فيليب كولنز في «عندما يهبطون هم إلى الأسفل، نتجهُ نحن نحو الأعلى»: معظم رؤساء أمريكا أشادوا بمن سبقوهم في الرئاسة باستثناء ترامب

سمير ناصيف

Feb 17, 2018

اختار البريطاني فيليب كولنز، كاتب خطب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بين عامي 2004 و2007 موضوعاً مثيراً للجدل لمعالجته في كتاب أصدره مؤخرا بعنوان: «عندما يهبطون هم إلى الأسفل، نتجهُ نحن نحو الأعلى» تناول فيه تأثير فن الخطابة لدى قادة العالم على شعوبهم والدور الذي لعبته أهم الخطب التي ألقاها 25 زعيما ورئيسا لدول مختلفة في القرون السابقة والحالية في دفع مجتمعاتهم نحو الأفضل أو الأسوأ، إما بانتشالهم من حالات يأس كانوا هم فيها باتجاه الديمقراطية والحرية أو بتقديم وعود من الصعب تنفيذها لأهداف ديكتاتورية شخصية. وسنستند في هذه المراجعة إلى ما قاله ثمانية من كبار قادة القرن العشرين في أهم خطبة لكل منهم مع ان الكاتب عَرضَ خطبا لقادة آخرين في حقب وقرون سابقة.
وحسب كولنز فان أهم خطبة للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، كانت في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 وركز فيها على نفخ الأمل في أرواح أبناء المجموعات المهمشة والفقيرة في أمريكا، كونه أول رئيس منتخب من أبناء الأقلية السوداء التي مورس ضدها التمييز العنصري في أمريكا وخارجها وعانت اقتصاديا واجتماعيا أكثر من غيرها.
تركيز أوباما في هذه الخطبة كان على اقناع المستمعين إليه بان كل ما تحقق نتيجة لانتخابه رئيساً والخطوات التي حققها في ولايته الأولى لم يرجع إليه فقط بل ان ذلك التقدم تحقق بفضل دعم الشعب الأمريكي له في محاولته تحسين أوضاعهم وإخراج البلاد من الحروب ونشر الأمل في مستقبل أفضل. كما يشير أوباما في الخطاب إلى أهمية توطيد اللُحمة بين أبناء أمريكا على مختلف عقائدهم وأجناسهم.
ويضيف انه يؤمن بأمريكا منفتحة على العالم ومتعاطفة مع معاناة الآخرين ومتفاعلة مع آمال المهاجرين إلى البلد في تحسين أوضاعهم. وكانت مناسبة الخطبة شكر أوباما للناخبين على التجديد له لولاية ثانية، حيث أكد ان دوافع النجاح أتت من ثقة الشعب في انه سيحقق المزيد من التقدم. واستخدم في هذا المجال عبارة استخدمها قبله الرئيس جون كينيدي حيث قال ان أمريكا لم تكن يوما حول ما يمكن ان تحققه الدولة لنا بل حول ما يمكن ان نحققه لدولتنا معاً.
ويؤكد الكاتب في الصفحة (63) ان رؤساء أمريكا كانوا في أكثر الأحيان يشيدون في خطاباتهم بالرؤساء السابقين حتى ولو كانوا سياسياً من خصومهم. وكان هذا تقليد مورس إلى ان وصل الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى الرئاسة. وينبه في الصفحة ذاتها الرئيس ترامب من خطورة استخدامه الناقد لأوباما للحقوق المعطاة إليه دستورياً باتخاذ القرارات التي في أحيان تتجاوز ما فعله رؤساء أمريكا قبله. وترامب فعل ذلك بالنسبة لقرارات أوباما حول الرعاية الصحية وقضايا الشرق الأوسط.
ويشير المؤلف إلى ان طريقة الإلقاء ونبرة صوت أوباما وقدرته على التحكم في مقاطع خطابه مميزة. كما أنه من الرؤساء القليلين الذين كانوا يكتبون مجمل خطاباتهم بأنفسهم من دون الاتكال على آراء وتعديلات المستشارين.
بالنسبة للرئيس جون كينيدي، فان الخطبة الأهم التي ألقاها حسب كولنز كانت في 20 كانون الثاني (يناير) 1961 في احتفال تنصيبه رئيساً.
