حرب الأجواء السورية: وقف إطلاق نار مؤقت بين إيران وإسرائيل ولا مواجهة طالما بقيت روسيا مسيطرة

إبراهيم درويش

Feb 17, 2018

لم تستمر المعركة سوى ست ساعات ولو طالت أكثر من هذا لأدخلت المنطقة في حرب شاملة مضيفة إلى المزيج المتفجر في الحرب الأهلية السورية مكونا جديدا وهو إسرائيل ضد إيران إضافة للمكونات الأخرى بين تركيا والأكراد وروسيا والولايات المتحدة والنظام الحاكم ضد المعارضة. وفي داخل كل مكون من هذه المكونات لاعبون وجماعات وكيلة تجعل من التسوية السلمية أمرا بعيد المنال في الوقت الحالي ومن الخطأ أو التمادي به مدعاة لحرب أوسع. ففرص التصعيد قائمة خاصة أن الروس والأمريكيين لديهم قوات على الأرض بالإضافة لتركيا وإيران وميليشياتها المتعددة إلا أن دخول إسرائيل وبشكل واضح في اللعبة السورية كان واضحا في الساعات الأولى من 10 شباط (فبراير) عندما ردت على دخول طائرة إيرانية بدون طيار المجال الجوي وردها الانتقامي بضرب قاعدة التيفور أو الطياس الجوية التي انطلقت منها الطائرة داخل العمق السوري. وتم ضرب واحدة من الطائرات المهاجمة بصاروخ سوري مضاد للطائرات حيث تحطمت المقاتلة داخل إسرائيل. وكان سقوطها الذي يعتبر الأول بالنسبة لإسرائيل منذ غزو لبنان في عام 1982 كافيا لهجمات انتقامية أوسع وشملت بطاريات دفاع جوي سورية وأهدافا إيرانية على التراب السوري.
وبحلول المساء انتهى كل شيء حيث كان طرف يلعق جراحه وتوقف عن التصعيد بعد رسالة تصالحية مررها الروس لإسرائيل والسوريين. وهناك سبب آخر لعدم المضي قدما في حرب دموية جديدة هي أن هذه الأطراف لا تريد المواجهة في الوقت الحالي. فنظام الأسد منشغل بتعزيز مكتسباته وسيطرته على سوريا أو ما تبقى له منها وإيران تريد وقتا أطول لكي تقيم وجودها العسكري الدائم على الأرض السورية.
فيما تريد إسرائيل تحديد هذا الوجود ومنع وصول شحنات السلاح إلى حزب الله المشارك في الجبهة السورية والذي يسيطر على لبنان. ومن هنا تريد إسرائيل أن تحتفظ بحرية الضربات الجوية في سوريا والتي تقوم بها منذ عام 2013 حيث شنت أكثر من 100 غارة على مواقع إيرانية وحزب الله وشحنات عسكرية. أما روسيا التي تملك مفاتيح اللعبة فتقوم باللعب على الطرفين من خلال السماح لهما بالتدخل في سوريا. ومنذ تدخل موسكو في إيلول (سبتمبر) 2015 فقد غضت الطرف عن الغارات الإسرائيلية مع أنها تدخلت لدعم نظام بشار الأسد وتتحالف تكتيكيا مع إيران الداعم الآخر لنظام دمشق. وفتحت موسكو المجال لتركيا بالتدخل في شمال سوريا ضد الأكراد وتساعد في الوقت نفسه جيش النظام بدك آخر معاقل المعارضة السورية في محافظة إدلب.
وترى مجلة «إيكونوميست» (15/2/2018) أنه كلما سمحت روسيا بدخول لاعبين جدد للساحة السورية كلما ضعفت سيطرتها على النزاع. وتشير إلى محاولة ميليشيات مدعومة من إيران ضرب موقع تحميه الولايات المتحدة في دير الزور، شرقي سوريا حيث ردت أمريكا بغارات جوية أدت لمقتل العشرات عدد منهم مرتزقة روس. وتقول المجلة إن المواجهة يوم السبت الماضي هي تذكير للوضع الهش الذي تشرف عليه روسيا. فلو سقطت المقاتلة الإسرائيلية على التراب السوري وأرسلت فرقة إنقاذ لهما لحدث تصعيد في النزاع وسقط العديد من الضحايا. ومن هنا فستجد روسيا نفسها أمام وضع صعب للسيطرة على النزاع حالة قرر واحد من الأطراف المضي قدما وتجاوز حدود ما هو مسموح له.

