حوار مع أنصار الشر اللطيف!

بلال فضل

Feb 17, 2018

هل يمكن أن يكون عبد الفتاح السيسي بكل ما أحدثه من خراب وقمع، أفضل ما حدث لمصر خلال تاريخها المعاصر وهدية السماء للمصريين بحق وحقيق؟ لا لشيء سوى أنه أسقط الكثير من الأوهام التي سادت تفكير الكثيرين عن حقيقة الدولة المصرية وطبيعة مؤسساتها وقدرات المتسلطين على مقاليد الأمور فيها، وهي أوهام ورثها الجيل الذي قضى حياته في ظل حكم مبارك، عن أجيال أسبق، وحتى حين بدا له ما يثبت زيفها، ظل يقبلها كأمر واقع أو كأخف الضررين، لأن الإنسان بحكم طبيعته مهما كان ساخطاً على الأوضاع، يدرك قِصَر الحياة وهشاشتها وتعقيدها، ولذلك يفضل تخيل قابلية الأوضاع للإصلاح، بدلاً من التسليم باستحالة إصلاحها، ويختار افتراض العقل والذكاء في خصومه وحكامه، على اختيار إدراك خوائهم وخلوهم من أي إمكانيات لازمة للتواصل البشري.
يعني، أتصور أن كل من لا يحب خداع نفسه، بات يدرك أن طريقك الوحيد للسيطرة على مؤسسات الدولة المصرية هي قدرتك على القتل بقلب ميت، مهما كان تواضع أو انعدام قدراتك الإدارية والسياسية، ولذلك حين يكون الفيصل بينك وبين معاونيك، هو قدرتهم على القتل أو على تبريره إعلامياً وتكييفه قانونياً، ستتمكن من السيطرة على مقاليد الحكم مهما فشلت وتعثرت، وستأخذ قرارات لم يجرؤ الذين سبقوك على تنفيذها، ستعبث بالاقتصاد كيفما شئت لخدمة المؤسسة العسكرية التي تهدد الشعب بها علانية دون خجل أو تحفظ، وتستبعد المواطن العادي من حسابات قراراتك الاقتصادية، وتبيع أرضاً مصرية بأثمان غير معلومة لإرضاء حلفائك، وترفع درجات التعاون مع إسرائيل إلى أقصاها في العلن، دون وضع مساحيق تجميل وطنية كالتي كان يضعها سابقوك، وتمنح حق القتل المجاني لرجال شرطتك، وتدير المحاكم بالتليفون مستبعداً منها كل من يتجرأ على الحكم بما يخالف هواك، وتشتري كل القنوات التلفزيونية والصحف بمشتملاتها، وتشكل الفنون على مزاجك المحافظ، وتحجب كل المواقع الإلكترونية التي تزعجك، وترمي بالآلاف في السجون دون حاجة إلى تبرير أو تفسير، مساوياً بين من يبدو قمعه سهلاً ومن يبدو عصيّاً على القمع، وتقطع أي ذراع إعلامي يثير ضيقك، وتصنع برلماناً تافهاً على مقاسك، وتفقأ الفقاعة الكبيرة المسماة بالمثقفين المصريين لتضعهم في حجمهم الحقيقي، وتمزق كل الأقنعة القانونية والسياسية التي ظلت تجمل وجه الخرابة المسماة بالدولة المصرية، ولن تعدم بعد كل ذلك وجود ملايين من مواطنيك يباركون أفعالك الإجرامية، وينبهرون بها ويدافعون عنها بأقوى مما تستطيع فعله، دون أن يكــون الخوف منك دافعهم، أو تكون عطاياك محركهم.
لذلك ولذلك كله، سيكون السيسي هدية السماء للمصريين، لو أفاق أغلبهم من أوهامهم عما يسمى الدولة المصرية الحديثة، وواجهوا أنفسهم بأن من يحكمهم منذ زمن بعيد، ليس سوى مسخ مشوه ملفق، لا يستند إلى شرعية حقيقية، لأنه لم ينبت من تعقيدات وتناقضات الواقع الفعلية، بل كان يولد على الدوام من رحم علاقات غير شرعية، تدور إما بين القوى الخارجية ونخبها المساندة، أو بين السلطة القادرة على القتل وحلفائها الانتهازيين، دون أن تدخل في المعادلة قوى شعبية حقيقية، وحين كانت هذه القوى تدخل في معادلة صنع القرار، في لحظات تاريخية مثل ثورة 19 أو ثورة يناير، وما جرى بينهما من انتفاضات جماهيرية وهبّات شعبية، كانت الأوهام المسيطرة على العقل المصري، تلجم وصولها إلى آخر مدى، رغبة في الحفاظ على ما يسمى بالدولة، أو خوفاً من تداعيات مجهولة لن يمكن السيطرة عليها، أو لأنها حين كانت تراهن على قائد شعبي تلتف خلفه، تكتشف عجزه عن المضي إلى آخر مدى، لأن عقله محاط بذات الأوهام، وجماحه تكبحه ذات المخاوف على المركب الحبيب من الغرق الكامل.
