ذكريات صحافية من تونس

محمد كريشان

Feb 21, 2018

قابلته صدفة في أحد شوارع العاصمة المكتضة، لم يتركني أكمل سلامي حتى سارع يقول في ما يشبه الاعتراف أو التوضــيح، لا أدري، «والله العظيم لا دخل لي في إيقاف برنامجك في الإذاعة التونسية لست أنا من نقل كلامك الذي قلته في حفل السفارة الأمريكية.»….
صدمني كلامه، ليس فقط لأن علاقتي بذلك الزميل الصحافي لم تكن حميمة إلى درجة تحمله على الاعتراف أوالتوضيح، وإنما أيضا لأنني حتى ذلك اليوم من خريف 1993 لم أكن عثرت على أي سبب، وجيه أو تافه، أبرر به لنفسي أو لغيري السبب الذي جعل إذاعة تونس توقف برنامجي السياسي الأسبوعي التحليلي «أحداث عربية» دون إبداء أي سبب، وبعد أشهر قليلة من حصولي على أعلى جائزة سنوية يقدمها رئيس الدولة لأحسن عمل صحافي وإذاعي وتلفزيوني.
ما يدعو إلى الاستغراب أيضا أن وقف البرنامج جاء بعد أسابيع قليلة من عودتي من واشنطن حيث كنت ضمن الصحافيين الذين اصطحبهم الزعيم الراحل ياسر عرفات في طائرته الخاصة في رحلة التوقيع على اتفاق أوسلو في 13 أيلول/سبتمبر 1993 في حديقة البيت الأبيض. كان الرئيس بن علي آنذاك في قمة الغضب لأن محمود عباس، الذي وقع الاتفاق باسم منظمة التحرير الفلسطينية، لم يشد في كلمته بتونس وقيادتها في التوصل إلى هذا الاتفاق.
ولكن ماذا الذي جرى أصلا في حفل السفارة الأمريكية؟ كنا مجموعة من الصحافيين التونسيين والدبلوماسيين الأجانب نتجاذب أطراف الحديث حول اتفاق أوسلو وتطرق الحديث طبعا ذلك الغضب فما كان مني سوى التبرع برأي قلت فيه أمام هؤلاء أن التونسيين بالغوا في مسألة لا تستحق كل هذا الاستياء.
ما فهمته من صاحبنا أن أحد «أبناء الحلال» حمل هذا الكلام في شكل وشاية إلى «المعنيين» الذين عاقبوني بإيقاف البرنامج. ربما، قلت في نفسي وبدأت سريعا أستعيد الحوار الذي جرى بيني وبين مدير الإذاعة محمد رؤوف يعيش الذي كان يراجع برنامجي قبل تسجيله. كان أبرز ضيف حلقتي تلك الرئيس عرفات نفسه الذي سجلت معه في الطائرة. كان المدير طلب مني أن أشير إلى ما سماه الدور البارز الذي لعبه الرئيس بن علي في التوصل إلى هذا الاتفاق التاريخي. جادلته طويلا وقلت له إن طبيعة البرنامج تحليلية لا دعائية وإنني سأجد السياق المناسب للإشارة إلى تونس بلا تكلف أو نفاق قد يسيء للرئيس ولا يخدمه. إذن قد تكون مكالمتي مع مدير الإذاعة حول هذه المسألة مع «التقرير» إياه الذي رفعه أحدهم عما قلته في حفل السفارة الأمريكية قد أنضج قرار إيقاف البرنامج.
عن نفس الموضوع كان لي أيضا حديث مع شخص آخر… هذه المرة ليس زميلا ولم أقابله صدفة في الشارع. هو الوزير المستشار لدى رئيس الجمهورية الماسك بكل كبيرة وصغيرة في ملف الإعلام وقد ذهبت إلى مكتبه في قصر قرطاج.
كنت أنا من طلب هذا الموعد مع عبد الوهاب عبد الله ذات يوم من أيام عام 1998 أو 1999. ذهبت إليه لأشكره على تدخله الشخصي لاستخراج جواز سفر جديد لي بعد أن أضعت جوازي في الدوحة إذ خشيت أن تعمد السلطات إلى التسويف في الأمر لعدم الود القائم بين تونس و«الجزيرة». كان هو من هاتفني ليقول لي إذهب إلى سفارتنا وتسلم جوازك الجديد، لقد سألتني وزارة الداخلية في الأمر وقلت لهم «لا مانع أبدا… فهذا إبننا».
لم تكن تلك أول مرة أقابل بها فيها عبد الله، هذا الرجل الكتوم والمخيف، فقد درسني في الجامعة لسنتين كما أنني عملت مساء على بدالة الهاتف، في صحيفة «لابراس» الحكومية التي كان مديرها لأساعد والدي المرحوم في تحمل مصاريفي.
هو أيضا سارع في بداية جلستنا ليقسم بالله وبأولاده أن لا دخل له على الإطلاق في إيقاف برنامجي الإذاعي رغم مضي سنوات على ذلك. قلت له «سي عبد الوهاب لم يقل لي أحد ذلك، لكن ما قيل لي هو أن كلاما قلته أنا ووصل إلى الرئيس فغضب وأمر بإيقاف البرنامج». رد بالقول «لا أبدا.. لو كان الأمر كذلك لكنت علمته طبعا، إن لم أكن أنا من أبلغه به». عقبت بالقول» لو أن الرئيس يغضب أو يفرح من كلام قلته أنا وقتها فذلك يعني أني شخص مهم جدا دون أن أدري!!».
ضحك وضحكت دون أن أعرف حقيقة في النهاية ما جرى فعلا، لكني لم أفوت هذه الفرصة لأقول لأستاذي، الرجل القوي والنافذ في محيط الرئيس، الذي سجن لفترة بعد رحيل بن علي قبل أن يستعيد حريته. «على كل، الآن واجب علي شكركم على ما فعلتموه، كان ذلك أحد الأسباب التي دفعتني إلى مغادرة البلاد وخوض غمار تجربة مشوقة كالتي أعيشها الآن». ولم يعقب!!