عملية واسعة

وبالتأكيد فقد كانت إسرائيل تخطط لعملية واسعة. وفي هذا السياق كتب رونين بيرغمان في صحيفة «نيويورك تايمز» (12/2/2018) قائلا إن الرد الإسرائيلي على إسقاط الطائرة كان يقصد منه ان يكون أوسع وأعنف. فلطالما احتفظ الإسرائيليون بخطط طوارئ لعملية موسعة في داخل الأراضي السورية و«يوم السبت أخرجها الجنرالات من الأدراج». ومع أن السوريين والإيرانيين وحزب الله أكدوا أنهم سيردون على أي هجوم إلا أن الإسرائيليين قرروا شن الحرب ولكنهم اكتشفوا مع البقية من يملك مفاتيح اللعبة السورية. فقد كانت الضربات الجوية قريبا من قاعدة يعمل فيها الروس. وبعد مكالمة غاضبة من فلاديمير بوتين قرر بنيامين نتنياهو إلغاء الخطط. ويقول بيرغمان إن الروس شجبوا علنا الانتهاك الأسرائيلي ولم يذكروا الطائرة الإيرانية. وفي الوقت الحالي تم تجنيب المنطقة حربا دموية مع أن عناصر التفجير لا تزال قائمة وتنتظر الشرارة.
ويقول رونين إن أحداث السبت كشفت عن أمرين مهمين. الأول هو أن إسرائيل لن تتصرف بضبط نفس، لأن القوات التي تعارضها في سوريا ستتجمع وترد بقوة. أما الثاني فهو أن روسيا لمن لم يكن يعرف، هي القوة المهيمنة في المنطقة. ويرى أن المواجهة الجوية بين إسرائيل وإيران كانت مفتوحة بدرجة كادت ان تودي إلى دخول المنطقة مرحلة أكثر خطرا. ويرى أن مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي برفقة مدير الموساد يوسي كوهين في مؤتمر ميونخ الأمني هو محاولة للضغط والتأكيد على أن الوضع المتعدد الأطراف في سوريا غير مقبول. وفي حالة لم يتم الأخذ على يد إيران هناك فستقوم إسرائيل بضرب قواعدها. وتحدث رونين عن العلاقة الروسية – الإسرائيلية بعد التدخل عام 2015 عندما أقام نتنياهو شبكة اتصالات سرية مع بوتين وتواصل بين المخابرات الروسية والإسرائيلية لمنع أي تصادم بين الطرفين في سوريا. إلا ان التعاون التكتيكي لم يكن كافيا لتأمين مصالح إسرائيل الإستراتيجية.

طرد إيران

ومع اقتراب نصر الأسد، ضغطت على روسيا لضمان رحيل إيران عن سوريا بعد نهاية الحرب. إلا ان المطالب لم تتم الإستجابة لها خاصة أن روسيا راغبة في بناء قوة لها في الشرق الأوسط وهي بحاجة لعلاقات مع إيران. كما وطلبت إسرائيل من إدارة ترامب عمل شيء بشأن الوضع وأرسلت في آب (أغسطس) 2017 وفدا عالي المستوى إلى واشنطن ضم كوهين وهرزل هاليفي، مدير الإستخبارات العسكرية وقدما لأتش أر ماكمستر، مستشار الأمن القومي معلومات «حساسة ودقيقة» حول خطط إيران وحزب الله ضرب إسرائيل. وقالا إن حزب الله يخطط لبناء قاعدة عسكرية في سوريا، وإيران قاعدة بحرية في ميناء طرطوس. وحسب مشارك في اللقاء فقد طلب الوفد الإسرائيلي خروج حزب الله والحرس الثوري من سوريا في أي خطة سلام. ولكن الأمريكيين لم يقدموا ما يشي أنهم يريدون تحقيق شيء خاصة انهم لا يعرفون ماذا يريدون أو ماذا أخبرهم الرئيس بضرورة تحقيقه «فالجو العام هو واحد من التشوش والفوضى».

