حرية «الخلوة الإلكترونية» حين تصبح وسيلة لاستقطاب الشباب نحو التطرف والفضائح الأخلاقية

وجدان الربيعي

Feb 17, 2018

يتردد كثيرا هذه الأيام الحديث عن مخاطر ما يصطلح على تسميتها «الخلوة الإلكترونية» باعتبارها وسيلة لاستقطاب الشباب العربي نحو التطرف ونحو الشهوات الجنسية المراد منها استغلال الشباب من خلال تهديدهم بإفشاء أمور وأسرار شخصية من صور وفيديوهات تحول الشاب إلى ضحية لمافيات خطيرة تدخل البيوت من خلال الأجهزة الإلكترونية ومواقع التواصل التي تطورت بدرجة سريعة سمحت في انتشار الكثير من الجرائم الأخلاقية والمالية والسياسية. فهذه الوسائل تتيح التواصل مع الآخرين من خلال التسجيل باسماء مستعارة يصعب على الشاب أو الشابة من خلالها معرفة مصدر الاتصال وحقيقة العصابات الإلكترونية التي تحاول ايقاع أكبر عدد ممكن من المستخدمين الذين يبحثون عن الجديد والمختلف أو يجدون في الخلوة الإلكترونية فرصة للهرب من واقع صعب يعيشه الشاب فيصبح فريسة سهلة لكل أشكال الاستغلال والجريمة.
لا يمر يوم إلا وتتناقل الصحف ووسائل الإعلام قصصا عن جرائم الكترونية ولعل من أبرزها الجرائم الجنسية مع الأطفال أو مع القصر أو مع المرضى الذين يعانون من قصور عقلي، هناك من يجذب الضحية لتصويرها في أوضاع مخلة بالشرف أو جلب الضحية إلى مكان للتعارف ومنها تحدث جرائم الاغتصاب والاختفاء والقتل. كما واستخدمت هذه الوسائل لاستهداف الشباب وتشجيعهم للانضمام إلى حركات متطرفة من خلال التأثير على مشاعرهم وجهلهم بأمور دينهم الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر. ويرى بعض المختصين ان تطور التكنولوجيا جاء لخدمة المجتمعات وليس لإستخدامها بطرق سلبية، لكن ما يحدث اليوم هو العكس، فعلى الرغم من ايجابيات مواقع التواصل الاجتماعي إلا انها في الكثير من الأحيان جرى استخدامها بطرق أدت إلى دمار على المستوى النفسي والتحصيل العلمي وانهيار العلاقات الاجتماعية التي كانت في يوم من الأيام مقدسة لدينا.
وقد حذر رجال دين من الخلوة الإلكترونية وظهرت العديد من المبادرات التي تنادي بالعفة الإلكترونية، ركزت على أهمية زيادة الوعي والتذكير بمعاني العفة عند الشاب والفتاة في ظل التواصل الإلكتروني المفتوح بين الجنسين.
فكيف استخدمت وسائل التواصل لاستقطاب الشباب بأسرع الطرق التكنولوجية الحديثة إلى طريق التطرف والاستغلال الجنسي والابتزاز الأخلاقي؟ وكيف سرع تطور التكنولوجيا من سهولة استخدام الخلوة الإلكترونية لتصل إلى أكبر عدد من الناس؟

