حادثة تعذيب أطفال التوحد تقسّم التونسيين وتتحول إلى قضية رأي عام في البلاد

Feb 21, 2018

تونس – «القدس العربي»: تحولت حادثة الاعتداء على أطفال في أحد المراكز المتخصصة بعلاج التوحد إلى قضية رأي عام في تونس، حيث أثارت القضية انقساما بين التونسيين، فبينما دعا العشرات إلى محاكمة المسؤولين عن هذه الأمر، اعتبرت برلمانية أن مديرة المركز تتعرض لـ»مؤامرة» من قبل بعض الأطراف المنافسة، فيما استغل عدد من رجال الدين الحادثة لدعوة السلطات إلى عدم إغلاق «المدارس القرآنية» التي اعتبروا أنها بديل جيد عن هذا النوع من المراكز.
وكان عشرات النشطاء تناقلوا فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن مشاهد صدامة لمعلمات يعنفن أطفال مصابون بالتوحد في مركز خاص لعلاجهم يقع في ولاية «أريانة» المتاخمة للعاصمة، وهو من أثار صدمة في المجتمع التونسي ودعا الآلاف لمطالبة السلطات بإغلاق المركز فورا ومحاسبة أصحابه وجميع العاملين فيه.
وسارعت الحكومة للتدخل، حيث تم اصدار إذن قضائي من قبل قاضي الأسرة لإخضاع جميع الأطفال في المركز إلى الرقابة الطبية والنفسية من قبل أخصائيين من وزارتي الشؤون الاجتماعية والتربية، كما بدأت وزارة العدل بالتحقيق في الحادثة.
وأصدرت وزارة الداخلية بيانا أكدت فيه إيقاف صاحبة المركز ومعلمتين تعملان فيه، حيث اعترفت الموقوفات بصحة ما ورد في شريط الفيديو، على أن تتم مباشرة قضية عدلية ضدهم بتهمة «التعذيب وسوء معاملة القصر والإعتداء بالعنف على الطفولة»، فيما أشارت وزارة المرأة والطفولة إلى احتمال إغلاق المركز بشكل مؤقت أو نهائي.

غوانتانامو خاص بالأطفال

وقالت صاحبة الفيديو المسرب وتدعى «عائشة» وهي إحدى المعلمات داخل المركز، إن الفيديو رغم بشاعته لا يصف حقيقة ما يتعرض له الأطفال داخل المركز من سوء للمعاملة والتعذيب الشديد، وأشارت إلى أنه أشبه بـ«غوانتانامو» خاص بالأطفال، لافتتة إلى أنها قدمت شهادتها حول الموضوع للنيابة العمومية.
وكان موقع الصدى الإلكتروني هو أول من نشر الفيديو المثير للجدل، حيث كشف مدير الموقع الإعلامي راشد الخياري عن أن الفيديو الذي تم بثه هو جزء صغير من الفيديو الأصلي الذي تبلغ مدته ساعة ونصف حيث «التقطت المشاهد بكاميرا خفية على مدى 30 يوماً كاملة ما يعني أن العملية ممنهجة و تجري كل يوم»، مشيرا إلى أن الفيديو الأصلي يوثق أيضا لقيام مديرة المركز هالة الشنوي بنفسها بصفع أحد الطلاّب.
ودعا إلى إغلاق المركز، ووصف كل من من يدافع عن صاحبته بأنه «مجرم»، مشيرا إلى أن أحد الإعلاميين في التلفزيون الرسمي قام بارتكاب «جريمة تبييض مركز تعذيب أطفال التوحد وإستغلاله لمرفق عمومي ملك لكل الشعب في عملية مفضوحة و قذرة»، مهددا بـ«تدويل القضية» في حال لم تتخذ السلطات الإجراءات اللازمة لمنع هذا النوع من الانتهاكات.