٭ كاتب وإعلامي تونسي

ذكريات صحافية من تونس

محمد كريشان

- -

1 COMMENT

  1. رب ضارة نافعة، سبحان الله، لاحظت من حواري مع الجنسين، بغض النظر عن اللغة التي تحاورنا بها على أدوات العولمة والاقتصاد الإلكتروني، كأن طريقة تعامل الرجل أساسها الحكمة أكثر، بينما طريقة تعامل المرأة اساسها الفلسفة أكثر، فالحوار من خلال التدوين على الآلة بين ثقافة الـ أنا وثقافة الـ آخر، أظهر لنا أبعاد جديدة لطريقة القراءة والفهم والتعبير، لم نكن نعرفها من خلال الحوار وجها لوجه، ثم العولمة واقتصادها الإلكتروني، أثبتت الإنسان ليس آلة أو حيوان أو نبات، ولكل منّا قاموسه الشخصي لمعنى المعاني يختلف عن قاموس الـ آخر لاختلاف خلفية وخبرة كل منّا، ثم أي جزء من أي نص سيثير لدى أي منّا انطباعات مختلفة، ولاحظت الذكي هو من يحاول الاستفادة من جميع الزوايا التي انتبهت إليها ثقافة الـ آخر، وغير ذلك من يظن أن ما توقع أن يثير فضول لدى ثقافة الـ آخر ما ثار لديه (القولبة والتنميط في منطق/فلسفة/تفكير الآلة)، ومن هذه الزاوية تفهم سر انخفاض الإنتاج بشكل عام في مؤسسات القطاع العام مقارنة مع مؤسسات القطاع الخاص، وسر شبح الإفلاس يطارد دولة الحداثة وثقافة الـ أنا أولا ومن بعدي الطوفان، بداية من اليونان مهد الفلسفة منذ عام 2008 رغم كونها عضو في الاتحاد الأوربي، النموذج العملي لمشروع مارشال عام 1945 كأساس لمفهوم العولمة والاقتصاد. لأن في أي موضوع بدون تشخيص حقيقي بعيدا عن مجاملة فلان أو احتمال أن يزعل علان، هنا يظهر أهمية حصار قطر الذي بدأ 5/6/2017 بعد 50 عام من فضيحة النظام الرسمي العربي، لتكون تقارير الجزيرة الصحفية بلا مجاملة وخوف من زغل.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left