الاستراتيجية التركية في سوريا في ميزان الواقعية السياسية

ميسرة بكور

Feb 19, 2018

كنا على الدوام نمتلك الجرأة الكافية لانتقاد سياسات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في ما يتعلق باستراتيجيتة الخاصة بالتعامل مع الملف السوري.
وامتلكنا المصداقية نفسها في انتقاد الفصائل المسلحة والجيش الحر عندما يرتكبون الأخطاء ولم يكن الهدف من الانتقاد تسجيل موقف فحسب، بل كنا انتقادنا لهذه الأطراف بهدف تعديل السياسات واتخاذ استراتيجيات بديلة بهدف تقليل الخسائر وتجنيب المدنيين ويلات المبادرات الخاطئة وتلك التي لا تصب في صالح ثورة الشعب السوري.
واليوم بكل جرأة وحزم نمتلك الإرادة الصادقة لكي نقول بكل وضوح نرفض أي استراتيجية تركية روسية أو صفقات تكون على حساب الثورة السورية ونرفض بعزيمة لا تلين ما يقال أو يُتداول حول صفقة ربما عقدت بالخفاء تدور حول تسليم مناطق في إدلب وريف حماة الشمالي لتنظيم الأسد مقابل تواجد تركي في عفرين السورية. أو ما يتناقله ناشطون حولة صفقة عقدت بهذا الخصوص في الأستانة ضمن الرعاية التركية، ونتساءل بصوت مرتفع عن المكاسب الحقيقية إن وجدت لنقل مقاتلين من إدلب للمشاركة في معركة «غصن الزيتون» بالرعاية التركية بينما قوات تنظيم الأسد تشن هجوماً متوحشا في مناطق إدلب وتسيطر على مزيد من الأراضي المحررة.؟
فلا يعتقد أحدكم أو يتوهم أننا ننساق كل الإنسياق خلف سياسة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ولسنا ممن يضعون كل البيض في سلة واحدة، ربما بعضكم اضطلع على انتقاداتنا الشديدة للاستراتيجية التركية المتراخية في كثير من الأحيان وفي كثير من الجبهات. ونتفهم دوافعها لذلك لكن الأمر لم يكن مريحا لنا رغم تفهمنا لملابسات تلك السياسة.
كنا على الدوام نطالب تركيا بسرعة التحرك وعدم انتظار الآخرين الذين حاولوا توريطهم في مستنقع أسموه «الأزمة السورية» وطالبنا تركيا أن تكون صاحبة الفعل ولا تنتظر أفعال الآخرين لتقوم بردة فعل ربما تكون متآخرة وذات كلفة عالية.
هذا ما رأيناه في مناسبات عديدة حيث كان بإمكان الحكومة التركية في عام 2012 و2013 لو تصرفت بحزم أو بشكل منفرد أن تحسم الأمر في سوريا لصالح الثورة وتفرض سياسة الأمر الواقع، كما فعلت أمريكا من خلال محاولتها لفرض تنظيم حزب العمال الإرهابي بمختلف مسمياته وتشعباته كأمر واقع في سوريا. وهو ما وضع تركيا في هذا الموقف الحرج الذي دفع بشكل متأخر جدا لحسم الموقف على الشريط الحدوي.
وتتطلب منا مصداقيتنا مع أنفسنا ومع ثورتنا حين تقوم تركيا بعمل جيد وردة فعل متوازنة وحاسمة أن نصفق لها وأن ندعمها في هذا النحو ونقول لقد اتخذت القرار الصائب.
لكن ستظل أعيننا على الميدان تراقب الموقف عن كثب، وستكون انتقاداتنا جادة وحادة تجاه التراخي والانسياق خلف روسيا وعملية تأهيل الأسد في سوتشي.