الإعلام يبيض صورة المركز

وكتب الباحث سامي براهمي على صفحته في موقع «ما يقوم به منشّط برنامج 75 دقيقة (شاكر بالشيخ على الوطنيّة الأولى لا يقلّ خطورة عن جريمة تعذيب الأطفال المصابين بالتوحّد: تبرير الجريمة والتغطية عليها وتبرئة مديرة المركز والتشكيك في خلفيات الشّريط وملابساته مشاركة في ارتكاب الجريمة»، وأضا ي تدوينة أخرى «مازلت تحت هول الصّدمة والألم والحزن والغصب ممّا تعرّض له هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين يحتاجون رعاية خاصّة تخرجهم من حالة التوحّد التي يعانون منها، هذه الحالات تحتاج مراكز رعاية تحت اشراف الدولة ورقابتها المباشرة لاجتناب هذه الانتهاكات الخطيرة، وعلى الاولياء القيام بدورهم في المراقبة والمتابعة».
وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية أكدت أن المركز المذكور يعمل من دون ترخيص قانوني، وهو ما أثار جدلا آخر حول السماح له بالعمل لعدة سنوات من دون ترخيص وبالتالي من دون أي رقابة من قبل الوزارة.
وعبرت المعلمة حذامي الجبالي (إحدى المتهمات بقضية التعذيب) عن امتعاضها من الهجوم ضد المركز، حيث دونت على موقع «فيسبوك»: «على أساس كلكم ملائكة ولا تضربون صغارا ، وعلى أساس لم يتعرّض أي منا من الضرب من قبل معلمه. شعب منافق».
وتداول التدوينة حوالي ألف مستخدم، وهو ما عرض الجبالي لهجوم شديد من قبل مئات المستخدمين، وطالبوا منها الصمت والاستعداد لتلقي عشرات القضايا التي قالوا إنهم سيرفعونها ضد المركز والعاملين فيه.

مؤامرة من مراكز منافسة

على صعيد آخر، دافع البعض عن مديرة المركز، حيث اعتبرت البرلمانية مباركة البراهمي أن المديرة هالة الشنوفي تتعرض لمؤامرة من قبل المراكز المنافسة، ودونت على صفحتها في موقع «فيسبوك»: «لا أحد يجد تبريرا لهذا الفعل (ضرب الأطفال) إطلاقا، في حقّ هذا الطفل او في حقّ غيره. خاصة امهات وآباء أطفال التوحّد الذين يتألّمون في اليوم ألف مرّة. لكن الخطير هو ان يتحوّل هذا الحادث الى معركة شخصيّة ضدّ السّيّدة هالة الشّنّوفي في إطار منافسة رخيصة. الغريب هو دعوة بعض الاصوات التي لا علاقة لها بأولياء هؤلاء الاطفال إلى إغلاق المركز. هل نحاسب من اذنب ام نغلق مركزا كانت صاحبته من المتخصّصين المبدعين الذين حوّلوا حياة هؤلاء الاطفال من التوحّد والعدم الى المشاركة والفعل والإبداع أيضا».
وأشارت إلى أنها تدافع عن الشنوفي نتيجة تجربة شخصية معها في المركز، مشيرة إلى أن الشنوفي عالجت ابنتها التي تعاني التوحد، مشيرة إلى أن ابنتها منتهى «خرجت من حالة التوحّد الذي تعمّق بعد صدمة اغتيال والدها (محمد البراهمي) الى منتهى التي تكتب وترسم وتغني وتحفظ القرآن. لذلك فإنّ للسيّدة هالة الشنّوفي دين في رقبتي الى يوم الدّين. المركزلأطفالنا قبل ان يكون لها. فحرّكوا معارككم التنافسية الرخيصة بعيدا عن أبنائنا وعن مدارسهم». كما تحدث خالد الكريشي عضو هيئة الحقيقة والكرامة عن تجربته «الجيدة» مع المركز المذكور، حيث كتب على موقع «فيسبوك»: «بما اني والد الطفل محمد عبد الناصر كريشي احد اطفال المركز المذكور فانه يهمني توضيح ما يلي: حين ادخلت ابني للمركز في اكتوبر 2013 كان يبلغ من العمر اربع سنوات وكان لا يتكلم ولا يسمع. (…) واخيرا تحصّل على معدل 16. 70 بالسنة الدراسية 2017/2018 واصبحنا نعاني من كثرة كلامه المتواصل وثرثرته الجميلة (…) ولم الاحظ عليه تعرضه لاي مظهر من مظاهر العنف او المعاملة القاسية».
وأضاف «ان ما وقع من انتهاكات وعنف في حق بعض اطفال المركز كما وثقه الفيديو مرفوض ومدان ولا يمكن تبريره باي شكل من الاشكال، والقضاء هو الجهة الوحيدة المخولة لتحديد المسؤوليات وتسليط ما يراه صالحا من عقوبات طبقا للقانون بعيدا عن تاثيرات الشارع والغوغاء. لا مجال لتسليط اي عقوبة جماعية بحق المركز بالغلق الذي سيكون ضحيته هؤلاء،الاطفال، فالفعلة شخصية والعقوبة شخصية (ولا تزر وازرة وزر أخرى). لا للعقوبة الجماعية. نعم لتطبيق القانون».

