التنمية المستدامة سؤال الثقافة الناقص

عبد الحفيظ بن جلولي

Feb 21, 2018

لم يخطر على بالي أن يكون ذلك الصباح الباكر نقاشيا وثقافيا وروحيا وأنا ألتقي في المقهى الباحثة الفرنسية في التنمية المستدامة Andrée Dagorne والباحث الجزائري في الطاقات المتجدّدة شريف بنو جعفر، قبل توجّهنا في رحلة إلى «تاغيت»، تلك الواحة السياحية الخلابة في الصّحراء الجزائرية، التي يتميّز رملها بخصائص علاجية فريدة منها علاج الروماتيزم.
الجذور وعلاقات الحضور في التنمية:
عندما تؤكد التنمية المستدامة على الاستثمار في عناصر البيئة، وترميم الكسور بين الإنسان وما يحيطه، وتقوية علاقة المعنى مع الأشياء، فإنها بذلك تستثمر في العمق الإنساني بما يتوافق في داخله وجذور المنشأ والتكوين البدئي، وهو ما يحيل إلى منطق العودة إلى الجذور، أو ما اصطلح عليه جون ميجر في منتصف تسعينيات القرن الماضي بـ»العودة إلى الأساسيات».
امتدّ حديث خاطف مع باحثة فرنسية في المجال إلى المدينة الروحية «القنادسة» الواقعة جنوب غرب الجزائر، التي شهدت إضاءة أول مصباح في إفريقيا كلها سنة 1913، وكانت منارة للعلم والروح، أسّس فيها الشيخ الصوفي العارف بالله سيدي محمد بن بوزيان، صاحب الطريقة الزيانية، زاويته، في أواخر القرن السابع عشر، وباشر مهام التدريس فيها، ويُروى أنّ الملياني وهو أحد العارفين زارها، ومكث فيها ثلاثة أيام وغادرها لأنّه لم يجد فيها سوى الرّيح والبعوض وندرة الماء، وهي العناصر ذاتها التي تغلب على سلبيتها خلفه في المنطقة، فالروح، والقصد فيها القيم، تتأسّس دافعة لحركة الإنسان في التاريخ والواقع.
عرّج بنا النقاش نحو بيير رابحي باعتباره عالما فرنسيا أيكولوجيا ومن المتخصّصين في الزراعة البيئية، وباعتباره أيضا ابن مدينة «القنادسة»، وتجربته تستدعي استحضار الاستثمار في البيئة من خلال استغلال عناصرها بطريقة تدعّم المنتج البيئوي كي لا تستنفده الرغبة اللامحدودة للإنسان لاستدامة معيشه.
القيم ومسار التنمية:
إنّ مفهوم الاستدامة في التنمية المتعلق باستغلال عناصر البيئة، وبالتالي المحافظة عليها أو دعمها، يقذف في الوعي المناهض صورة لعولمة تتغوّل وتثير زوبعة الاستهلاك المتجدّد واللامعقول، مستغلّة الغريزة المتجذّرة لدى الإنسان في الإقبال على السوق كرمز للعرض مقابل الطلب الذي يقوّيه، وبالتالي تقنين عملية الاقتناء بما يتوافق وعملية التحكم في إرادة البشر، ليصبح منطق القطيع هو السائد، بمعنى توجيه الحاجة المعيشية وفق ما سطّره نظام السيطرة العالمي، فالرأسمالية انتقلت من إيجاد المنتَج للمستهلك إلى إيجاد المستهلك للمنتَج، حسب فكرة ماركس.
لا تتحرّك التنمية بدون الوعي الفطري بمحبّة الطبيعة وصداقة البيئة ومحاولة ربط العلاقات معهما في إطار التبادل القيمي، ومن هنا كان الوعي بعناصر البيئة كونها مكمّلة للواقع البشري في كينونته، فكلاهما الإنسان والبيئة ينتهيان، لكن في الوقت ذاته، شجرة الحياة تنمو من خلال ما يخلفه المتناهون إلى الموت من وعي بالعلاقة التكاملية والتنموية بين الإنسان وبيئته، وفي هذا تكمن جمالية ربط التنمية بالاستدامة، فهذه الأخيرة لا تتحصّل بالنسبة للتنمية إلا إذا توفر شرط الوعي بها، أي تواصل الإنسان مع عناصر بيئته التي تضمن له الاستمرار في إطار الحفاظ على ما يمكن تسميته «فتوّة البيئة»، بحيث لا تفقد قوّتها والظهور بمظهر الاكتمال المحقّق لمسعى التراحم في إطار إنسانية لا تدير ظهرها للعلاقات، حينما يتغلّب الإحساس القوي بالمادّة والمصلحة، ولهذا ينفر عبد الوهاب المسيري من العلاقات التعاقدية التي تقيس الأمور بمعيار المنفعة، ويؤكد على العلاقات التراحمية التي تعتمد معيار الإنسان، ويرى طبقا لذلك أنّ العلاقات التعاقدية تُخضع الإنسان لمفهوم التسليع، ومن التراحم ينبثق معنى التواصل مع الطبيعة لا إخضاعها، وهو ما حقّقه مجيء الصّوفي سيدي محمد بن بوزيان إلى مدينة «القنادسة» في القرن 13، حيث بادر إلى تهيئة الفضاء ليصبح متناغما مع المستوى الرّوحي لساكنيه.
