الجزائر: تشريح إضراب

ناصر جابي

Feb 19, 2018

تعيش الجزائر هذه الأيام على وقع إضرابات مستمرة منذ شهور في بعض الحالات. خلقت حراكا اجتماعيا وسياسيا كبيرا، يقوم بها الأساتذة والأطباء وطلبة الجامعات. بعد أن اكتشفت هذه الفئات الموظفة طريق الشارع والاحتجاج، فئات لم تكن تحتج ولا تطالب إلا بعد الاعتراف بحق الإضراب وتكوين نقابات مستقلة نتيجة المصادقة على دستور 1989 الإصلاحي الذي يعد من أحسن الدساتير التي صادقت عليها الجزائر حتى الآن، بطابعه الليبرالي المتسامح، وهو يتعامل مع عالم الشغل والإعلام كجزء من الجزائر العصرية المتخيلة.
تاريخ الإضرابات العمالية في الجزائر، يخبرنا أن الذي لجأ إلى ممارسة الإضراب بعد الاستقلال هو أجير القطاع الخاص، قبل أن يلتحق به عامل القطاع العمومي التابع للدولة ويتفوق عليه، ابتداء من منتصف الثمانينيات. في وقت كان لايزال فيه الإضراب العمالي ممنوعا في قطاع الدولة ومسموحا به في القطاع الخاص، نتيجة القراءة الرسمية التي كانت ترى في القطاع العمومي «جنة» عمالية لا يمكن تصور مصالح متناقضة داخلها، فهل يمكن أن يضرب الإنسان ضد نفسه وضد مصالحه؟
لنشاهد العكس تماما هذه الأيام، فقد اختفى عمال الصناعة تقريبا من المشهد، ولم تعد اضراباته تهم أحدا إلا عائلاتهم ورب عملهم. عكس إضرابات الموظفين كالأساتذة والأطباء وأجراء النقل والمواصلات الذين لا يمكن أن تمر إضراباتهم، بدون إحداث هزات اجتماعية، وتداعيات مهمة على السير العادي للحياة اليومية للمواطن، بكل ما يمكن تصوره من أبعاد سياسية. فميزة إضراب الموظف أنه يحصل في المدينة، ليخرج بسرعة الى الشارع، في حين لا يبرح اضراب عامل الصناعة مكان العمل الضيق، مهما اتسع. في انتظار ربما إضرابات عمال الكهرباء التي بدأت تتحرك فيها نقابات مستقلة ذات نزعة مطلبية واضحة، مختلفة تماما عما كان سائدا ولا يزال جزئيا مع المركزية النقابية الرسمية المهادنة، التي مازالت حاضرة في هذه القطاعات الاستراتيجية، تعمل المستحيل لكيلا تفرط فيها وتتركها للنقابات المستقلة.
أقول هذا رغم أن المشرع الجزائري، منح حق الإضراب للعمال وليس للنقابة، ما يفسر جزئيا على الأقل، الغموض الحاصل في تعامل العدالة مع الإضرابات. فقد اتخذت العدالة مواقف معادية للإضرابات كقاعدة عامة، لأسباب متعلقة بالشكل في الغالب. بحجة أن النقابات لم تحترم إجراءات قانونية مُلزمة بها، قبل الانطلاق في الإضراب. إجراءات من الصعب، بل من المستحيل احترامها والتقيد بها في ظل الغموض الذي يكتنف النص القانوني المنظم لحق الإضراب في الجزائر، وإفراطه في الشكلية التي تجعله متخلفا دائما، يلهث وراء الممارسة الاجتماعية للفاعلين الاجتماعيين، كما هو حاصل في كل مجتمع متحرك. فعيب قانون العمل أنه لا يتحكم تماما في الممارسات التي يريد ان يقننها ويضبطها ليس في الجزائر فقط لكن في كل العالم.