مع تفهمنا الكامل لطبيعة المرحلة والانعطافة التي تمر بها ثورتنا السورية وحجم الضغوطات التي تواجهها تركيا من قبل حليفها الأمريكي وتملص حلف الناتو من اتخاذ مواقف حقيقية ملموسة لضرورة دعم تركيا في دفاعها عن أمنها القومي وفي وجه المخاطر والتحديات التي تواجهها من قبل المجموعات والمنظمات الإرهابية «حزب العمال ومشتقاته» والتي للأسف مدعومة من أمريكا.
قد نتفهم الواقعية السياسية التي دفعت تركيا للتوجه نحو موسكو في هذه المرحلة بسبب الدعم الأمريكي للعصابات الإرهابية وعدم دعمها للمشروع التركي في اقامة مناطق آمنة أو حظر طيران فوق مناطق سورية، وتجاهل الحلفاء في الناتو دعم تركيا إلا من بعض تصريحات متفهمة للرغبة التركية، ففي فبراير (شباط) 2016، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: في الوضع الحالي، سيكون من المفيد أن يكون هناك مثل هذه المنطقة، حيث لا يسمح لأي من الطرفين المتحاربين شن هجمات جوية.
ومحاولة توريط تركيا في مواجهة مع روسيا خاصة بعد اسقاط مقاتلة روسية من قبل سلاح الجو التركي.
حيث أظهرت تلك الحادثة حقيقة حلف الناتو واستراتيجيته تجاه الحليف التركي، ويمكن اضافة أسباب أخرى على سبيل المثال ما قيل حول تورط أمريكا في التخطيط للانقلاب على الحكومة التركية الذي أفشله الشعب التركي بوعيه، وكذلك رفض أمريكا تسليم «عبدالله غولن» لتركيا.
نتفهم كل هذه العوامل لكن ثمة حقيقة أخرى يجب أن توضع على طاولة الحقيقة، أن تركيا كانت مترددة في سوريا وتنتظر أفعال ودعم الآخرين ولم تكن فاعلة وصاحبة الفعل وفرض الأمر الواقع وكانت لديها مقومات فعل ذلك في الأعوام الأولى للثورة، لكنها فضلت الترقب وكانت لديها حسابات أخرى وهي التي أوصلتها لواقع اليوم.
بكل مصداقية نقول إن المخاوف التركية المشروعة من الانفصاليين» حزب العمال وتفرعاته» وتأثير ذلك على الأمن القومي التركي، وتخاذل الحلفاء بدعم أمن تركيا وإصرار أمريكا الاعتماد على تلك المنظمة ودعمها بالمال والسلاح واعتبارها حليفة لأمريكا شأنها في ذلك شأن الدولة التركية بما يشكل استخفافاً واضحا بتركيا وحكومتها، كان الدافع الرئيسي للقيام بعمل عسكري «غصن الزيتون» بالتعاون مع الجيش السوري الحر، لتحرير عفرين والقضاء على بؤرة الإرهاب وبذور الشقاق والنفاق والتقسيم الذي فرضته تلك العصبة المارقة في سوريا والذي ستكون له انعكاسات مباشرة على الأقليم والجغرافية التركية.
حيث سيثور أنصار حزب العمال في تركيا ويطالبون بالانفصال والانضمام إلى الدولة الوليدة وينطبق هذا الأمر على إيران والعراق.
حيث سينتفض الشعوبيون الانفصاليون ويطالبون بالانفصال عن إيران لذا تلاقت المصالح التركية الإيرانية في هذا الجانب وشكلا تحالفا كان من نتائجه وأد الحركة الانفصالية شمال العراق في مهدها.
تلك هي السياسة وحرب المصالح فالسياسة مصالح قد تتلاقى أو تتباعد ولسوء حظنا تلاقت المصالح الإيرانية التركية الروسية.
إن القرار الذي اتخذته الحكومة التركية بالتعاون مع الجيش السوري الوطني الحر، بشن عمليات في منطقة عفرين العربية السورية بهدف تطهيرها من عصابات حزب العمال الكردستاني.
