سبعة اعوام على الربيع العربي: البحرين مثالا

د. سعيد الشهابي

Feb 19, 2018

كل ثورات الربيع العربي عمرها سبعة اعوام، لكن أغلبها تلاشى لاسباب اهمها القمع السلطوي او التدخل الاجنبي او انتهاج وسائل العنف او استدراج قياداتها للقبول بتغييرات طفيفة في اعلى هرم السلطة مع بقاء الانظمة السابقة. بقيت ثورة شعب البحرين الوحيدة التي لم تتوقف يوما منذ ان انطلقت في الرابع عشر من شباط/فبراير 2011.
وخلال هذه السنوات السبع العجاف تعددت اساليب السلطة لخنقها، ومن ذلك: أولا: القمع المفرط الذي اتخذ اشكالا شتى كالاعتقال التعسفي والتعذيب الممنهج والاعدام وسحب الجنسية والابعاد عن البلاد. ثانيا: التدخل العسكري المباشر من قبل الجيشين السعودي والاماراتي بعد اربعة اسابيع من اندلاع الثورة، وما تزال هذه القوات متواجدة ليس لحماية الحكم فحسب بل لضمان السيطرة المطلقة على البحرين مستقبلا. ثالثا: استقدام قوات اجنبية لمواجهة المحتجين بالاضافة للقوات المذكورة، فهناك 30 الفا من الباكستانيين ومفرزات من الشرطة الاردنية. كما تتواجد القاعدة العسكرية الأمريكية التي يوفر جنودها دعما احتياطيا للحكم. اما النمط السادس من الوجود العسكري فيتمثل بالقاعدة البحرية البريطانية التي تم تشييدها في السنوات الاربع الماضية بأموال من الخزينة البحرانية. رابعا: استقدام خبرات امنية واسعة للتصدي لقوى الثورة وخنقها تدريجيا. فقد بعثت بريطانيا فرقا عديدة بعناوين التدريب والاشراف على السجون وتطوير القضاء، بينما وفرت هذه الفرق دعما للنظام لتقصي المعارضين واستخدام التكنولوجيا الحديثة للتجسس المتطور. خامسا: تبني النظام منظومات مزيفة في المجالات السياسية والحقوقية، للتشويش على المطالب الاساسية. فاصبح هناك «الهيئة الوطنية لحقوق الانسان» و هيئة التظلمات» بالاضافة لمقولات «الدستور» و«البرلمان»، وكلها نسخ مزيفة للتظاهر بالاصلاح. سادسا: تبني مشروع اعلامي واسع بدعم سعودي واماراتي يهدف للتأثير على وسائل الاعلام العالمية من جهة واضعاف معنويات الجماهير، وتوظيف شركات غربية في مجال العلاقات العامة لضمان استمرار الدعم الانكلو ـ أمريكي لنظام الحكم. ووضعت الامكانات الاعلامية الخليجية لدعم النظام في البحرين بدون حدود، وتشويه صورة المعارضة باساليب عديدة. سابعا: استهداف النشطاء من المعارضين في الداخل والخارج.
ويمكن القول ان استهداف النشطاء والرموز ادى لسجن اغلبهم. ولاكمال الخطة استهدف الحكم النشطاء خارج البلاد، اما بتحريض سلطات البلدان التي لجأوا اليها ضدهم، او باستهداف عائلاتهم داخل البلاد بالاعتقال والتنكيل وتلفيق التهم ضدهم. واغلب هذه الحقائق موثق لدى المنظمات الحقوقية الدولية.
هذه الاسباب مجتمعة ساهمت في تحجيم الثورة وحصر وجودها بالاحتجاجات اليومية التي لم تتوقف في المناطق السكنية، بدون ان يسمح لها بالوصول إلى العاصمة. ولكنها لم تستطع انهاء الحراكات الميدانية المتواصلة، او تقلل من فعالية انشطة المعارضة في الداخل والخارج. وقد اظهرت فعاليات الذكرى السابعة للثورة يوم الاربعاء الماضي (14 فبراير) ان الحراك متواصل في الداخل والخارج. فقد احصى مركز البحرين لحقوق الانسان اكثر من سبعين احتجاجا وتجمعا مرتبطة بالذكرى، برغم الضربات الامنية الاستباقية التي قامت السلطات الامنية بها في الايام التي سبقت ذلك.
