المصادر الإسلامية في قصيدة دانتي

بسبب التواصل مع الاندلس وصقلية عربية الثقافة:

عبد الواحد لؤلؤة

Feb 17, 2018

تروي سردية «الإسراء» حكاية الرحلة الليلية التي قام بها الرسول محمد (ص) من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف. كما تروي سردية «المعراج» صعوده (ص) إلى السماوات السبع. يعتقد المسلمون أن الإسراء والمعراج قد حدثا بالروح فقط، أو بالروح والجسد، حسبما تروي الصيغ المختلفة من السرديتين. وقد نشأت هاتان السرديتان وما تطور عنهما في خيال المسلمين من آيات بعينها في القرآن الكريم، ومن عدد من الأحاديث النبوية الشريفة، كما يرويها أكثر من عشرين محدِّثاً ومن علماء الدين، بدءاً من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي. نجد الإشارة إلى الإسراء في الآية الأولى من «سورة الإسراء» كما نجد الإشارة إلى المعراج في الآية الثامنة من «سورة النجم».
ونجد عند المفسرين وعلماء الحديث، وبخاصة البخاري (194 ـ 256هـ/810 ـ 869م) ومُسلم (206 ـ 261هـ/821 ـ 875م) الأسس التي قامت عليها مختلف صيغ السرديتين ثم تطورت. وربما كان ابن كثير (ت 774هـ/1372م) في «تفسير القرآن العظيم» قد قدّم أوصافاً للسرديتين أكثر شمولاً.
تنتهي الروايات المختلفة عن الإسراء إلى القول إن الرسول (ص) قد ذهب إلى المسجد الأقصى في القدس وعاد إلى مكة بليلة واحدة، وبلغ قومه قبل الفجر. وقد شكّك في القصة نفرٌ من أتباعه الأولين، ونفرٌ من قريش. وليس بين الصحابة والمفسرين إجماع حول كيفية حدوث الإسراء والمعراج. أهو بالجسد أو بالروح أو بكليهما معاً. لكن الجميع يتفقون أن الحدثين معجزة إلهية: «لنُريَه من آياتنا». وفي رواية المعراج تفصيلات أكثر مما في رواية الإسراء. إذ يأخذ جبريل بيد محمد (ص) من مسجد بيت المقدس ويصعد به درجات السلّم السماوي بدءاً من السماء الأولى فالثانية حتى يبلغان السماء السابعة وفوقها سِدرة المنتهى وعرش ذي الجلال. وفي كل سماء يقابل محمد (ص) أحد الأنبياء ويتحدث معه. وينظر الرسول إلى جانب من الجحيم فيرى صنوفاً من المجرمين يقاسون صنوفاً من العذاب جراء ما عملوا في الحياة الدنيا.
كانت أوروبا في القرون الوسطى على معرفة طيبة بعلوم المسلمين وثقافتهم عن طُرق تواصل شتى، أهمها التواصل مع الأندلس المسلمة، وصقليا عربية الثقافة. كان الفونسو العاشر الحكيم ملك قشتالة وليون (1252 ـ 84) قد أسس مدرسة للترجمة على غرار «بيت الحكمة» للخليفة المأمون العباسي، وجمع فيها أفضل علماء عصره من الاسبان، في اللغات والأديان والفلسفة. وكان يترجم الكتب العربية إلى اللاتينية والاسبانية القشتالية والفرنسية. وكان برونيتو لاتيني سفيراً لفلورنسا (بلد شاعر ايطاليا الأكبر دانتي اليكييري لدى بلاط الفونسو العاشر ملك قشتالة، عام 1260. ولا يعقل أن عالماً وأديباً مثل برونيتو لم يكن مطّلعاً على أنشطة مدرسة الترجمة القشتالية. وبوصفه فلورنسياً مثل دانتي الذي كان يعدّه معلماً له، لا شك أنه حمل ترجمة لاتينية من قصة الأسراء والمعراج، كما تبيّن لاحقاً من نسخة تعود إلى ذلك التاريخ محفوظة في «المكتبة الرسولية» برقم 4072 في حاضرة الفاتيكان. ولا ندري على وجه اليقين إن كان دانتي قد قرأ تلك النسخة المترجمة، أم أنه استمع إلى شروح استاذه برونيتو لاتيني.