الثقافة العميقة في مواجهة حداثة السحق:
ليست عودة الإنسان إلى البيئة ضرورة وحسب، بل هي أعمق من ذلك، إنّها صورته المفقودة في عالم لم يعد للقيمة فيه أي معنى، فحينما تتحكم في واقع الإنسان حركة الآلة، ويصبح الروبوت هو البديل عن التقارب الجسماني بين الذوات، والمحاصيل الزراعية المعالجة جينيا والمستنبتة في البيوت البلاستيكية هي سماد النمو البيولوجي، يندثر الشعور الطبيعي بنبض الأرض وهي تتسرب إلى العمق النفسي، من خلال رائحة التراب والجسد في العلاقات بين الموجودات، ويؤثر ذلك على كيفية التفكير في البيئة والأسرة والمعمل والمدرسة، ويحل تدريجيا التعامل الآلي مع نمط الحياة، الذي ييسّر نسق العيش باختزال الزمن والجهد، ولكن في الوقت ذاته تفقد الثقافة العميقة التي سحقتها حداثة الوسائط الجديدة، وتتميّز هذه الثقافة بالقرب من كل ما هو تواصل في حميمية الأشياء المتسقة مع الوضع الإنساني في ماهيته التواصلية، باعتبار «إن الاجتماع الإنساني ضروري، فالإنسان مدني بالطبع بمعنى أنه لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية. وهو بالتالي معنى العمران»، ومن هذا المفهوم الخلدوني للاجتماع الإنساني، قد نستشف العلاقة التي تنهض بالعمران، والتي حصرها في ضرورة الاجتماع، أي الانطلاق من بيئة محدّدة بعنصري التركيب والتجميع، اللذين منهما تنبثق عوامل التواصل والتعاون والتراحم، في نطاق فهم عميق للعلاقة مع عناصر البيئة التي تنطلق منها ثقافة التنمية المستدامة، ولعل تلك العناصر هي التي تفنّد المسعى الحداثي في تبني مفهوم السرعة المختزل للزّمن، كمحاولة لتخليص الإنسان من الجهد الزائد، لكن في خضم هذه السرعة يتنامى خطر فقدان الوعي بالحركة المنتبهة لحقيقة الإنسان الوجودية، التي تتطلب التناغم مع معطيات الوضع الكوني السائر إلى نهاياته في تناغم باهر مع كينونته وطبيعته، وهي العناصر ذاتها التي وجّهت الوعي الإنساني إلى فضائل التخلص من القمامة، عن طريق ترقية طرق استرجاعها والاستفادة منها في مجالات أخرى والتفكير الطبيعي في الاستثمار في المناخ وعناصره، من البرودة والحرارة في تحولاتهما وإنتاجهما للفضاء الإيكولوجي المتناسق والطبيعة البيولوجية للإنسان، والبيئية بالنسبة لمظاهر الطبيعة.
الخلدونية ومفهوم التنمية المستدامة:
تجمع رؤية ابن خلدون بين الاجتماع الإنساني أو المجتمع كطبيعة تميّز البشر، والعمران الكاشف لشكل هذا الاجتماع، والمدنية كبنية لمجموع العلاقات الناظمة لحركة المجتمع والعمران، وبتمييز ابن خلدون بين الاجتماع والعمران، يكون بذلك قد أرسى دعائم طبيعة التنمية التي تسود مجتمع ما في علاقته بالعمران والمتميّزة بالمدنية، ومفهوم المدنية هو الذي يمنح النباهة الإنسانية وعيها بعناصر المحيط البيئية وعناصر العلاقات الإنسانية، ولذلك جعل الاجتماع الإنساني ضرورة لأنّ الإنسان مدني بالطبع يحكمه التواصل، بما يوفر له فرصة العودة أو التفكير المستمر في الجذور، فبعض عناصر البيئة المحلية تستثمر في التنمية المستدامة باعتبارها حسب تعريف غرو هارلم براندتلند، الوزيرة الأولى النرويجية سنة 1987، «تنمية تستجيب لمتطلبات الحاضر، بدون إضعاف قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة» أي المحافظة على الموارد البيئية. لقد لاحظت الباحثة الفرنسية أن المنطقة تتوفر على كل العناصر اللازمة لانطلاق التنمية المستدامة، ومع ذلك لم تر لها أثرا يذكر، وأُرجع السبب ربما إلى عدم انبثاق الحوار الشامل والبسيط في عمومياته لتسهيل تداول الخطاب، ولذلك انتشر في أوروبا ما يسمى بالفلسفة الشعبية وفلسفة اليومي.
كاتب جزائري