خراب البيوت

د.سعيد إبراهيم دويكات محاضر مختص في أصول الدين في كلية الشريعة وكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية في بنابلس قال لـ«القدس العربي»:
«إن الخلوة الإلكترونية محرمة بما يتم تبادله من حديث أو أفلام أو صور أو مقاطع فيديو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بين الذكور والإناث بصورة غير مشروعة أو محرمة، وهذه الخلوة خطيرة جدا وهي أخطر من الخلوة بين الرجل والمرأة في الحقيقة لان المرونة فيها أكبر وامكانية فعل ما يريدون أو ما يشتهون أكبر وهي بدون حسيب ولا رقيب وبالتالي ما يدور عبر هذه الشبكات الالكترونية سريعا ما يتحول إلى واقع على الأرض. ما يجري من كلام أو تبادل فيدوهات وصور شخصية مبتذلة سريعا ما يتحول إلى واقع ثم يكون بعده دمار وخسائر.
أما عن أسباب هذه الظاهرة ودوافعها فيضيف د.دويكات قائلا: أحيانا يكون رغبة في التجريب أو محاولة لإثبات الذات أو ربما محاولة التعويض عن فشل في الحياة أو في المهنة أو التقليد وأحيانا الانتقام.
الخطورة في ذلك ان يكون هناك بعض الأشخاص يعملون ويشتغلون عبر الشبكات العنكبوتية للإيقاع بالشباب والفتيات ومن ثم ابتزازهم بالصور ومقاطع الفيديو لتحقيق مآرب سيئة تؤدي إلى ايقــاع العديد من الضحايا واستغلالهم جنسيا وماليا ما يؤدي إلى الفضيحة فيقوم الضحية بالانصياع أو الانتحار.
وأوضح ان الأمر قد يكون أقل سوءا بالنسبة للشاب الذي يقوم بالخلوة الشرعية لأنه لم يمارس الحياة الزوجية ويبحث عن الشهوة محاولا ان يدخل في تجربة حب لكن ان يكون بين رجل وامرأة متزوجين فهذا أمر أخطر.
وان اللافت في الموضوع والمسيء أكثر هو ان يكون الكلام منتشرا بين الأزواج خاصة من لديهم أسر ثم يبحث كل واحد منهما عن شريك آخر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، هذه خيانة ما بعدها خيانة بدل ان تكون الأمهات والآباء قدوة لأبنائهم والمثل الأعلى النموذجي، يصير الأب خائنا لزوجته ولأطفاله وكذلك الزوجة. هذا غير مقبول لا أخلاقا ولا عرفا ولا منطقا ونتيجته خسارة كبيرة جدا وفيها دمار للبيوت وبالتالي تحصل الفضائح من أجل الغريزة الشهوانية.
ويرى دويكات ضرورة ان يعيد الشباب وكل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي النظر في كل هذه الأمور وان الأصل ان نرتقي وندخل البيوت من أبوابها.
ويضرب مثلا بالقول: «لو حدث وانت تكتب لأصحابك عبر الماسنجر مثلا وظهر عندك إشعار يقول ان كل الكلام الذي تكتبته والصور التي ترسلها مراقبة ومرصودة ومتابعة لدينا ما الذي يحدث لك؟ ستموت من الخوف وترتبك وتقوم بقفل حساباتك الالكترونية».
لذلك على الشاب الانتباه وان لا يضيع نفسه ولا يجعل الآخرين يأخذون مماسك عليه لا بصور ولا بفيديوهات فنهايتها فضائح وكوارث.

أساليب الاستقطاب

وفي حديث لـ«القدس العربي» حول تطور التكنولوجيا السريع والذي أتاح للمستخدمين سهولة استخدام ما يعرف بـ«الخلوة الإلكترونية» عبر مواقع التواصل الاجتماعي قال د.محمد بهجة المحاضر المختص في علوم الكمبيوتر والتكنولوجيا المعلوماتية في جامعة بدفورتشير البريطانية: «مع بروز قنوات التواصل الاجتماعي وانتشارها الواسع أصبح استخدامها جزءا لا يتجزأ من نشاطاتنا اليومية. وقد برزت بعض الظواهر الاجتماعية الخطيرة كالخلوة الإلكترونية سيما بين فئات الشباب والمراهقين، الأمر الذي أدى إلى ظهور سلوكيات منافية للقيم والأخلاق التي اعتادت عليها مجتمعاتنا العربية، فهي تغيب عنها الرقابة الأسرية والرسمية وتسمح بخلق بيئات خصبة لأجندات سياسية وايديولوجية متطرفة في غالب الأحيان بين أوساط الشباب وذلك لبث وزرع أفكار متطرفة بينهم حيث يتحولون إلى ضحايا نتيجة هذا الاستقطاب».
وتابع: «غريزة الفضول والاستكشاف لدى فئة الشباب تتسبب في جعلهم عرضة للسقوط في فخ التطرف وتقبل الأفكار الغريبة، وقد زاد الأمر سوءا ظهور شبكة الويب العميق أو ما يعرف بالانترنت المظلم «الدارك ويب» الذي يسمح لأي جهة محظورة أن تتحرك بسهولة وبدون أي قيود والوصول إلى أكبر عدد من المستخدمين ممن هم عرضة للاستقطاب والتجنيد الإلكتروني».
وحذر بهجة من خطورة الخلوة الإلكترونية التي تقترب جدا من أبنائنا حسب وصفه مضيفا: بدأنا نشهد عواقب ذلك في تنامي سلوكيات غريبة عند الشباب، وفي اعتقادي رغم خطورة الموقف إلا ان هناك وسائل من شأنها ان تقلل وتحد من هذه الظاهرة وذلك عبر التوعية الأسرية والمجتمعية وعبر سن قواعد وقوانين معتمدة على دراسات معمقة للحد من تحرك الجماعات المتطرفة أو العصابات التي تستغل الشباب لأغراض مادية وغير أخلاقية كالمتاجرة بالجنس والمخدرات والتي ساهمت الخلوة الإلكترونية في انتشارها بشكل سريع وخطير.
مشيرا إلى ان هذه الاستخدامات وجدت في الأصل لحل مشاكل للمستخدم ولخدمة المجتمع لكن تم استغلالها بطريقة سلبية وللأسف هناك عالم قد لا يعرفه الكثير من المشاهدين يسمى «الانترنت المظلم» لا يعلم به الا المختصون. وحسب آخر الأبحاث فان 10 في المئة من الانترنت الذي نستخدمه هو جيد، ولكن هناك حوالي 90 في المئة من مساحته لا يعرفه المستخدمون ويسمى الانترنت المظلم تتم من خلاله الجرائم الالكترونية وليس هناك من رقيب عليه ونشهد تسارعا في الجرائم الالكترونية والقرصنة والتي من آثارها السلبية تقطيع العلاقات الأسرية والتطبع بطباع جديدة وخمول العقل إذا ما قنن استخدامها وإذا ما استخدمت بشكل موجه وتم الاعتماد المفرط عليها خاصة للطلبة في الجامعات والمدارس.
وبخصوص الردع ومتابعة عصابات استقطاب الشباب والجريمة الإلكترونية أوضح بهجة ان هناك علما «أمن الفضاء» الذي توصل إلى درجات عالية من الدقة يمكن من خلاله تحديد وتطويق هذه الجرائم ومتابعة المجرمين ولكن تحتاج إلى امكانيات عالية وإلى متخصصين لانه علم معقد جدا ويستخدم حاليا في بعض الدول لمراقبة هذه الجرائم.