كما صدرت بيانات عديدة من منظمات حقوقية دولية حول الاجراءات القمعية التي اتخذتها السلطات خصوصا الاعتقالات الجماعية وأحكام الاعدام. والواضح ان إصرار داعمي الحكم في البحرين على الاستمرار بدعمه والتصدي لمعارضيه يتواصل، هو الآخر، باضطراد. وقد قدمت وسائل اعلام اولئك الداعمين خدمات اعلامية واسعة للحكم وضد المعارضة، الامر الذي اوقع بعضها في ازمات خطيرة. وفي مطلع الشهر اصدرت دائرة تنظيم البثت التلفزيوني في بريطانيا قرارا بادانة قناة «العربية» السعودية لبثها برنامجا عن الرمز السياسي المعتقل، الاستاذ حسن مشيمع،. البرنامج المذكور عرض «مقابلة» مع الاستاذ مشيمع وهو في اروقة سجن «جو» بدت وكأنها عادية، ولكن عائلة مشيمع اصرت انها انتزعت تحكت الاكراه، ولم تقدم القناة توضيحا لذلك، ورفعوا شكوى ضدها لدى المؤسسة المذكورة التي اصدرت حكمها بتغريم القناة 120 الف جنيه. ولكن الامر الذي ازعج القائمين على القناة ان الحكم الصادر يفرض عليها نشر اعتذار واضح للاستاذ مشيمع مع توضيح ملابسات المقابلة. وحيث ان الاعتذار يفقدها المصداقية ويعيد الاعتبار للمعارضة البحرانية، فقد فضلت القناة قطع الصلة مع سلطة تنظيم البث البريطانية (اوفكوم). وهذا سيمنعها من البث من المملكة المتحدة وجميع دول الاتحاد الأوروبي. كما سيخرجها من دائرة المؤسسات الإعلامية البارزة التي تخضع لجهات رقابية مرموقة تضمن التزام المؤسسات الإعلامية بأخلاقيات المهنة كالحياد والعدالة. وزاد من تعقيد الوضع ان وكالة الانباء القطرية رفعت شكوى ضد قناة العربية و«سكاي نيوز عربية» لبثهما تصريحات مفبركة نسبت إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عقب تعرض موقع الوكالة للقرصنة قبل أيام قليلة من فرض حصار على قطر.
بعد سبعة اعوام من الحراك الشعبي اصبح الوضع السياسي والامني في البحرين يراوح مكانه، فلا الحكومة مستعدة لتقديم مبادرة سياسية تستجيب لبعض مطالب المعارضة، ولا المعارضة قادرة على التصعيد المطلوب لحسم الموقف. ويوما بعد آخر يتصلب الطرفان في مواقفهما، وتتسع الهوة بينهما. ويؤكد بعض رموز المعارضة استحالة عودة الاوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاع ثورة 14 فبراير، لاسباب عديدة: اولها ان الطرفين اصبحا متنافرين بدرجة لا يمكن معها اجراء اية مصالحة. ثانيها: ان استدعاء القوات السعودية والاماراتية لمواجهة اضطرابات محلية اخرج القضية من دائرة الخلاف المحلي المحدود واضفى عليها بعدا اقليميا خطيرا. كما اضعف مصداقية مجلس التعاون الخليجي الذي تحرك بعض دوله خارج اطره التنظيمية التي تنص على ان التدخل العسكري في الدول الاعضاء لا يجوز الا في حالة التصدي لعدوان خارجي على تلك الدولة، الامر الذي لم يحدث في البحرين. وبرغم التوازن القلق بين الحكومة والمعارضة فان استمرار الازمة طوال هذه الفترة اظهر عجزا سياسيا ودبلوماسيا وبنيويا لدى نظام الحكم. فلم يستطع فتح اي باب للحوار او التفاهم حول ما يمكن عمله، واصبح مرتهنا لدى السعودية والامارات اللتين تقدمان له الدعم العسكري والمالي، فتورط في الحرب التي شنتها السعودية على اليمن. ولما افتعلت الرياض ازمة اخرى مع دولة قطر أرغم حكام البحرين على قطع العلاقات مع قطر برغم عدم وجود اي مبرر حقيقي لذلك. وعلى عكس التدخل السعودي والاماراتي السلبي في الازمة، فان ما تتحدث عنه السلطة من «تدخل قطري» انما كان في حقيقته مبادرة ذاتية من الدوحة في العام 2011 لحلحلة الامور قبل استفحالها. وكان ذلك بعلم الحكومة وموافقتها.

٭ كاتب بحريني

سبعة اعوام على الربيع العربي: البحرين مثالا

د. سعيد الشهابي

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left