التنمية المستدامة سؤال الثقافة الناقص

عبد الحفيظ بن جلولي

- -

2 تعليقات

  1. المقال غنية بالمعارف التاريخية و الرؤية الإيكولوجية لكن المشكلة الموجدة في منطقتنا أقصد الجنوب الغربي من الجزائر تحديدا مدينة بشارانعدام الثقافة البيئية لدى ساكنة المدينة وكذا غياب دور المجتمع المدني في التحفيز على ضرورة أستغلال كل ما له علاقة بالتنمية المستدامة.

  2. شماعة العولمة والبنك الدولي التي يستخدمها موظف القطاع العام، للتغطية على فشله في المنافسة لإيجاد سوق، فيما ينتجه من منتجات بغض النظر كانت فكرية/مادية، ويكون العائد الاقتصادي منها، يكفي لتغطية احتياجات الدولة والشركة والأسرة داخل حدود الدولة، بغض النظر كانت الدولة في أمريكا أو أوربا أو آسيا أو حتى أفريقيا، والدليل اختلاف مستوى الدخل في هوليود (أمريكا) عن بوليود (الهند) عن نوليود (نيجيريا).
    أظن إشكالية النظام البيروقراطي على أرض الواقع بشكل عام، هو مفهوم التقليد كالببغاء في ثقافة دولة الحداثة، والفضيحة هي مسألة التعليم ومناهجه فيها كذلك، بلا فهم ولا استيعاب كما هو حال طريقة كتابة مصطلح البيروقراطية نفسه، فكيف سيكون هناك تنمية ومستدامة في مثل هكذا نظام عندما لا يعترف بأهمية الـ آخر (القطاع الخاص مثلا بعيدا عن القطاع العام)، ومن هنا أهمية أي دولة ترغب في زيادة إيراداتها عليها سؤال نفسها، السؤال الصريح التالي: هو لماذا الإنسان والأسرة والشركة يتهرّب من التدوين في سجلات الدولة؟ الجواب ببساطة لأن الرسوم والضرائب التي فرضتها الدولة غير منطقية ولا موضوعية وليس لها أي علاقة بالخدمة التي سيحصل عليها أي إنسان أو اسرة أو شركة في القطاع الخاص من الدولة، فالكذب والضحك على الـ آخر هو أول رد ستسمعه من أي موظف إن لم يكن الجهل بحيثيات كيف تم حساب الرسم أو الضريبة.
    http://www.iog.ca معهد الحوكمة الكندي، اقترح في المؤتمر الدولي للحوكمة واللامركزية الذي عقده في بغداد يومي 24 و25 من الشهر الأول 2018 لحل إشكالية دولة الحداثة الديمقراطية من أجل طرد شبح الإفلاس عنها والوصول إلى المساواة والعدالة، البداية في تعليم لغة الأقلية بنفس حق تعليم اللغة الأم مع اعتماد الحوكمة اللامركزية بواسطة الأتمتة في الدولة. وأظن الأسلوب لتحقيق ذلك من خلال اعتماد اقتصاد الأسرة (مشروع صالح التايواني) بدل اقتصاد الفرد (رأسمالي/شيوعي/مختلط)، فهو سيعتمد أسلوب موحد لتعليم كل اللغات ومن ضمنهم لغة الآلة، في ضوء ما طرحه البنك الدولي كي يمنع الدولة من فشل سداد دين بخمسة أركان هي (الحوكمة (الحاجة أم الاختراع)، لوحة المفاتيح (الأتمتة)، الحرف (الأصوات والموسيقى)، الكلمة (معنى المعاني وهيكل الصيغ البنائية في القاموس)، الجملة (للتواصل والاتصال والتكامل ما بين ثقافة الـ أنا وثقافة الـ آخر في أجواء العولمة والاقتصاد الإلكتروني)).

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left