الأطفال والمراهقون أكثر الفئات استهدافا

ويقول د.حسنين الطيار الطبيب الاستشاري في الطب النفسي الجنائي في اكسفورد في بريطانيا الذي تحدث عن التأثيرات النفسية وسهولة الايقاع بالضحايا من خلال الخلوة الإلكترونية لـ«القدس العربي»: «الضحية الأكبر هم الأطفال والمراهقون الذين يكون اصطيادهم من خلال هذه الاستخدامات سهلا بسبب فضولهم للتعرف على ما هو جديد وسهولة اقناعهم بسبب مشاعرهم المرهفة وقلة تجاربهم في الحياة».
ويضيف انه الصعب السيطرة على المراهقين وان الاعتقاد السائد عند الآباء ان هذه الأجهزة قد تنمي القدرات الذهنية للطفل لكنها يجب ان تكون ضمن حدود وتوضع رقابة عليها مثل تحديد وقت معين وساعة في اليوم تكفي للطفل.
ويحذر د.الطيار من مغبة الإفراط في استخدام الخلوة الإلكترونية التي سرعان ما قد تتحول إلى نقمة على الأطفال وتحولهم إلى ضحايا يتم ابتزازها بالمال والفضيحة ونشر الصور ان لم يطيعوا من يتواصلون معهم من مجرمين يدخلون إلى هذه المواقع بأسماء وهمية تهدف إلى اصطياد الضحايا من الأطفال والمراهقين وحتى الكبار من النساء والرجال. وهناك الكثير من القصص المؤثرة التي انتهت بالإنتحار والتعرض لأمراض نفسية كبيرة كالكآبة والقلق والتوتر والإنحراف والتطرف وضياع مستقبل آلاف الشباب.

حرية «الخلوة الإلكترونية» حين تصبح وسيلة لاستقطاب الشباب نحو التطرف والفضائح الأخلاقية

وجدان الربيعي

- -

1 COMMENT

  1. كما كتبت سابقا، عندنا في المنزل لا يوجد حواسيب في غرف ابنائنا. هناك حواسيب للجميع في الصالون للجميع،
    و على عينك يا تاجر، و هكذا نراقب عن كثب ماذا يفعل الابناء .. و نسألهم باهتمام إن راينا شبئا غير عادي.
    .
    كذلك يمنع الخلوة بالسمارتفون لوقت طويل في غرفهم. لهم الحرية لوقت معين .. لكن ليس وقتا كبيرا ..
    .
    و هم الآن صاروا يفهمون لماذا، و إن رأوا شيئا غير عادي، يخبروننا به.
    .
    أول حاسوب لبنتي الطالبة الجامعية، اشترته من مالها الخاص بعد أن اجتازت الباكالوريا.
    .
    المشكل هنا هو تحمل بعض ضغوطات مجتمع الاستهلاك، و انتقتدات .. لكن في سبيل صحة ابنائي، كل شيئ يهون.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left