أهم ما فيها انه كان يتحدث باسم جيل جديد خصوصاً انه كان في الـ44 من عمره وإلى جانبه الرئيس السابق (آنذاك) دوايت ايزنهاور الذي تخطى السبعين. ومما قاله في مستهل خطابه ان العالم قد تغير الآن وهناك حاجة للتفاعل مع دول وقادة العالم والتلاحم داخلياً، وأنه من دون التوافق الداخلي يصعب تحقيق الأهداف المرجوة ونشر الحرية في أمريكا والعالم. وخاطب كينيدي الدول التي تقرر اعتماد التنافس والعداوة مع أمريكا قائلاً: «من يريد أن يكون عدونا نعلن اننا مستعدون لمحاولة العثور على سبل ووسائل لتحقيق السلام قبل ان تنفلت قوى التدمير، التي خلقها العلم الحديث وتقضي على الإنسانية حتى على سبيل الخطأ، علينا معالجة المشاكل وعلينا ألا نخشى التفاوض حول الشؤون التي تفرقنا». (ص 52).
ويرى كولنز ان أهم خطاب ألقاه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل كان في مجلس العموم البريطاني في 18 حزيران (يونيو) 194 عندما كانت بريطانيا في موقف دفاعي وعلى مشارف الهزيمة العسكرية من الجيش الألماني النازي بقيادة هتلر وفي وقت كان تشرشل يواجه معارضة داخلية قوية يقودها قطبا حزب المحافظين نيفيل تشامبرلين واللورد هاليفاكس اللذان كانا يفضلان التفاوض مع هتلر خشبة قيام ألمانيا بغزو بريطانيا واحتلالها كما فعلت في فرنسا. وكان على تشرشل ان يلقي خطاباً مفعماً بالأمل والصمود ولكن بالواقعية في الوقت عينه. وقد نجح في فعل ذلك بسبب قدرته الخطابية والوقت والدقة في اختيار كلمات خطابه. وكان يحاول تقديم نفسه «وكأنه يتكلم باسم شعبه وليس إلى شعبه». (ص 129). ويطرح المؤلف سؤالا عما إذا كان تشرشل بالفعل مقتنعاً بما قاله في ذلك الخطاب الذي تضمن إشارات إلى أقوال الكاتب البريطاني وليم شكسبير في مسرحياته الشهيرة. كما استخدم وسيلة التخويف بإمكانية انقراض الحضارة المسيحية وزوال نفوذ بريطانيا العظمى في الكومنولث والعالم إذا هزمها هتلر ولم تقاومه.
أما هتلر فأهم خطبه، حسب كولنز، كانت التي ألقاها في 26 أيلول (سبتمبر) 1938 في برلين في إحدى الساحات الرياضية الكبرى قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. وعبّر في هذا الخطاب عن رغبته في السلام مستشهداً بتجاوب بعض زعماء بريطانيا معه واقتناعهم بما قاله وبنياته. وكان هتلر يرى انه يتكلم باسم الشعب الألماني وليس باسمه وحده معتبراً انه هو الدولة ومشيراً إلى ان مشكلته الأساسية كانت مع (معاهدة فرساي) التي وُقعت عام 1918 بعد الحرب العالمية الأولى، وأعطت لجمهورية تشيكوسلوفاكيا أجزاء من ألمانيا عليها ان تعيدها.
كما عبّر عن عدم ثقته في قرارات عصبة الأمم، في جنيف وبالدول التي أنشأتها معاهدة فرساي. كما عبّر عن ان أوروبا الوسطى تم تفتيتها حسب مشيئة حكام الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى. ويعتبرُ كولنز ان هتلر كان أحد أبرز من خطبوا في الجماهير في التاريخ رغم عدم صدق أقواله بسبب قدرته الكاريزمية على التأثير.
ولعل أحد أقسام الكتاب الأكثر مفاجأة كان عرض خطبة القائد الكوبي الراحل فيديل كاسترو أثناء محاكمته من قبل حكومة باتيستا بتهمة إثارة الشغب في البلد قبل نجاح كاسترو في إسقاط نظام باتيستا. وقد تمت المحاكمة في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1953. وكان كاسترو في الـ32 خلال محاكمته وتولى الدفاع عن نفسه عندما ألقى هذا الخطاب الطويل الذي جهزهُ خلال فترة توقيفه قبل المحاكمة.