قواعد

ومن هنا يشعر قادة إسرائيل أن لديهم المبرر للضرب بحرية، ويرى عاموس يالدين الجنرال الإسرائيلي المتقاعد في سلاح الجو والذي عمل مديرا للاستخبارات العسكرية ويعمل حاليا مدير معهد دراسات الأمن القومي بمقال كتبه مع آري هيستين، المساعد الخاص لمدير معهد الأمن القومي نشره موقع «فورين بوليسي» (13/2/2018) أن إسقاط طائرة إسرائيلية بنيران «العدو» لا يعني «مرحلة إستراتيجية جديدة». فحالة واحدة لا تغير ميزان اللعبة عندما يتعلق الأمر بالتفوق الجوي، لأن الحسابات تتعلق دائما بمستوى الضربات لا حادثة بعينها. وأكد الكاتبان أن «قواعد اللعبة» لم تتغير رغم المحاولة الإيرانية فرض شروط جديدة لها. وكان هذا واضحا من الطريقة التي أعلنت فيها إسرائيل عن حقها في مواصلة الغارات ومباشرة بعد سقوط مقاتلتها و«الطريقة الوحيدة لإعادة تأكيد (الحق) هو ممارسته. وبعملها هذا، قام سلاح الجو الإسرائيلي بوضع طياريه في مجال الخطر إلا أن غياب المقاومة أعطى فكرة أن الجيش السوري ليس لديه استعداد لتصعيد الهجمات إلى نزاع أوسع لا يريد أو يستطيع الانتصار فيه». وكان الرد الواسع والمتعدد رسالة واضحة للأسد وحلفائه الإيرانيين أن هناك ثمنا يدفع حالة تحدي قواعد اللعبة وتغييرها و «اظهرت أنها (إسرائيل) تستطيع تدمير كل القوات السورية إن اقتضى الأمر للحفاظ على التفوق في الجو، ولكنها لم تفعل حيث أعطت دمشق حافزا ان لا تحاول تكرار الأمر ثانية». ويعتقد الكاتبان أن الهجوم الجوي ترك أثره على «محور المقاومة» الذي بدا متراجعا. ويعطي البيان الروسي الذي دعا كل الأطراف لضبط النفس فكرة أن موسكو لم تكن داعمة لخطوة إيران الاستفزازية التي تعرض «مشروع» الكرملين لحماية الأسد للخطر. فنظام الأسد لم يخرج بعد من سبعة أعوام من الحرب الأهلية ولا فرصة لديه للوقوف أمام «القوات العسكرية المتقدمة والحرفية». وبناء على هذا فالنظام السوري في حالة يرثى لها، والأسد راغب بإعادة بناء بلده المدمرة بدلا من مواجهة الضربات الإسرائيلية ردا على الاستفزازات الإيرانية. وربما زاد حزب الله من ترسانته العسكرية إلا أنه ليس مهتما بمواجهة مدمرة مع إسرائيل قد تنتشر إلى لبنان.