ولكن تضاريس مناطق الجحيم، علاوة على صورة المرابع السماوية في الروايات الإسلامية وفي «الكوميديا الإلهية» تتشابه إلى حد كبير، وفي أحيان كثيرة قد تكون متناظرة. ففي الروايات الإسلامية، يرى الرسول (ص) صورَ الجحيم من موقعه في السماء الثالثة، ويرى الخطاة على قدر خطاياهم. ونرى مثل ذلك عند دانتي. وفي الحالتين تقع الجحيم في أعماق الأرض تحت بيت المقدس. وصورة الجحيم مثل قمع مقلوب، وفي انحدار من أعلى إلى أدنى. وللجحيم في الحالين سبعة أبواب، والسماوات سبع في الحالتين. وفي الجنة في التراث الإسلامي أربعة أنهر (14، سطر 94 وما بعدها). وكلمة «كوميديا» في الايطالية القروسطية تعني «قصة جدِّية في لغة عامية» والايطالية يومها كانت تسمى عامية اللاتينية. وفي عام 1866 نشر الباحث الألماني جارلس هـ. شير كتاباً حول المعارف العربية الإسلامية وتعليقات على «الكوميديا الإلهية» تؤكد على معرفة دانتي بها وباللغات السامية، مما أثار الباحثين. وفي عام 1925 نشر الفرنسي إدغار بلوشيه كتابا بالفرنسية بعنوان «المصادر المشرقية في الكوميديا الإلهية» وفي عام 1919 تقدم الباحث الاسباني الكاثوليكي ميغيل آسين ـ بلاثيوس (1871 ـ 1944) بخطاب ترشيحه إلى الأكاديمية الملكية الاسبانية، يعرض شكوكاً مقلقة حول تشابهات بين «الكوميديا الإلهية» وبين الروايتين الإسلاميتين عن الإسراء والمعراج، ثم نشر كتابا بالاسبانية بعنوان «المعراج الإسلامي في الكوميديا الإلهية» يذكر فيه الكثير من التشابهات في الشخصيات والمشاهد «هي من الكثرة بحيث لا يمكن أن تكون عَرَضية». وقد صدر الكتاب عام 1919 ولم يكن لدى المؤلف دليل يدعم أطروحته، وقد ظهر الدليل بعد وفاته عام 1944.
يورد آسين بلاثيوس عدداً كبيراً من أمثلة التشابه، بل التطابق، بين الأوصاف في «الكوميديا» وفي السرديات الإسلامية. ففي الحالين يكون الراوية واحداً، الرسول (ص) نفسه، ودانتي. وتبدأ كل من الروايتين في الليل، والدليل في الحالتين هو نفسه: جبريل (وميخائيل) وفرجيل (وبياتريجه). وكل من العملين يقصد بلوغ العرش الإلهي. ويبدأ الصعود في الحالين من بيت المقدس. وعندما اقترب الرسول (ص) من الجحيم حذره جبريل من الإقتراب، إذ كان يُسمع صوت المعذَّبين من الرجال والنساء، من المرابين والزناة. ودانتي يسمع أصواتاً مشابهة من صراخ المعَذَّبين:
«عَصفةُ الجحيم
التي لا يهدأ لها أوار
تسوق الأرواح أمامها في هجمة اندفاعها،
وترهقها بصفع دائم وزئير». (الجحيم،5،31 ـ 3)
وفي الرواية الإسلامية ثمة مشاهد الكفّار والمرابين واللصوص ـ يعذبون بالأفاعي والوحوش الضارية. مثل ذلك في الجحيم، 14، حيث يُعَذّب اللصوص:
«أكداس من الأفاعي، كثيرة الأنواع، مُريعة…
حيث في وسط هذا التراكم القاسي الكريه
من الوحوش يتراكض عُراةٌ مرتعبين (الجحيم 14، سطر 83 وما بعدها)
وفي الفردوس، نجد عند دانتي النبرة المثالية العالية في أوصاف جمال الجنة (الفردوس، 7، 4 ـ 9). وفي عدد من صيغ المعراج توصف الأفلاك السبعة بألوان وأنوار مذهلة، مع تسابيح لله، أخذها دانتي وأضفى عليها تطويراً كنسياً من الموسيقى والترانيم القروسطية.
والإشارة على السرعة في الحركة ميزة في العملين. ففي المعراج يخبرنا الرسول (ص) عن سرعة نمو وارتفاع تلك الشجرة العجيبة وما تحمله من وَكرَي الطير، التي حملته مع جبريل على السماء الدنيا مثل سهم ينطلق من قوس. ومثل ذلك نجده في صعود دانتي وبياتريجه إلى فلك عطارد. عندما خرج دانتي من «المَطهَر» في طريقه إلى السماوات العُلى، كان عليه أن يتطهّر في ثلاثة مياه مختلفة، وهو ما يشبه الأنهار الثلاثة في المعراج.
ان التشابهات بين العملين هي من الكثرة بحيث لا يمكن حصرها في مقال محدود. أما أن يستوحي شاعر كاثوليكي قروسطي مصادر إسلامية في تأليف أهم قصائد العصر الوسيط فهي مسألة تستدعي مزيداً من البحث. ومع أن دانتي لم يظهر احتراماً أو تعاطفا للإسلام في قصيدته، فذلك لأنه كان ابن عصره وثقافته. وفي الوقت نفسه فهو لم يبدِ احتراماً ولا تعاطفاً مع بعض البابوات من كنيسته نفسها. وإذا كانت هذه الكشوف قد صدَّت بعض الباحثين اللاحقين عن القصيدة فذلك مما لا يستحق سوى الإهمال.

