العرض المسرحي الراقص «أحمس»: استجداء التاريخ كدعاية للنظام السياسي

محمد عبد الرحيم

Feb 17, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: ربما أدرك فريق عمل العرض الدرامي الراقص «أحمس»، الذي قدمته مؤخراً فرقة (الرقص المسرحي الحديث المصري) على مسرح الجمهورية في القاهرة، معنى اللحظة الراهنة، ومدى وجوب أن يقدم الفنان من خلال فنه عملاً هادفاً يسعى لتحرير الوعي، وأن يتواصل ويتماس مع القضايا الراهنة التي تمر بها البلاد، ويضيع في رَكبها العباد، هكذا يكون واجب الفنان تجاه وطنه وأرضه التي علمته من جهل وآمنته من خوف. هذه المقدمة الإنشائية تليق بهذا العمل الفني، دون أن تستطيع الوصول إلى مستواه في الخطابة والإنشاء، وبالتالي بلاغة ستينيات القرن الفائت، خاصة وقد تم اللعب بشكل دعائي ــ اعتقد صانعوه أنه غير مباشر ــ لتوجهات النظام السياسي القائم، فخرج العرض عن كونه عملاً فنياً يستلهم حدثاً تاريخياً له دلالة عميقة في الفكر المصري، إلى بوق دعاية يسير في ركب الأبواق الإعلامية الحالية. ذلك رغم ما توافر للعرض من سبل كثيرة للنجاح، فهو من العروض القليلة في الآونة الأخيرة التي نلحظ مدى ما تميزت به من الإنفاق المادي، خاصة في ما يتعلق بالديكور والإضاءة، إضافة إلى فرقة الرقص المصري الحديث، والتي ربما تورط راقصوها رغماً عنهم في تقديم مثل هذا العرض، الذي شاركهم فيه ممثلون حاولوا تقديم دراما مسرحية ملفقة لحدث تاريخي وشخصية تاريخية تحولت لخدمة فئة بعينها، بعيداً عن كونها شخصية لها مكانتها في نفوس كل المصريين.

الحكاية وتلفيقاتها

يبدأ العرض بممثل يجلس في الجانب الأيمن من خشبة المسرح، يرتدي الزي الفرعوني، وهو ما يُشبه الكاتب المصري القديم، ويحمل كتابا ضخماً حيث يحكي لمجموعة متباينة من الأطفال في ملابس عصرية حديثة عن بطولة أحد الحكام المصريين، الذين حرروا الأرض المصرية من الغزاة. وهكذا يبدأ عرض الحكاية ما بين أداء تمثيلي أشبه برواية الخطب التوعوية، وأداء تعبيري لفرقة الرقص المصري الحديث. فمن وجود الهكسوس إلى محاربتهم من خلال سقنن رع وكاموس ثم أحمس، مع بعض تلفيقات درامية للحكاية لا تمت إليها بصلة. الأمر لا يرتبط بعملية تأويل للتاريخ مثلاً، أو ابتكار خطوط درامية تخدم العمل الفني ــ الفن ليس تاريخاً ــ بل اختلاف حكايات وتفاصيل باهتة بأن تقع ابنة حاكم الهكسوس في حُب أحمس، الذي زار المكان المحتل متنكراً في صورة أحد التجار ليجمع الرجال، ويعود بهم إلى النوبة مكان تدريب الجيش المصري وقتها استعداداً للمعركة الفاصلة، المهم، تقع الفتاة في حب البطل المحارب، ثم وبعد النصر يقايض أباها حاكم الهكسوس المهزوم ببعض الأسرى المصريين، لتنال ابنته حريتها. وتنتهي الحكاية بانتصار أحمس وجيشه على الهكسوس الهمج أهل الصحراء.