المدارس القرآنية بديل ممكن

من جانب آخر استغل بعض رجال الدين الحادثة لدعوة السلطات إلى عدم إغلاق «المدارس القرآنية»، حيث تساءل الداعية بشير بن حسن «الطّفولة في تونس إلى أين؟ بين أوضاع المدارس المُزرية وانحرافات الشوارع وانعدام مراكز التأطير والترفيه الهادف وإغلاق المدارس القرانية والتعذيب في مدرسة التوحد (لا التوحيد)!.
وأضاف في تدوينة أخرى «لو كان تعذيب الأطفال في مدرسة قرآنية اسمها التوحيد وكانت المعلمات متحجبات كيف سيكون الموقف؟ وكيف سيتعاطى الاعلام التونسي هذه الفاجعة؟ تأكّدوا أن المُعذِّبات لأطفال التوحد لو كُنّ من حزب نداء تونس أو مشروع المفاتيح أو أي حزي يساري سيقع تعويم القضية و تبييض الجريمة والتعتيم الكلي عليها»، وتابع مخاطبا السياسيين « ما تعليقكم على تعذيب أطفال التوحد؟ أم أن الخطر الوحيد على الطفولة في تونس هي رياض القرآن؟».
ودون الشيخ رضا الجوادي «مِنْ حقّنا كمسلمين أن نُربّي أطفالنا في المدارس القرآنية المسؤولة التي نرتضيها ونثقُ بأنظمتها وإطاراتها ومحتوياتها، وليس من حقّ أيّ كان مهما كان موقعه أن يضطهدنا وينصّب نفسه وَصيًّا علينا ويفرض علينا طرُقَ وأساليبَ تربية أولادنا. وعلينا جميعا أن لا نفرّط في هذا الحق وأن لا نُقصّر في طلبه فكلنا مسؤولون».
وعادة ما تشهد تونس حوادث تتعلق بسوء معاملة الأطفال في رياض الأطفال، إلا أنه لا يتم توثيقها عادة كما تم في الحادثة الأخيرة، حيث أوقفت السلطات في وقت سابق عددا من المعلمين إثر اعتدائهم على الأطفال، ومن بين القضايا التي أثارت جدلا في السنوات الأخيرة قيام مربية بتشويه وجه طفل بعد حرقه بواسطة ملعقة، وهو ما دعا السلطات إلى محاكمتها وإغلاق الروضة التي تعمل فيها.

حادثة تعذيب أطفال التوحد تقسّم التونسيين وتتحول إلى قضية رأي عام في البلاد

حسن سلمان:

- -

2 تعليقات

  1. مع الأسف أن يحصل هذا في تونس الحرية والكرامة !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. بالمناسبة احيي احدى الجمعيات في شمال المغرب التي تهتم بوضعية اطفال التوحد…وقد احتفلت قبل سنتين بحصول اول توحدي على شهادة الاجازة..وتسجيله في سلك الماستر…واما بالنسبة الى العنف الممارس ضد الاطفال عموما فهو نتيجه لمجموعة من الاوضاع والانعكاسات السلبية في المجتمع…وخاصة في مجال ظروف العيش…ونمط التربية…والاسوء في هذا الجانب هو السعي المستمر لمدة طويلة لتجريد العملية التربوية عن ابعادها المعنوية والروحية تحت مسمى الحداثة..مما ادى الى ظهور نماذج لاتقيم وزنا لتانيب الضمير…والرقابة والحساب الرباني…والاهتمام فقط بالمردودية المادية للعمل….، واذا كان الجهل هو الاساس في العنف الذي مورس في التعليم الديني من طرف ملقنين يستعصي عليهم قراءة وفهم ابسط المقتضيات في مجال التربية..؛ فان الاصرار على تسليع كل شيء بما فيه الاخلاق والقيم هو العامل الرءيسي في تكريس ظواهر الاجرام المقنع الذي يستمد قوته من انحرافات اخرى تستوطن واقعنا تحت مسمى السياسة…والتخلص من كل اسباب الرقابة الذاتية التي تعرقل التطور والطموح حسب ادعاءهم….واعتقد شخصيا انه كان من الانسب ان يتابع مقترفوا العنف ضد الاطفال بقوانين الارهاب…لان ممارساتهم لا تقل فداحة عن الجراءم الداعشية…

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left