المصادر الإسلامية في قصيدة دانتي
بسبب التواصل مع الاندلس وصقلية عربية الثقافة:
عبد الواحد لؤلؤة
- -

5 تعليقات

  1. وماذا عن رسالة الغفران للمعري الذي اغتبص منها دانتي عمله (الجحيم)

  2. وماذا عن رسالة الغفران اللمعري الذي اغتصب منها دانتي عمله الجحيم

  3. شكرًا على التوضيح أناس افتخروا بماليس لهم لان ملاكه ناموا

  4. شكرًا على الايضاح أناس استفادوا وأفادوا وأناس ناموا وناموا وازدادوا نوما !!!؟

  5. السيّدان: محمود و عبد الخالق: لايوجد أي دليل على أن كتاب المعرّي ” رسالة الغفران” قد ترجم الى اللاتينية أو أيّة لغة أخرى في عهد وليس ” دانتي” كما شاع خطأً. ولكن ظهر عام 1945، بعد وفاة الباحث الأسباني الكاثوليكي الكبير الذي فجّر الجدل حول التشابهات الكبرى بين المصادر الأسلامية وبين ” الكوميديا الالهية”…مخطوطة باللاتينية هي ترجمة قصة الاسراء والمعراج باشارة أن الترجمة كانت بأمر من ملك قشتالة. وجدَت المخطوطة في المكتبة الرسولية في الفاتيكان، ويُعتَقَدُ أن أستاذ وسفير فلورنسا الى بلاط الملك القشتالي هو الذي حمل المخطوطة الى ايطاليا. يتّضح من هذا أن الكاتبين قد استندا الى قصة الاسراء والمعراج مِهاداً للعملين وهنا ينتهي التشابه في عملين مختلفين جدّاً .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left