كان القرار الصائب والصحيح والذي طال انتظاره من قبل السوريين الأحرار وأبناء المنطقة «عفرين» الذين يتعرضون للاعتقال والتجنيد الإجباري في صفوف تلك الفئة المارقة المنفلتة من عقال القيم والأخلاق الإنسانية، وتدعي أن تلك المنطقة العزيزة من سوريا هي جزء مما يزعمون أنه كردستانهم الوهمية وتلك الفئة المارقة مازالت تتحالف مع تنظيم الأسد والقوات الأمريكية.
تستغل العصابات الإرهابية مجريات الأحداث في سوريا من أجل تحقيق أطماعها الشعوبية الانفصالية في سوريا وهذا ما لايمكن القبول به سوريا وهو يشكل خنجرا في خاصرة الأمن القومي التركي.
وفي هذا المقام نقول إن لتركيا كامل الحق في التدخل لحماية أمنها القومي والجميع يعلم كم هي الأضرار التي تسببت بها عصابات حزب العمال الكردستاني ومشتقاته في سوريا لتركيا ولثورة الشعب السوري.
وفي الحديث عن المطامع التركية في سوريا، فقد أعلن الرئيس التركي في أكثر من مناسبة انه ليس لتركيا أي مطامع في الأراضي السورية وغيرها ونصدقه في هذا.
وفيما يخص اجتماع مجلس الأمن الدولي لبحث الوضع في سوريا الذي طالبت به فرنسا، كنا سنرحب به في حال كان من أجل بحث وقف أعمال القتل والتدمير الحاصلة في سوريا من قبل الروس والإيرانيين والأمريكان الذين دمروا مدنا بكاملها.
وكنا نرجو أن توضع كل هذه الأمور على طاولة البحث وأن لا يكون موضوع عفرين هو البند الرئيسي على طاولة النقاش، فهذا من وجهة نظرنا انحياز واضح للفكر المتطرف والانفصاليين الذين يزعزعون أمن وسلامة ووحدة الأراضي السورية والتركية والعراقية.
ونعتقد أن انحياز مجلس الأمن ومنظومة المجتمع الدولي للمتطرفين الانفصاليين هو دعم للفكر الإرهابي التخريبي، كما حصل في عين العرب السورية حيث استنفر العالم كله لدعم الأكراد في الوقت الذي كان فيه الشعب السوري يتعرض للإبادة الشاملة بالأسلحة الكيميائية على يد تنظيم الأسد وإيران وبتوافق روسي كامل.
مازال البعض عن حمق ووقاحة شديدين يحاول تلبيس عملية غصن الزيتون انها موجههة ضد الشعوب الكردية.
وهذا كلام كاذب بالجملة، لسبب واحد أن رئيس وزراء تركيا الحالي بن علي يلدرم أو بينالي يلدريم، هو من أصول كردية فكيف له أن يشن حربا ضد أبناء جنسه، وهو الذي قال حين تكون المسألة الوطن لن نستأذن احدا.
بينما الحقيقة تقول إن تنظيم حزب العمال الإرهابي بمختلف مسمياته هو المستهدف بالعملية، وهو تنظيم متعدد الجنسيات ويضم في صفوفه على الأقل عشر جنسيات.
فقد أعلنت فرقة من المقاتلين الأجانب، بقيادة المقاتل الصيني هوانغ لي، الذي يحمل الجنسية البريطانية، انضمامها للقتال إلى جانب «الوحدات الكردية» في مدينة عفرين السورية.
وكان مسؤول في «ميليشيا قسد» صرَّح بأن متطوعين أمريكيين وبريطانيين وألمان، متواجدون الآن في منطقة عفرين للمشاركة في التصدي للهجوم التركي.

كاتب وباحث سوري

الاستراتيجية التركية في سوريا في ميزان الواقعية السياسية

ميسرة بكور

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left