تميز هذا الخطاب، حسب الكاتب، بالمعرفة الواسعة من جانب كاسترو للفكر والحضارة والشرائح الغربية وعمق اطلاعه على الدستور والقوانين الكوبية. كما لم يكن يتحدث فيه عن الماركسية رغم ايمانه بها، بل عن شؤون مطلبية كوبية يومية للطبقات المسحوقة كمساكن أفضل وتوفير الوظائف ومكافحة الفساد ونشر الخدمات كالكهرباء والماء لأبناء الريف كما شجب غلاء المعيشة والمسكن داعياً إلى إنشاء المساكن الشعبية. واستشهد كاسترو بكبار مفكري وفلاسفة أوروبا والغرب الداعين إلى اصلاح الأوضاع والثورة. وفي نهاية كلمته قال جملته الشهيرة: «لا أخاف السجن. لا أخاف الحكام البائسين المستبدين الذين قتلوا سبعين من رفاقي. احكموا عليّ، اجعلوني مذنبا فإن التاريخ سيعلن براءتي».
وكان جريئا في عرض مواقفه علما انه كان مهدداً بالإعدام، ولكن القاضي خفف الحكم إلى 15 عاما، قضى منها عامين في السجن ثم أُفرج عنه وأكمل ثورته.
واعتبر المؤلف ان من السهل معرفة لماذا بقي كاسترو زعيما لشعبه لهذه الفترة الطويلة (قبل وفاته العام الماضي) بعد دراسة متابعة ما قاله في هذا الخطاب» (ص 356).
واختار كولنز إدراج زعيم الأقلية السوداء الأمريكية والمدافع عن الحقوق المدنية القس مارتن لوثر كينغ مع الزعماء الخطباء الكبار نظراً لأهمية دوره وخطاباته. واعتبر ان خطبته الأهم كانت في تظاهرة «الزحف نحو واشنطن» في 28 آب (أغسطس) 1963. في هذا الخطاب قال كينغ جملته الشهيرة: «لديّ حلم» (I have A Dream). ويقول المؤلف ان معاونيه كانوا قد طلبوا منه عدم إدراج هذه الجملة لاعتبارهم إياها عاطفية أكثر مما يجب ولكنه قرر فعل ذلك بعد تحفيزه من قبل المغنية السوداء الشهيرة ماهاليا جاكسون التي كانت جالسة إلى جانبه عندما ألقى الخطاب. والمقطع الهام في الخطاب هو التالي: «برغم انكم تواجهون صعوبات اليوم وغدا، عودوا إلى منازلكم، الوضع سيتغير. ما زلت أملك حلماً، حلمٌ موجود في جذور الحلم الأمريكي. والحلم هو ان أمريكا ستنهض وتعيش بالفعل حسب معنى هذا الحلم. لدي حلم بأن أولادي الأربعة سيعيشون في دولة لا يحكم الناس فيها عليهم حسب لون بشرتهم بل قيمهم وأخلاقهم». (ص 276).
وقد ضمّ المؤلف الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان إلى هذه المجموعة من كبار الخطباء القادة في العالم حيث أشار إلى خطاب ألقاه قرب البوابة الفاصلة بين برلين الغربية والشرقية في 12 حزيران (يونيو) 1987 دعا فيها ريغان إلى تحطيم هذه البوابة قبل تحطيمها بالفعل بعد ذلك بثلاث سنوات. وركز كولنز على ان ريغان اعتبر تحطيم هذه البوابة يمثل (رمزيا) تحطيم الاتحاد السوفييتي والشيوعية ونجاح الرأسمالية والديمقراطية (في نظر اليمين الأمريكي).
ومع أهمية الكتاب كمرجع والدور الذي لعبه كولنز في عمله ككاتب خطب توني بلير، فلعله كان من المفيد ان ينصح بلير بربط القول بالفعل، فبلير كان من كبار الخطباء ولكن أفعاله عموماً لم تواكب أقواله وخصوصا في الشرق الأوسط. ولعل هذا ما دفع الأجيال الطالعة إلى عدم الثقة في السياسيين الحاليين. كما كان في إمكان المؤلف التطرق إلى خطب أحد أبرز الخطباء القادة في العالم العربي الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إلى جانب القادة الذين اختارهم.

