«خِلف خلاف»

بلال فضل

Feb 22, 2018

هذا كتاب فريد، لا يسعى كاتبه الحافظ الثعالبي لإقناعك بشيء مما يرد فيه، بل يهدف فقط لإمتاعك بذكر أمثلة على قدرة الكتاب والشعراء والمتكلمين وبراعتهم وسحر صناعتهم في (تحسين القبيح وتقبيح الحسن)، ولعلك إن استمتعت بذلك، أدركت أيضاً أنه لن تخلو فضيلة في الكون من كارهين لها ولائمين على أصحابها، ولن تعدم رذيلة في الكون وجود مبررين لها، وملتمسين العذر لمن اقترفها.
تعال نبدأ برذيلة الكذب، الذي يروي الثعالبي في ذكر محاسنه، أنه مهمٌ في مواطنه كالصدق في مواضعه، لكن الدور والباقي على من يعرف مداخله ومخارجه، ولا يجهل تزاويقه ومضايقه، ولا ينساه بل يحفظه، فهو مهم في الحرب وإصلاح ذات البين والشعر، «والكتابة لا تحسنُ إلا بشيء منه»، ويروي في ذلك عن الشاعر العتبي قوله: إني لأكذب في كبار ما ينفعني، لأصدق في صغار ما يضُرّني. وينسب إلى أبي حنيفة قوله في تحسين الأيمان الكاذبة في حالة مواجهة السلطة: «إذا ابتليتم بالسلطان فخرّقوا أيمانكم بالكذب، ورقّعوها بالاستغفار».
يقول الثعالبي في تحسين الوقاحة أنها كالقدّاحة، «لولاها لما استعرَ لهبُ، ولا اشتعل حطب». أما الحقد فقد قال ابن الرومي في تحسينه: «وما الحقدُ إلا توأم الشكر للفتى.. وبعض السجايا ينتسبن إلى بعضِ.. فحيثُ ترى حقداً على ذي إساءةٍ.. فثمَّ ترى شكراً على حسنِ القرض». وفي تحسين البخل يروي عن علي بن الجهم قوله: «من وهب المال في عمله فهو أحمقُ، ومن وهبه في عزله ـ أي في بطالته ـ فهو مجنون، ومن وهبه من كسبه فهو جاهل، ومن وهبه مما استفاده بحيلته فهو المطبوع على قلبه، المأخوذ ببصره وسمعه»، وفي المعنى نفسه قال محمد بن الجهم: أتركوا الجودَ للملوك فهو لا يليق إلا بهم ولا يصلح إلا لهم، ومن عارضهم في ذلك، ثم افتقر وافتضح فلا يلومن إلا نفسه.
وفي حين يطيل الناس في ذم الفراق، يروي الثعالبي في تحسينه قول بعضهم: «في الفراق مصافحة التسليم، ورجاء الأوبة ـ أي العودة ـ والسلامة من الملل، وعمارة القلب بالشوق، والأنس بالمكاتبة». وكتب أبو عبد الله الزنجي: «جزى الله الفراقَ عنّا خيراً، فإنما هو زفرة وعبرة، ثم اعتصام وتوكل، ثم تأميل وتوقّع، وقبّح الله التلاقي، فإنما هو مسرّة لحظة ومساءة أيام، وابتهاج ساعة واكتئاب زمان». وفي تحسين الجُبن يروي الثعالبي قول أحد الجبناء: «فرَّ أخزاه الله، خيرُ من قُتِل رحمه الله»، رأى بعضهم شيخاً كبيراً من الجُند في بعض الحروب وقد تأخر عن الصف واستعد للهروب، فقالوا له: أتأخذ رزق السلطان بهذا الجبن؟ فقال: لو لم أكن جباناً لما بلغت هذه السن العالية.
في الجزء الثاني من كتابه، يقوم الثعالبي بتقبيح ما دأب الناس على تحسينه، كالعقل الذي يقول إنه والهم لا يفترقان، فهو كالمرآة المجلوّة، يرى صاحبها مساوئ الدنيا، فلا يزال في صحوه مهموماً متعذر السرور، حتى يشرب النبيذ، فإذا ابتدأ بشربه صدئ عقله بمقدار ما يشرب، وإن أكثر منه غشيه الصدأ كله، حتى لا تظهر له صور تلك المساوئ فيفرح ويمرح، أما الجهل فهو كالمرآة الصدئة فلا يرى صاحبها إلا مسروراً، قبل الشرب وبعده. وبعد أن يروي بيت المتنبي الشهير «ذو العقل يشقى في النعيم بعقله.. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم»، يورد قول ابن جنّي: هذا مثل قولهم: ما سُرّ عاقلٌ قط، وقول آخر: ثمرة الدنيا السرور ولا سرور للعقلاء.
