مؤتمر الكويت وخرافة إعادة إعمار العراق

يحيى الكبيسي

Feb 15, 2018

لا بد من الادراك، بداية، بأنه ليس ثمة شكل واحد يمكن اعتماده في حالات إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع، وان لكل حالة خصوصيتها وسياقها الموضوعي، ولكن بالتأكيد ثمة مقاربات منهجية تتعلق بتحديد الاولويات ووضع الاستراتيجيات الخاصة بإعادة الإعمار. وتبعا لما يقرر بعض الباحثين في هذا المجال فان دروسا رئيسية يمكن استخلاصها في هذا المجال؛ من بينها أنه يجب اولا قبل تقديم المساعدات الدولية ان يتوفر إطار سياسي لإعادة الإعمار يرتبط ارتباطا وثيقا بايجاد حل مقبول وطنيا ودوليا لهذا الصراع الذي اوجب عملية اعادة الاعمار، وان الحكومات في بلدان النزاع تحتاج، ثانيا، إلى الدعم في إطار توفير ميزانية شاملة علنية وشفافة، ذلك أن الشفافية والمساءلة هما جوهر هذه العملية. ثالثا أن برامج إعادة الإعمار يجب ان يتم تطويرها مع الجهات المانحة، ويجب أن تتطابق هذه البرامج مع حاجات البلد الحقيقية، وأخيرا يجب على الفاعلين الدوليين ان ينسقوا جهودهم من خلال وضع الأموال في صندوق يدار من خلال شراكة بين الحكومة الوطنية ومنظمات المجتمع المدني، ويمكن ممثلي هذه الدول أن يكونوا أداة للحد من التشظي والازدواجية في العمل.
وقد استخدم البنك الدولي عام 1995 مصطلح «إعادة إعمار ما بعد الصراع»، ليؤكد ان هذا المصطلح لا يشير فقط إلى إعادة بناء البنية التحتية ولا إلى إعادة بناء الإطار الاجتماعي والاقتصادي الذي كان قائما قبل بداية الأزمة، ولكنه يشير إلى بناء الظروف المؤاتية لإقامة مجتمع فاعل في وقت السلم. ويرى البنك الدولي أن إعادة الإعمار تسعى عمليا للوصول إلى هدفين: تسهيل الانتقال إلى السلام المستدام بعد توقف الأعمال القتالية، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. من منطلق ان الانتعاش الاقتصادي يعتمد على نجاح هذا الانتقال إلى السلام المستدام من جهة، وعلى إعادة بناء الاقتصاد المحلي واستعادة امكانية الوصول إلى الموارد الخارجية.
وبذلك فإن عملية إعادة الإعمار ليست عملية فنية معزولة، بل هي ترتبط تماما بطبيعة الصراع الذي يسبق إعادة الإعمار ومدياته من جهة، وبطبيعة الوضع السياسي القائم في مرحلة ما بعد الصراع من جهة ثانية. وبالتالي، فان مسألة إعادة بناء البنية التحتية، والحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية، لا ينفصل مطلقا عن الإصلاح الهيكلي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وامنيا، كما لا ينفصل عن قضايا جوهرية مثل العدالة والمصالحة، والحكم الرشيد والمشاركة.
اما المصطلح الأمريكي الذي يستخدم عادة مرادفا لهذا المصطلح فهو: بناء الأمة. ولكن البعض يعترض على المصطلح الأخير بانه قد يعطي رسالة خاطئة بان الفاعلين الدوليين هم أنفسهم سيتولون مهمة بناء الامة او بناء الدولة كفاعل خارجي! لهذا وجدنا الأمريكيين يعتمدون أحيانا مصطلح اعادة الإعمار بعد الاحتلال بديلا عن مصطلحهم الإشكالي! ولكننا نجد أيضا استخداما لمصطلح «بناء الامة» كما في كتاب «دور الأمم المتحدة في بناء الامة من الكونغو إلى العراق» الصادر عام 2005 عن مؤسسة راند الذي انتهى إلى أن التقييم الاساسي لتجربة الولايات المتحدة في العراق هو «أنها لم تستوعب على نحو كاف الدروس من تجربتها الوفيرة في بناء الامة»!
يبدو واضحا بعد هذه التقدمة ان هذه المفاهيم كانت بعيدة عن برنامج اعادة الاعمار في العراق بعد 2003، وثمة اتفاق شبه كامل بين الباحثين الذين درسوا هذه الحالة أن فرصة إعادة الإعمار في العراق قد تم إضاعتها! ويشير انتوني كوردسمان في تقييمه لجهود اعادة الاعمار الأمريكية في العراق أنها كانت: «طموحة بافراط، ومفككة، وضعيفة التخطيط»! خاصة في ظل الافتقاد إلى الرؤية والعشوائية التي حكمت تحولات استراتيجية اعادة الاعمار الأمريكية في العراق، بل وصل الأمر إلى منح القادة العسكريين الميدانيين الصلاحية المطلقة في تقديم المنح في نوع من الارتجال التام! إن واحدة من مشكلات إعادة الإعمار في العراق أنه لم يكن هناك تحديد صارم لمفهوم إعادة الإعمار، مما تسبب في تحولات راديكالية من منظور إلى آخر، وأسهم في زيادة حدة هذه العشوائية!
