فلوريدا: رصاص في مدرسة

د. مدى الفاتح

Feb 21, 2018

ما تزال الصدمة تخيم على ولاية فلوريدا الأمريكية، وبشكل خاص على أقارب وعائلات الضحايا في الهجوم الذي راح ضحيته سبعة عشر شخصاً على الأقل. من المؤلم أن يفقد أي بريء حياته بهذا النحو المفاجئ، لاسيما لو كان مجرد تلميذ في مقتبل العمر، وهو أمر يجعل من الواجب تقديم التعازي لأهالي الضحايا وللشعب الأمريكي بشكل عام.
أما إذا كان هناك ما هو إيجابي في التغطية الأمريكية لهذا الحدث، فهو تركيزها هذه المرة على الجريمة المنفذة، ومحاولة فهم دوافعها بدلاً مما كان يحدث في الهجمات التي يكون منفذوها من العرب أو المسلمين، حيث كان الإعلام الغربي يشغلنا بالحديث عن محاربة الإرهاب، وعن المشاكل التي يجلبها المهاجرون، وعن ضرورة غلق الحدود والمعابر حتى لا يتسرب التطرف و»الإرهاب الإسلامي» إلى الحضارة الغربية. دائماً ما كان الحوار ينحرف من مناقشة الجريمة إلى نقاشات حول هوية الجاني وخلفيته الثقافية. الإعلام الغربي، خاصة الأمريكي، ماهر في ذلك مهارة المحترفين، فعوضاً عن إقناع الرأي العام بأن المشكلة هي مشكلة اجتماعية بالأساس، وأن أحد جوانب الحل هو تقنين استخدامات حمل السلاح، وتضييق نطاق تداوله، يسعى ذلك الإعلام إلى تغذية التطرف والشعبوية، عبر الحديث عن شرور «الآخرين»، سواء المهاجرين القادمين حديثاً، أو حتى المواطنين من غير البيض. تأخذ الشعبوية حظها من الانتشار بشكل يجعل مرشحها دونالد ترامب المطالب بإغلاق نوافذ الهجرة وبناء جدار مادي على الحدود مع المكسيك رئيساً للولايات المتحدة.
إلا أن هناك ما هو أشد خطراً من هذا الجدار العازل وهو، الجدران الثقافية والمعنوية، التي يشرع الإعلام ودهاة السياسة في بنائها من خلال التلاعب بالعقول والتوجهات، عبر محاولة الفصل بين الثقافات والشعوب، بزعم أن بعضها محارب للإنسانية ومساند للإرهاب بطبعه. الإيجابي هو أن الإعلام الأمريكي لم يستطع هذه المرة القفز على معطيات الواقع، أو اللجوء إلى استراتيجية التقليل من شأن الهجمات التي يعتبر أن تسليط الضوء عليها يمثل إحراجاً. لم يكن ذلك ممكناً بسبب العدد المرتفع للضحايا، مقارنة بهجمات مماثلة. على ذكر الهجمات المماثلة يكفي أن نتذكر أنه وقعت 283 عملية من هذا النوع في الولايات المتحدة منذ عام 2013 كان آخرها حادثة مشابهة في مدرسة في ولاية كنتاكي راح ضحيتها طالبان.
هناك عدة زوايا يمكن من خلالها النظر إلى حادثة فلوريدا الأخيرة. لعل أهم هذه الزوايا في نظرنا، هي ضرورة الاعتراف بأن هناك مشكلة في النظام المدرسي الأمريكي. هذا النظام الذي لم يفشل فقط في منع خروج منحرفين ومجرمين يبدأون حياتهم بالتدرب على إطلاق الرصاص، بل، أكثر من ذلك، فشل في نشر وعي مجتمعي يخفف من البؤس الذي تعيشه المدن الأمريكية، التي تزداد فيها معدلات الجرائم كل يوم، لدرجة يصبح فيها الخروج في وقت متأخر في بعض المدن بمثابة المجازفة. لا يمكن بالطبع تحميل المؤسسة التعليمية الأمريكية وحدها المسؤولية، فهي مجرد جزء من منظومة معقدة ترتبط فيها هذه الصورة القاتمة لإطلاق نار في مدرسة، بصور أخرى متعددة لجرائم متنوعة، يختلط ما هو اقتصادي فيها بما هو سياسي، إلا أن هذا النظام التعليمي بشكله هذا، الذي نراه فاشلاً بالنظر لمخرجاته ومنتجاته، يجد الكثير من الاستحسان في دول العالم