إلى أهل الشر

بما أن العمل يتماس مع التاريخي وبالتالي السياسي، خاصة وهو إسقاط فج ومباشر أشبه بتراث الستينيات في أكثر صوره رداءة ــ حاجة على السريع كده لإرضاء النظام الحاكم ــ فكان لزاماً التعرض للحظة الراهنة وسياقها الذي تم من خلاله تقديم العمل الموسوم بكونه فنياً. فما المتشابه والمشترك بين أهل الصحراء وأهل الشر ــ أهل الشر مصطلح متداول الآن في مصر ــ ففي اعتقاد ومفهوم المصري القديم أن (الشيطان) يسكن دوماً الأماكن الخربة، والمتمثلة في الصحراء بالأساس، فكانت الزراعة بالنسبه إليه ليست مهنة وحرفة فقط، بل واجب مقدس، فتحويل ولو جزء صغير من الصحراء إلى أرض زراعية، هو بمثابة محاربة الشيطان وتضييق الخناق على وجوده، فهو يحيا في اللون الأصفر، ولا يستطيع احتمال هذا التحول إلى اللون الأخضر. هكذا كان يعتقد المصري القديم، أما الآن وبما أنه لا توجد زراعة بالأساس في مصر، فالأمر أصبح تقليداً وتولهاً بالصحراء وأهلها، بداية من التبرّك بكل ما هو صحراوي، وصولاً إلى الطواف حوله. فأي عدو تبحثون عنه يمكن أن يوصف بأنه من أهل الصحراء، هؤلاء الذين عاثوا فساداً حتى شوّهوا الشخصية المصرية كما لم يحدث من قبل، وفي حلقات وسلاسل تاريخية طويلة لم يفقد المصري هويته ــ بخلاف فقدانه لأرضه ولصالح أهل الصحراء أيضاً ــ كما يحدث الآن. أما أهل الشر، سواء كانوا إرهابيين أو غير ذلك ــ من الممكن أن يصبحوا معارضين ــ فهم أيضاً يدخلون أفواجاً في زمرة الأعداء المتربصين، لكنهم من أهل الوادي هذه المرّة!

«أحمس»

هناك العديد من الأسئلة التي تثار حول ما شاهدناه أو ما يطلق عليه عرضاً مسرحياً، توخى شكلاً فنياً يبتغي الكمال، لكنه انتهى بكونه عرضاً من عروض انتصارات أكتوبر/تشرين الأول التي كانت تقدّم أيام مبارك المخلوع، كالتغني بانتصارات الماضي، العسكرية منها بالأساس، وأن يتبادل الممثلون الرسميون ــ المعتمدين لدى النظام والمرضي عنهم ــ الملابس التاريخية، فرعونية مملوكية عثمانية أزهرية ــ أي حاجة تنتهي بـ (ية) ــ ويسردون الخطب الطوال ليبتسم الرئيس ويصفق في النهاية، متوهماً لحظات أنه أحد أحفاد هؤلاء المناضلين.
وبما أن النظام الحالي يوحي عن بُعد، فمُعد النص ومخرجه قد اجتهدا قدر المستطاع وفي سرعة من أمرهم أو ممن أمرهم بإنجاز العمل التوجيهي المعنوي، فيصبح حاكم الهكسوس هو رمز الشر في كل وقت، وأنه لن يترك مصر وسيأتي في صور عدة على مر العصور، وصولاً إلى الإرهاب والأشرار وما شابه على شاكلة الأفلام الأمريكية الرخيصة، ليحذر القائد المصري أحمس، الذي بدوره يطمئن الجميع بأن أشباهه لن ينتهوا من على أرض مصر، فالمحارب المصري دائماً بالمرصاد لهؤلاء الأشرار على مر الزمان ــ حاجة كده أشبه بمستر إكس الذي لن يموت كما جاء بفيلم فؤاد المهندس رحمه الله ــ وهل يقف الأمر عند هذا الحد؟ أبداً، بل يصعد الأطفال في النهاية ــ المتحلقون حول الكاتب المصري في صورته المبتذلة ــ ويعرّفون أنفسهم، فهذا ابن الشهيد كذا، وهذه ابنة الشهيد كذا، دون نسيان ابن أحد الشهداء كذا وهو مسيحي، لازم طبعاً حفاظاً على روح الوحدة الوطنية التائهة. دون نسيان كلمة الملكة الأم ــ تجسد دورها الفنانة سميرة عبد العزيز ــ التي توصي الأجيال الجديدة في مصر، التي يتربص بها الجميع طول الوقت ــ هكذا تحولت وأصبحت حكاية (أحمس) في عرف هؤلاء، لتصبح كلمة السر أو الرد على ما يُسمى عملاً فنياً مدعوم إعلامياً بشكل مُستغرب ــ المسرح يكاد يكون كامل العدد ــ هو «أحمس».
العرض أداء.. عمرو البطريق، محمد سيد، محمد عبد العزيز، باهر أمجد، رشا الوكيل، إيمان رزيق، والممثلون.. سميرة عبد العزيز، كمال عطية، يحيى محمود، حمزة العيلي، وعبد الله سعد. ديكور أحمد زايد، إضاءة ياسر شعلان، صوت محمود عبد اللطيف، ملابس هالة محود، أكسسوار فهمي نجيب. العرض دراماتورج مصطفى سليم، وتصميم وإخراج محمود لطفي.

العرض المسرحي الراقص «أحمس»: استجداء التاريخ كدعاية للنظام السياسي

محمد عبد الرحيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left