الحرب السورية

وتظل المواجهة الإسرائيلية- الإيرانية، التركية- الكردية، التركية- الأمريكية والأمريكية- الروسية أثر من آثار نهاية تنظيم «الدولة» حيث يجري الآن التكالب على مناطق سيطرته ويعتقد كل طرف أن السيطرة تعطيه القدرة على تشكيل مسار سوريا بعد الحرب. ولكن المرحلة الجديدة ليست عن السوريين ومستقبلهم رغم أنهم الوقود الحالي، وانظر لتصريحات مسؤولي الأمم المتحدة، فقد بدأ عام 2018 داميا بكل المعايير. ولكن الحرب لم تعد «سورية» بل هي «الحرب السورية» التي تتنازع فيها إرادات ومصالح دول إقليمية وقوى عظمى. وحسب كريستوفر فيليبس الباحث في سوريا بكلية كوين ماري في لندن «تدار الحرب من خلال مصادر خارجية الآن» و «صناع القرار لم يعودوا سوريين، باستثناء الأسد، ربما». وأضاف في تصريحات نقلتها مجلة «ذا أتلانتك» (14/2/2018): «في البداية اتخذ التدخل الأجنبي في الحرب الأهلية شكل الدعم الدبلوماسي ومن ثم الاقتصادي وبعدها الدعم المادي للمقاتلين وبعدها التدخل المباشر، ولا أجد سببا لعدم استمرار الوضع». ومن بين الجبهات التي ترى المجلة أنها الأكثر تفجرا هي الجبهة بين إيران وإسرائيل. فمن المستبعد مثلا أن تواجه أمريكا تركيا وروسيا على التراب السوري كما يقول الباحث أندرو تابلر. لكن المواجهة على الحدود الجنوبية هي الأكثر حتمية. فلو حدثت على الحدود اللبنانية فستكون على شكل حرب صواريخ أرض- أرض وإن اندلعت في سوريا فستكون حربا جوية وبرية. وربما حاولت إسرائيل التي لم تعد تثق بالروس السيطرة على مناطق داخل سوريا وبناء منطقة حزام أمني كما فعلت في جنوب لبنان. وقد تستمر في الغارات الجوية التي تقوم بها منذ سنوات لتدمير البنية العسكرية السورية والإيرانية وفي الخيار الثالث قد تقوم بدفع طرف لاحتلال مناطق نيابة عنها لمنع الجيش السوري وحلفائه الإيرانيين العمل قريبا من حدودها. ويقولون إن الحروب الأهلية عادة ما تكون في أعنف مراحلها عند اقترابها من نهايتها، كما حصل في العام الأخير من الحرب الأهلية اللبنانية عام 1989. وسوريا معقدة، خلافا للبنان الذي تم فيه إنهاء الوجود الفلسطيني ودخلت فيه سوريا كلاعب مهم عام 1976. ووجه التعقيد في سوريا أن الدول الأجنبية قسمتها إلى مناطق نفوذ وهي دول قوية وبعضها لديه حدود مع سوريا. والمشكلة أن هذه الدول وضعت رهانات لا تتطابق مع أهداف الدول الأخرى، فما تريده إيران من سوريا يتناقض مع إسرائيل فيما تعارض تركيا أي دويلة كردية على حدودها. وتقول أمريكا أنها ستظل في سوريا لمنع عودة تنظيم «الدولة» أي حرب طويلة بلا نهاية. وفوق كل هذا يريد بشار الأسد العودة إلى ما قبل عام 2011 واستعادة السيطرة على كل البلاد، وهذا مستحيل في الوضع الحالي. ويرى فيليبس أنه لا يجد مثالا تاريخيا مقاربا للوضع الحالي في سوريا بسبب كثرة المشاركين في الحرب. ويتوقع نزاعات جديدة لكن لا أحد يجادل أن من سيتحكم في النهاية هم الروس والإيرانيون لأنهم من استثمروا أكثر «ولن يتخلوا عن كل هذا» ما يعني ان الحرب ستطول لسنوات أخرى، ونهايتها مرتبط بتعب اللاعبين وزيادة كلفتها المالية والبشرية.

حرب الأجواء السورية: وقف إطلاق نار مؤقت بين إيران وإسرائيل ولا مواجهة طالما بقيت روسيا مسيطرة

إبراهيم درويش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left