فلماذا لا يتم التفكير في تعديل هذا القانون لمنح أدوار أكبر للنقابات في الإعلان عن الإضراب وتسييره وتنظيمه، بعد أن كبرت هذه النقابات وغادرت مرحلة الطفولة، التي تم خلالها إصدار قانون حق الإضراب منذ ثلاثة عقود؟ مسؤوليات لا يمكن تصورها إلا بعد القبول بهذه النقابات المستقلة كشريك اجتماعي فعلي يستشار ويستمع إليه، ويدمج في اللعبة الاجتماعية والسياسية، انطلاقا من قناعة أن هذه الفئات الوسطى ليست طبقات «خطيرة» معادية للسلم الاجتماعي والنظام العام. ولعل أولى الإشارات في هذا الاتجاه هي القبول بالنقابات المستقلة كشريك فعلي داخل نظام التفاوض المركزي الرسمي، كالثلاثية التي مازالت مبعدة عنها، كخطوة أولى تليها خطوات أخرى ضرورية كتغيير لغة التعامل مع هذه النقابات والتوقف عن شيطنتها. واستعداء أطراف مهنية أو اجتماعية ضدها، كما هو حال جمعيات أولياء التلاميذ كل مرة. لعبة قد تخرج الإضراب من إطاره العمالي ليحل بالشارع بحضور التلاميذ وأوليائهم، كما حصل جزئيا في بليدا وبجاية هذه المرة، ويتحول إلى ظاهرة سياسية من الصعب التحكم فيها، بعد أن ينقلب السحر على الساحر.
فالإضرابات التي يقوم بها الموظف حتى الآن تتسم بالكثير من السلمية والتنظيم. في مجتمع مازال يعبر عن موقف مؤيد للعمل النقابي، والمطالبة حتى لو تضرر منها جزئيا، كما هو حاصل مع إضراب الأساتذة، أو كما كان الحال مع اضرابات النقل الجوي في أكثر من مرة، موقف يعبر عن الثقافة السياسية المطلبية التي تميز الجزائري وتجربته الطويلة التاريخية مع الفعل العمالي في الجزائر، وقبلها في المهجر، جعلت الجزائري نقابيا ومطلبيا بالسليقة، فقد ولّى ذلك العصر الذي كان ينقل فيه الفلاح – العامل الجزائري إلى فرنسا لكي يقوم بدور «الأصفر» (وصف أطلقته الحركة العمالية الأوروبية على العمال الذين يستعملون عن جهل أو مصلحة في تكسير إضرابات رفاقهم المضربين) ضد الإضرابات العمالية التي كانت تقوم بها النقابات الفرنسية. فقد تعلم واحتك لأجيال مع العمل النقابي المطلبي ولن يرضى بالعودة لأداء الأدوار القبيحة المطلوبة منه كأصفر في بلده المستقل هذه المرة.
هذا السيناريو المتفائل في إدماج هذه الفئات المهنية وعالم الشغل عموما عن طريق الاعتراف الفعلي وليس النصي بالعمل النقابي المطلبي، الذي يتطلب من جهة أخرى تطورا نوعيا في عقائد النخب السياسية الرسمية وممارساتها، فهي مدعوة إلى قطع الصلة بالمنطق السياسي الذي يجعلها دائمة البحث عن «أياد أجنبية «تتصورها حاضرة وراء كل حراك يعرفه المجتمع الجزائري. الأهم من ذلك عليها بالبحث عن شرعية سياسية وانتخابية فعلية تجعلها فوق هذا الحراك الاجتماعي العادي، الذي لن يخلوا منه أي مجتمع عصري، متضارب المصالح. النقابات إحدى وسائل التعبير عنها وحلها بالطرق السلمية.
فليس من المعقول أن يغيب او يُغيب الوزير الأول عن المشهد السياسي، في وقت تقول فيه الشواهد كلها، إن المطالب التي ترفعها هذه الإضرابات ليست مطالب قطاعية من اختصاص وزير واحد. وزير لم يحضر في الأصل كتنشئة سياسية للتعامل مع هذا الحراك الاجتماعي، ما يجعله يتلعثم ولا يعرف ماذا يعمل وماذا يقول إلا العودة الآلية لأساليب الترهيب والتخويف التي عفى عليها الزمن، ولم تعد من أدوات هذا العصر الذي تجاوز مرحلة الإمام –مفتش العمل.
كاتب جزائري

 

الجزائر: تشريح إضراب

ناصر جابي

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left