«الحرب الباردة» في سوريا ومخاطر «الخطأ القاتل»

رلى موفّق

Feb 17, 2018

إلى أي مدى يمكن القول إن إسقاط المقاتلة الإسرائيلية من طراز «إف 16» بالدفاعات الجوية السورية في العاشر من شباط/فبراير يشكل تحولاً استراتيجياً على الساحة السورية وفي المنطقة؟
الأكيد أن الكل بات موجوداً في الملعب السوري: الأمريكيون والروس والإسرائيليون والأتراك والإيرانيون. اللاعبون الدوليون الكبار والإقليميون والمحليون يتصارعون على رقعة «الشطرنج» هناك. «خطوط حمر» مرسومة ومناطق نفوذ موزعة بين شرق نهر الفرات وغربه مع بعض الخروقات، وقواعد اشتباك هي العنوان الأهم في المعركة الدائرة اليوم. ففي أسبوع واحد، شهدت الخطوط الحمر والمعادلات الاستراتيجية وقواعد الاشتباك اهتزازاً إن لم يكن اختلالاً: سقوط مقاتلة سوخوي روسية ومروحية تركية ومقاتلة إسرائيلية وطائرة مسيرة إيرانية وضربة جوية أمريكية أوقعت قتلى روس. ما جرى ليس سوى نموذج لما قد تشهده الساحة السورية وربما الساحات المرتبطة بها وفي مقدمها لبنان، إذا خرجت الأمور عن السيطرة بفعل «خطأ ما» أو «فخ ما» قد يؤدي إلى حرب كبيرة وشاملة!
المحور السوري – الإيراني يصف إسقاط الـ إف 16» من الجيل الرابع المتطور بـ «الإنجاز النوعي». وهو كذلك بمقياس أنها المرة الأولى التي يتم فيها إسقاط طائرة حربية إسرائيلية بدفاعات جوية سورية منذ عدة عقود، في ظل تفوق سلاح الجو الإسرائيلي واقتناع تل أبيب بالقدرة على خرق طيرانها الحربي الأجواء ولاسيما اللبنانية والسورية من دون خشــية التعرض للرد أو الاستهداف القاتل.
فمنذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011، حاول النظام حماية وسائل الدفاع الجوي ذات الطبيعة الاستراتيجية بالقدر الممكن، ولم يعمد إلى استخدامها في وجه الغارات الإسرائيلية التي بلغت وفق إحصاءات إسرائيل 115 غارة استهدفت مخازن وشحنات أسلحة لـ«حزب الله» تتضمن أسلحة كاسرة للتوازن. كانت أولويات الأسد القضاء على التحدي الداخلي، وشكّل في حينها الموقف الإسرائيلي الداعم لبقائه عاملا أساسياً في حماية نظامه من السقوط، بوصفه نظاماً أمنّ الاستقرار على الحدود الإسرائيلية – السورية منذ حرب 1973 واتفاق فض الاشتباك حول الجزء المحتل من هضبة الجولان.
وفي المعلومات أن النظام السوري وحليفه الإيراني اتخذا منذ أيلول/سبتمبر 2016، بعدما سقط خطر الإطاحة بالأسد ورجحت كفة الميزان لمصلحته، قراراً بالعمل على كسر قواعد الاشتباك التي فرضها واقع سنوات النزاع وباتت مكرسة بفعل تلك الظروف. هذا الأمر تطلب الاستعداد التقني العالي المستوى من أجل أن تُشكّل المنظومة الدفاعية السورية عامل تهديد وردع للسلاح الجوي الإسرائيلي. الموجود لدى النظام السوري هي صواريخ الـ»إس 200»التي تعرف بالـ»سام 5» وهي صواريخ بعيدة المدى روسية الصنع صممت لكي تعترض الأهداف المتوسطة إلى المرتفعة، وقد حصلت عليها دمشق في زمن الزعيم السوفييتي يوري أندروبوف في العام 1982 على وقع الاجتياح الإسرائيلي للبنان والاشتباك الإسرائيلي- السوري. تمّ العمل خلال السنتين الماضيتين على تطوير منظومة الصواريخ والرادار، وجرت محاولات تصدي عدة باءت بالفشل، وكادت محاولة واحدة أن تنجح إلاّ أن المقاتلة الإسرائيلية أفلتت من شباك الصاروخ في اللحظة الأخيرة، إلى أن سجَّل يوم العاشر من شباط/فبراير النجاح الموعود.