وفي تقبيح الكُتّاب يقول الجاحظ في إحدى رسائله عنهم: «أخلاقٌ حلوة، وشمائلٌ وثيابٌ نظيفة، وتظرّف أهل الفهم، ووقار أهل العلم، فإذا صُلوا بنار الامتحان ـ وفي رواية أخرى وإن ألقيت عليهم الإخلاص ـ كانوا كالزّبد يذهب جفاءً، وكنبات الربيع في الصيف يعروه هيف الرياح، ولا يستندون إلى وثيقة، ولا يدينون بحقيقة، أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن البخس لعهودهم، فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم، وويلٌ لهم مما يكسبون». وفي تقبيح السلطة وخدمة السلاطين، يقول الثعالبي: من أراد العز بالسلطان لم ينله حتى يُذلّ. وقال ابن المعتز: «أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقاً، ومن شارك السلطان في عز الدنيا، شاركه في ذلّ الآخرة، ولا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفسٌ خائفة وجسم تَعِب ودين منثلم».
وفي حين يكثر الناس من استحسان الحِلم، يروي الثعالبي في تقبيحه: «من عُرف بالحلم كثرت الجرأة عليه وقلت الهيبة له»، وحين أنشد النابغة الجعدي الرسول قصيدة يقول فيها: «ولا خير في حلمٍ إذا لم يكن له.. بوادرُ تحمي صفوهَ أن يُعكّرا»، قال له صلى الله عليه وسلم: أحسنت لا فضّ الله فاك، فعمّر أكثر من ثمانين سنة، ولم ينقص له سن. لا تسلم فضيلة الحياء أيضاً من ذكر الثعالبي لتقبيح البعض لها، كمن قال إن الحياء يمنع الرزق، وقد قُرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان، وقول آخر: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان وأموركم بالوقاحة والإبرام ودعوا الحياء لربّات الحجال. أما القناعة فقد قال البعض في تقبيحها: من اتخذ القناعة حرفة وصناعةً، تلحّف بالخمول وفاتته معالي الأمور، وقال غيره: القناعة من صِغَر النفس وقصر الهمة وضعف العزيمة، فلا ترض لنفسك إلا كل غاية. وفي تقبيح الأصدقاء يفتتح الثعالبي حديثه بهذا القول لعمرو بن العاص: «من كثر إخوانه كثر غرماؤه»، ثم يروي قول الكندي لابنه: يا بنيّ الأصدقاء هم الأعداء لأنك إذا احتجت إليهم منعوك وإذا احتاجوا إليك سلبوك.
وبعد أن يورد الثعالبي أقوالاً في تقبيح المطر والورد والنرجس والأولاد والضياع والكافور وماء الورد والبخور، يروي في تقبيح القمر قولاً لبعض الظرفاء ممن كان يسكن بيتاً بالإيجار، حين سخر ممن يستحسنون النظر إلى القمر، فقال لهم إنه يبغض النظر إليه، لأن فيه عيوباً لو كانت في حمار، لما اشتراه أحد من عيوبه، فلما سألوه عن تلك العيوب قال: «إنه يهدم العمر ويقرّب الأجل، ويُحِلّ الدين، ويوجب كراء المنزل، ويقرض الكتان، ويشحب الألوان، ويسخّن الماء، ويفسد اللحم، ويعين السارق، ويفضح العاشق والطارق».
يختتم الثعالبي كتابه بتقبيح الشكر إلا لله عز وجل، لأن عطية الرجل لصاحبه لا تخلو من أن تكون لله أو لغيره، فإن كانت لله فثوابها على الله، ولا معنى للشكر، وإن كانت لغير الله، كطلب المجازاة فهذه تجارة، والتاجر لا يُشكر على تجارته وجر المنفعة إلى نفسه، وإما أن تكون تخوّفاً من يد أحد أو لسانه، أو رجاء نصرته فلا معنى للشكر هنا، وإما أن تكون للرقة والرحمة لما يجد الإنسان في قلبه من الألم، وعندها يجب عدم شكره لأنه داوى نفسه من دائها وخفف عنها أثقالها، فأي معنى لشكر من يعطيك لاجتلاب لذته واجتذاب راحته ومسرته، ولعلي لم أقرأ في حياتي ما هو أرزل وأظرف من هذه المرافعة ضد الشكر، التي لن يكون من الحكمة بعدها أن أتوقع منك أدنى شكر على لفت انتباهك إلى هذا الكتاب أو غيره.

ـ «تحسين القبيح وتقبيح الحسن» لأبي منصور الثعالبي ـ تحقيق شاكر العاشور ـ وزارة الأوقاف العراقية

٭ كاتب مصري

 

«خِلف خلاف»

بلال فضل

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left