المصابة بعقدة الانبهار، حتى أن محاولات نقله إلى دول العالم الثالث تكاد لا تتوقف. حتى لا يساء فهم ما نقول فإنه يجب التفريق هنا بين النقل السلبي والاستفادة من التجارب الأخرى، فالمذموم هو ذلك النقل، الذي كنا نسميه أيام المدرسة «نقلاً بالمسطرة»، بمعنى نقل كل شيء بلا تفريق بين ما هو صالح للتطبيق في كل مكان، وما هو ثقافي خاص ببيئة معينة، وهي إشكالية انتبهت لها مؤخراً بعض المدارس والمعاهد في العالم العربي من التي كانت تفتخر لسنوات بنقلها لذلك المنهج الأوروبي أو الأمريكي بشكل صافٍ، وبدون أي تدخل، حيث بدأت تصل إلى نتيجة مفادها أن ذلك لم يكن أمراً يستحق الفخر، وأن من المهم وضع البصمة الثقافية والحضارية الخاصة بكل بيئة ومجتمع.
عقدة الانبهار هذه تجعلنا دوماً في حالة دفاع مستميت عن النفس، مدننا تخضع للتقييم من قبل «العالم الأول» من حيث معايير السلامة والأمن، لكن لا أحد يناقش أو يتعرض بالتقييم لحالة المدن الغربية، خاصة الأمريكية. كذلك تكون مناهجنا في العالم العربي والإسلامي في موضع التساؤل والمطالبة بالمراجعة، لأن بعض أبنائنا تورطوا في أعمال عنف وإرهاب، قد يكون للمناهج الدراسية دور فيها، في حين لا يدرس أحد محتوى المناهج الأمريكية، وما إذا كانت تكرّس صوراً نمطية وتصورات خاطئة تحتاج للمراجعة عن حقيقة العالم.
الزاوية الأخرى التي تتم الإشارة إليها في كل مرة تحدث فيها مثل هذه الهجمات هي زاوية الحق في حمل السلاح. ذلك الحق تكفله مادة في الدستور الأمريكي ظلت محل جدل بين لوبي السلاح المتنفذ وعدد من علماء الاجتماع وخبراء الجريمة من الذين كانوا يطالبون بتقنين هذه المسألة. الرئيس باراك أوباما كان يدعم اتجاه التقنين الذي لا يلغي الحق في التسلح بشكل مطلق، ولكنه يطالب الجهات المعنية بالتأكد من التاريخ الإجرامي والحالة النفسية لمن يريد حمل السلاح، منعاً لوقوع جرائم يكون منفذوها من المنحرفين أو المرضى، لكن حتى هذه المبادرة المتواضعة لم يكتب لها النجاح، حيث يصر المشرعون الأمريكيون على التمسك بظاهر النص الدستوري حول الحق المكفول لأي شخص بحمل أي نوع من السلاح مهما كان معقداً، وإن كان من نوع هذا الرشاش الأوتوماتيكي الذي يطلق عشرات الرصاصات المتتابعة، والذي تم استخدامه من قبل شاب فلوريدا. إذا كانت الجماعات المطالبة بالتقنين، فشلت في عهد الرئيس المتحمس باراك أوباما في أن تصنع أي اختراق، فإن من المستبعد أن تنجح في ذلك تحت سلطة الرئيس ترامب الذي يجمع بين الشعبوية والتحالف مع رجال المال والأعمال الذين يشكل تجار السلاح عمودهم الفقري.
من جانب آخر فإنه لا شك بأن تغطية هذه الحادثة المأساوية كانت لتكون مختلفة كثيراً لو كان أحد العرب أو المسلمين متورطاً فيها. ربما كان سيتهم «المتطرفون المسلمون» بكل شيء، وبأنهم السبب في وصول أمريكا لهذه الحالة من انعدام الأمن، وربما كنا سنسمع اقتراحات كارثية لحل هذه المشكلة الاجتماعية الخاصة والفريدة من نوعها، من قبيل اقتراح مزيد من التدخلات الأمريكية الخارجية.
هذا الهجوم المؤسف والمحزن وضع الولايات المتحدة في مواجهة نفسها ومشكلاتها الحقيقية بشكل يجعل التهرب أو التذرع بمشجب «الآخرين» غير مجدٍ ولا موضوعي.
كاتب سوداني

 فلوريدا: رصاص في مدرسة

د. مدى الفاتح

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left