ماذا تغيّر؟ الذي تغيّر هو التأسيس لاحتمال فرض قواعد اشتباك جديدة. لا يزال من المبكر الجزم بإمكانية ذلك، إذ أن الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من نجاح عملية واحدة، حسب قراءة مراقبين من قلب التحالف الإيراني- السوري، المتماهين عقلاً وروحاً مع مشروع «حزب الله»، والذي سعى أمينه العام حسن نصرالله إلى التأكيد أن النظام السوري هو صاحب الإنجاز النوعي. المسألة تحتاج إلى تكريس ما جرى كواقع جديد. وتثبيت معادلة الردع الجوي ليست بالأمر السهل والمضمون، إذ أن الظروف التي ساعدت في إسقاط الطائرة قد لا تتكرر ثانية، مع اليقين أن إسرائيل ستدرس جيداً أسباب إخفاقها وستحاول تجنب «الخطأ» الذي اقترفه طياروها. الرواية من أرض الحدث تقول ان مقاتلة كانت تقصف أهدافاً محددة وأخرى كانت تدقق في مدى إصابتها، وكانتا على علو شاهق ولم تعمدا إلى المناورة الحركية تحسباً لإمكانية الاستهداف، ما وفر تلك «الفرصة الثمينة». الأمر الآخر يعود إلى عدم القدرة على استخدام هذا الكم من الصواريخ، ذلك أن بطاريتين على الأقل قد أطلقتا بما يُشكّل 12 صاروخاً كحد أدنى، وهو رقم مرتفع جداً، حيث أن المعدل المعتمد يتراوح بين صاروخ وصاروخين في عملية التصدي للطائرة الواحدة. ولن يكون بإمكان سوريا وحلفائها من ممارسة هذا «الترف» الصاروخي.
ما حصل لم يكن من دون ضوء أخضر روسي. فالروس قد أصيبوا باسقاط الـ»سوخوي 25» في سماء إدلب، بضربة موجعة نالت من هيبة فلاديمير بوتين على أبواب الانتخابات الرئاسية. هم يدركون أن الطائرة كانت على علو منخفض ما سمح باستهدافها بسهولة بصاروخ محمول على الكتف لكنه ليس من صواريخ أرض- جو التي تتجاوز الخطوط الحمر القائمة، والتي تمنع الولايات المتحدة تزويد المعارضة بها. أمنت موسكو الضوء الأخضر لـ«عملية رد الاعتبار» برسالة «غالية الثمن» على واشنطن، من دون أن تخرق هي الأخرى الخطوط الحمر بشكل فاضح.
في لعبة تكريس وقائع جديد، قد تكون كلفة الخطأ باهظة. المرحلة المقبلة الممتدة من شهرين إلى ثلاثة ستكون مثقلة بوقائع غير مألوفة يحوطها خطر الانزلاق أو الخطوات غير المحسوبة النتائج. هذا ما ترمي إليه إيران بواجهة النظام وبواسطة ذراعها الأقوى المتمثل بـ«حزب الله»، والهدف إحداث التغيير في المعادلة الاستراتيجية وتكريس قواعد اشتباك جديدة في ظلال الروس. وبالتأكيد، فإن أولئك على المقلب الآخر يتحضرون هم أيضا. إسرائيل تقف اليوم بين خيارات عدة، قد يكون أبعدها القبول بسياسة الحد من الخسائر التي لحقت بصورتها، وأفضلها إعادة تكريس معادلة ما قبل 10 شباط/فبراير، وأكثرها جنوناً الذهاب إلى حرب كبرى. الخيار الأخير يبدو إلى الآن الخيار الذي يعمل جميع اللاعبين على تفاديه، رغم المواقف العالية النبرة التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكية ريكس تيلرسون في زيارته للمنطقة ضد دور إيران و«حزب الله» التخريبي في سوريا وضرورة خروجهما منها، ورغم التجهيز المستمر لـ«محور الممانعة» لما يسميه «الحرب الأخيرة»، التي لن تكون سوريا مسرحها فقط – إذا وقعت – بل لبنان أيضاً، وذلك في عملية ربط المسارات.
الاقتناع السائد راهناً أن جميع اللاعبين منخرطون في «حرب غير معلنة» هي فعلياً البديل عن الحرب الكبرى المعلنة! إنها «حرب باردة جديدة محدودة» في نسختها المعدلة عن تلك التي عرفناها في زمن القطبين، الذين عادا بنسختهما المعدلة أيضاً.

«الحرب الباردة» في سوريا ومخاطر «الخطأ القاتل»

رلى موفّق

- -

1 COMMENT

  1. الكل بات موجوداً في الملعب السوري: الأمريكيون والروس والإسرائيليون والأتراك والإيرانيون. اللاعبون الدوليون الكبار والإقليميون والمحليون يتصارعون على رقعة «الشطرنج» هناك. ولازال الصعلوك يصدق بأنه لازال رئيساً

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left