لكن، من قال أن إدراك الكثيرين لحقيقة الواقع المرير، سيدفعهم بالضرورة إلى التخلص من أوهامهم ومواجهتها حتى آخر مدى؟ ألا ترى أن ذلك الإدراك على العكس سيدفع الكثيرين نحو الحنين المَرَضي إلى زمن الشر اللطيف، حيث كان هناك فساد وظلم وقمع، لكنه لم يكن يمسهم بشكل مباشر وغشيم، حين كان هناك تزوير انتخابات ونظام قضائي سقيم وتعليم عقيم واقتصاد منهوب وشرطة قاتلة عديمة الكفاءة ونظام صحي فاشل وثقافة كسيحة وإعلام كذاب يكفل حرية الجعجعة ويحارب العقلانية والإبداع، لكن برغم ذلك يرى هؤلاء أن «المركب كانت ماشية»، لا يهم إلى أين، لكنها كانت ماشية من وجهة نظرهم، ولذلك لن يجدي تذكيرك لهم أن ما نعيشه الآن من نتائج مريرة، هو التطور الطبيعي لكل تلك السنين من الكذب على النفس والخداع للعقل والتبجح في إنكار الحقائق.
لا تنس أن الإنسان سيظل مبهراً في قدرته على النسيان، لا تنس أننا جميعاً بشر «لنا اللحظة التي نحن فيها»، ولذلك لا تلم هؤلاء بقسوة إذا حلموا بعودة الماضي النتن المغطى بالمعطّرات، فالشر اللطيف أرحم وأحنّ من الشر على الناشف، ولا تنس أن حرص البعض على التفكير في حدود اللحظة الراهنة ليس قصر نظر وحماقة، كما يتصور الراغب في إصلاح جذري، أو المتوهم لإصلاح جذري، لن نختلف على التسمية، أليست اللحظة الراهنة مرتبطة برزق العيال ومصاريف الشهر وخطة السنة وطموحات الغد؟ هل يمكن أن تتصور قيام التفاف شعبي حول مشروع يطالب بالذهاب إلى المجهول؟ حتى لو كان يبشر بهدف نبيل، وهو أن نهدم البناء المغشوش، لنبني على نظافة، كما كان يحلم عمنا أسامة أنور عكاشة في مسلسل (أرابيسك)، معبراً عن حيرة الذين استهوتهم أحلام الإصلاح، فاكتشفوا أنها ليست سوى أوهام ترقيع، سيفضي بالجميع حتماً إلى موت محقق تحت أنقاض خرابة اسمها الدولة المصرية؟
لكن من قال أن هناك مسارين لا ثالث لهما؟ ألا يمكن أن ندرك سوداوية الواقع ونسعى لصنع بديل له، دون أن نواجهه بشكل جذري؟ هل يمكن أن يفكر عاقل على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بمنطق أفلام الأبيض والأسود؟ ألا تعتقد أن مواجهة الناس بحقيقة أنهم يعيشون في خرابة تحكمها عصابة، لن يدفعهم إلى السعي نحو التغيير الشامل، بل سيجعلهم يتبنون منطق أنها خرابة لكنها على الأقل ليست دامية، خوفاً من قدوم عصابات أجنّ وألعن؟ لماذا تلوم على الكثيرين أملهم في عودة الشر اللطيف والقمع المحدود؟ ألا ترى أن شعوباً نالت حظاً أفضل من الممارسة السياسية والتعليم والثقافة تفكر بنفس المنطق حين تتورط في خيارات انتخابية خاطئة؟ ألست ترى حال أصدقائك الذين كانوا يقولون أن مجيء دونالد ترامب إلى الحكم أفضل ما حصل لأمريكا لأنه سيؤدي إلى إفاقة الناس من أوهام الديمقراطية التمثيلية التي تتحكم فيها قوى المال السياسي والدجل الديني؟ ألا ترى بعضهم الآن يحن إلى أيام أوباما الذي كانوا يعلمون خطاياه؟ فضلاً عن معدومي العقل والضمير الذين يحنون إلى أيام بوش الصغير؟
أعلم أن أوضاعنا مختلفة تماماً عن أوضاع بلد به مؤسسات سياسية حقيقية وقوى سياسية مستندة إلى جماهير لها مصالح وأهداف ومطالب، أعلم أن هذا يؤكد فكرتك عن الفرق بين الدولة والخرابة، لكن ألا ترى أن دولة المؤسسات العريقة تلك بكل ما لديها من رصيد سياسي تشكل بعد خروجها من رحم حرب أهلية دامية، لم تنج من هذا المصير المخزي الذي أوصل رمزاً للانحطاط السياسي لحكمها؟ صحيح أنه لا يخوض تجربة مستقرة في الحكم، لكن من قال أن تفاعلات الأوضاع داخل الخرابة أو شبه الدولة التي نعيش فيها، لن تسفر عن مخرج ما، لن يكون بالضرورة مخرجاً نحو مدينة فاضلة، لكنه قد يقود نحو واقع أقل دموية وقمعاً، حتى لو لم يكن أقل فساداً وأكثر رشادة؟
ألا ترى أن عمق المعرفة بسواد الواقع قد يقود إلى ضلالات يائسة، كالضلالات المتفائلة التي يقع فيها من يطبق القوانين الثابتة على واقع بشري متغير؟ لا أريدك بالضرورة أن تعاود الإيمان بالحشود الهادرة، بعد أن لم تر منها دائماً ما يسرك، لا أريد أن أحدثك عن الأمل ولا أريدك أن تحدثني عن اليأس، كل ما أريده أن نواصل الحوار والتفكير، حتى لو لم نتفق على شيء، في الحقيقة أتمنى أن نتفق على شيء وحيد، هو أننا مهما بدونا محيطين بالواقع المحيط بنا، سنظل دائماً أصغر من السيطرة عليه، وربما لو اتفقنا على ذلك، لتعقّلت خطانا مهما جمحت أحلامنا، ولعلنا حين يعود الشر اللطيف إن عاد، سنقاومه ونقوم بصنع بدائله في نفس الوقت.
أليست هذه بداية معقولة ومسكنة للآلام ننهي بها حوارنا مؤقتاً؟

