المعركة.
لا جدوى، طبعاً، من التساؤل حول مدى واقعية تلك المروية العثمانية، بل المهم هنا هو مدى استهتار أردوغان بالأمريكيين. فهل اعتمد، في إطلاق هذا التهديد، على قوة تركيا الذاتية، أم إلى جملة الشروط المعقدة التي تجري فيها صراعات القوة فوق الساحة السورية؟
من المرجح أن الجواب الثاني هو أقرب إلى واقع الحال. فإذا كانت تركيا لم تستطع تنفيذ تهديداتها المعلنة منذ سنوات بدخول عفرين إلا بعد الحصول على موافقتين روسية وأمريكية، فكيف لها أن تغامر بالاقتراب من منبج التي فيها تواجد مباشر لقوات برية أمريكية؟ وكيف لها أن تطلق تحدٍ صريح ومهين ضد الولايات المتحدة كالتهديد بالصفعة العثمانية؟
في المسالك التركية استثمار لصراع لي الذراع الجاري بين واشنطن وموسكو، كما بين واشنطن وإيران. فالقطبان الدوليان يتنافسان، منذ بعض الوقت، على استمالة تركيا لأهمية موقعها الجغرافي، وبخاصة إزاء سوريا، كما بسبب بقايا نفوذها على فصائل عسكرية إسلامية ما زالت تتمتع ببعض الوزن والفاعلية على الأرض في شمال سوريا. وتبدو واشنطن هي الأكثر هشاشة في عجزها عن إيجاد توازن مستحيل بين حليفيها الكردي والتركي، في حين تمكنت موسكو من استمالة تركيا إلى مسارات آستانة وسوتشي، ووفرت لها مناطق نفوذ في شمال حلب وفي محافظة إدلب، إضافة إلى عفرين.
في حين أن واشنطن ما زالت بحاجة إلى تركيا لاحتواء النفوذ الإيراني في سوريا. هذا النفوذ الذي بلغ درجة من الخطورة، من زاوية النظر الأمريكية، بلغت المجازفة بإسقاط طائرة إسرائيلية، ووضع حد للطيران غير المقيد لإسرائيل في ضرب المنشآت والمواقع الإيرانية في سوريا.
الخلاصة أن الصراع الدولي متعدد الأطراف على الأرض السورية، يزداد سخونة كل يوم. الأمريكيون يضربون ميليشيات موالية للنظام الكيماوي وإيران قرب دير الزور، والإيرانيين يسقطون الطائرة أمريكية الصنع، والسلاح الأمريكي يسقط طائرة السوخوي الروسية فوق إدلب، وطائرات درون تضرب القواعد الروسية على الشاطئ السوري. ووحدات الحماية المسلحة من أمريكا تسقط طائرة هليكوبتر تركية في عفرين..
إنه مشهد مفجع حقاً: كأنها أرض بلا سكان تحولت إلى حلبة صراعات عسكرية مدمرة. أين السوريون؟

٭ كاتب سوري

سوريا بين الصفعة الإيرانية والصفعة العثمانية

بكر صدقي

- -

1 COMMENT

  1. بل قل يا أخي بكر صدقي أيها السوريون اتحدوا للتخلص من النظام قبل أي اعتبار آخر وهو الهدف الأساسي, فلولا هذا النظام القبيح لما وصلت حالنا إلى ماوصلت. أيها السوريون هلا أدركتم محنتكم ووضعتم هذا الهدف على قمة الهرم قبل أولوياتكم. وبالطبع المهم هنا الفصائل المقاتلة بالدرجة الأولى لأن تمزقهم أفادت النظام كثيراً كثيراً.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left