Philip Collins: «When They Go Low, We Go High»
 4th Estate, London 2017
 426 pages.

فيليب كولنز في «عندما يهبطون هم إلى الأسفل، نتجهُ نحن نحو الأعلى»: معظم رؤساء أمريكا أشادوا بمن سبقوهم في الرئاسة باستثناء ترامب

سمير ناصيف

- -

1 COMMENT

  1. يا سمير ناصيف من وجهة نظري هذا اختيار آخر رائع في تقديم ملخص لكتاب يتحدث عن موضوع مهم، ألا وهو أهمية الشفافية (المصداقية المهنية) للكلمة لدى القدوة في دولة الحداثة، فدونالد ترامب يقف ضد كل ما مثلته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية من خلال تقديم مشروع مارشال أوربا وآسيا (ألمانيا واليابان) عام 1945 كأساس للعولمة في تحويل العلاقة بين الدول من الصراع إلى التكامل التجاري كأسرة إنسانية واحدة، بعيدا عن ثقافة الـ أنا أولا ومن بعدي الطوفان لدولة الحداثة البيروقراطية، والتي تسببت بالحرب العالمية الأولى والثانية.
    والفضيحة كان في تكرار نفس المأساة من خلال تأسيس دولة الكيان الصهيوني وفق نفس مبادئ ثقافة الـ أنا أولا ومن بعدي الطوفان لدولة الحداثة البيروقراطية التي ترفض الاعتراف بحدود سايكس وبيكو، والتي وقعت على شهادة ميلادها كل من فرنسا الديغولية وروسيا الستالينية عام 1947، وأتى بينس نائب الرئيس الأمريكي ترامب، في الكنيست أمام نواب دولة الكيان الصهيويني اعترف بأنه أتى ليُصلح خطأ له 70 عام رفضت إصلاحه جميع الإدارات الأمريكية السابقة، فقام في 2017 دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني، فمن هو الذي يعمل على تأجيج الصراع، باعتبار هو أفضل وسيلة لدعم اقتصاد دولة الحداثة؟!
    لأن توفير المال السياسي للأحزاب للفوز في أي انتخابات، هو مدخل الفساد المنظم، تحت غطاء الوطنية في دولة الحداثة البيروقراطية، بغض النظر كانت الديمقراطية/الديكتاتورية، لبنانية/عراقية/إيرانية أو حتى من دولة الكيان الصهيوني/فرنسا/روسيا/أمريكا، حيث أثبت دونالد ترامب الأذكى في ذلك.
    في فترة الحصار للعراق ما بين 1991 و2003 تم تدمير مفهوم البنك المركزي في دولة الحداثة، ونشأ محلّه مفهوم البطاقة التموينية من خلال تفاهم النفط مقابل الغذاء مع الأمم المتحدة، التي وزارة التجارة مسؤولة عليه من عام 1990 وحتى الآن، هذه البطاقة يمكن استغلال مؤتمر إعمار العراق في الكويت عام 2018 لتكون حجر الأساس لإحياء الاقتصاد في المنطقة كلها، وذلك بربط البطاقة التموينية بالمنتج المحلي (زراعي، صناعي، خدمي) في تلك الحالة ستخلق قطاع خاص حقيقيا لو استغللنا مفهوم التدوين، بعد إعادة النظر في عقلية الجباية وابدالها بعقلية الخدمات التي تُعيد صياغة مفهوم الضريبة والرسوم الحالي في دولنا، لتسجيل كل كيان اقتصادي تستطيع أي دولة الاعتماد عليه.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left