 

حوار مع أنصار الشر اللطيف!

بلال فضل

- -

6 تعليقات

  1. لا يوجد نظام سياسي كامل و لكن يوجد نظام اسوأ من نظام
    الحرية و الديموقراطية لا تمنع الفساد و المفسدين بل قد يستفيدوا منها و لكنها تستطيع تصحيح المسار او لجم التدهور
    اسوأ الانظمة كما علمنا التاريخ هي انظمة الاقليات، الانظمة التي تفتقد الى الحرية، و التي تنس ان الشعب هو السيد و ان الحكومة و كل المؤسسات في الدولة هي لخدمة و حماية هذا الشعب فعلا لا قولا

  2. مقال مهم كالعاده يا أستاذ بلال، لقد حدث هذا التحول لي شخصيا فقد عشت كل حياتي ناصريا مدافعا عن تجربه عبد الناصر و شخصه. لكن وصول السيسي و ادعاء الناصريين انه استنساخ لتجربه عبد الناصر فتح عيني علي الحقيقه و جعلني اري بوضوح مأسي عصر عبد الناصر.

  3. التغيير الأكبر هو فى حرية الفكر..وكسر كل الاصنام والأوهام التى تمثل الارتكازات الاساسية لحكم المستبد..نحن نعانى من أشد انواع الفساد وأعلى درجاتة…فأنا أؤمن بالنسبيةوبجميع الألوان فهناك الاختلاف المتعدد والمتشابك فجميع دول العالم بها فساد لكن تفاوت عالى جدا جدا والاحوال داخل مصرنا خير شاهد..وانا اؤاكد او متأكد ان مصر عندما كان لديها متسع من حرية الفكر كانت افضل حالا فايام الاحتلال كانت مصر أفضل بحكم الظروف التاريخية التى كانت تعيش فيها…هل تصدق بعد تلك السنين الطولية من الممكن ان تحبس بسبب فكرك أو عقيدتك او لانك شيعى او بوزى..عندما نصنع الآلهة ونقدس ما هو ليس مقدس ويأتى الفساد…فهم يقدسون الدولة حتى يستعبدوننا ويسرقوننا..بربك لو حكمنا اجانب الم يكن هذا افضل لنا..كما استعنا بمدرب اجنبى يدرب منتخبنا الوطنى…ألم يرق قلب حكمنا علينا ولا عقولهم ودائما كنا نمنحهم الثقة والتفويض وكانوا دائما ما يخزلونا كنا دائما نمنحهم الشرف والاحترام ويمنحونا الذل والهوان..هل الفوضوية افضل ام الدولة هل الاحتلال أفضل ام حكم العسكر…نحن نعيش سنين العبث………….

  4. السيسي وكل من سبقه في حكم مصر من العسكر
    -
    يقومون بالدور المنوط للعسكري المنفد القتل بدم
    -
    بارد و اسكات كل الاصوات الرافضة لمنحى سياسة
    -
    العسكر الكارثية
    -
    تحياتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left