وتكشف تقارير المفتش الخاص بإعادة الاعمار في العراق عن تشخيص واضح لهذا الفشل شبه التام لتلك الجهود.
ومراجعة سريعة لحجم الاموال التي صرفت على إعادة الإعمار في العراق بين عامي 2003 و2010 تكشف عن كل ما تقدم. فقد تم إهدار أكثر من 167 مليار دولار جاءت من ثلاثة مصادر أساسية هي كالآتي: أولا الميزانية الاستثمارية العراقية، ومنحة صندوق تنمية العراق، التي أشرفت عليها سلطة التحالف المؤقتة والبالغة 91.43 مليار (12.7 مليار دولارعبر تمويل عراقي في عهد سلطة الائتلاف، و79.36 دولار عبر الموازنات الاستثمارية السنوية). ثانيا اعتمادات الولايات المتحدة الأمريكية والتي بلغت 53.79 مليار دولار، وثالثا التعهدات الدولية للمساعدة والقروض من مصادر غير الولايات المتحدة الأمريكية: 17.79 مليار دولار (6.4 مليار دولار على شكل منح، و11.75 على شكل قروض). فضلا عن ذلك، المنظمات المتعددة الجنسية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي قد أعدت برامج مساعدة تنموية بمبلغ 1.84 مليار دولار في جهود إعمار العراق. كل هذه المبالغ الضخمة انتهت إلى ما أسماه المفتش الخاص بإعادة إعمار العراق إلى أكبر عملية فساد في التاريخ!
اما مؤتمر الكويت لإعادة الإعمار الذي يعقد هذه الايام فقد استمر في عدم تحديده لمفهوم إعادة الإعمار، فقد غاب عن المؤتمر اي معطى من معطيات إعادة الاعمار، تحديدا السياق السياسي المتضمن في هذا المصطلح، وتحول الامر إلى مشاريع تنمية اقتصادية مجردة، كما يكشف عن ذلك الجدول الخاص بالمشاريع الاستثمارية التي طرحت في هذا المؤتمر، ولعل كلمة الدكتور حيدر العبادي في المؤتمر التي ركزت على «التنمية» خير دليل على هذه الإشكالية! كما بدا واضحا أن مخرجات المؤتمر كانت بعيدة تماما عن تطلعات الحكومة العراقية، فقد كانت المنح والاستثمارات بعيدة بمسافة ضوئية عن الآمال المعقودة حول المؤتمر، فيما كانت القروض هي الحاضرة بشكل حقيقي! وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار مقدار الدين الخارجي العراقي الذي يقدر ما بين 100 و120 مليار دولار، فان إضافة ديون ببضعة عشرات المليارات ستثقل الاقتصاد العراقي بشكل كبير، وإذا ما استمرت أسعار النفط وفق معدلاتها الحالية، فان العراق سيكون عاجزا عن الايفاء بفوائد هذه الديون! مع وجود خطر تجاوز الدين الخارجي العام للمعيار الدولي الخاص بمعدل 60٪ من الناتج المحلي الاجمالي للدولة.
لم يكن مؤتمر الكويت مخصصا لإعادة الإعمار وفق ما استقر عليه هذا المصطلح كما قدمنا، كما انه لم يكن مخصصا مطلقا لإعادة بناء المدن التي دمرتها حرب السنوات الأربعة مع تنظيم الدولة/ داعش (2014 ـ 2017)، فما حصلت عليه هذه المدن كان في إطار توزيع مناطقي/ ديمغرافي شمل العراق ككل باستثناء إقليم كردستان! كان مؤتمر الكويت مجرد إعادة لفكرة قانون «اعمار البنى التحتية والقطاعات الخدمية « التي طرحها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في العام 2009 ورفضها البرلمان حينها! بل أن كثيرا من المشاريع التي طرحت في الكويت كانت ضمن المشاريع التي تضمنها ملحق ذلك القانون! والخلاف الوحيد أن مبدأ الدفع الآجل تحول إلى الاستثمار! ولكن مخرجات المؤتمر، خاصة تحوله إلى مؤتمر دائنين، جعلنا عمليا ندور في فلك الدفع بالآجل مع تغيير المسميات!

٭ كاتب عراقي

مؤتمر الكويت وخرافة إعادة إعمار العراق

يحيى الكبيسي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left