أسئلة مطروحة على الإسلام السياسي

د. علي محمد فخرو

Feb 22, 2018

منذ عدة سنوات والمجتمعات العربية تشاهد بروز ظاهرة متنامية ولافتة للنظر. إنها ظاهرة تحليل ونقد مصادر الفقه الإسلامي التاريخية الشهيرة مثل «صحيح» البخاري ومسلم وكتاب «الكافي»، وظاهرة تحليل ونقد منهجية الإسناد ومكونات المتن التي قام عليها علم الحديث، وأخيرا ظاهرة محاولات عدة لإعادة قراءة النص القرآني بأشكال تختلف عما سبقها من قراءات، في أزمنة عربية قديمة ومختلفة عن حاضرنا.
إن ذلك النشاط الديني والفكري والسجالي يجري في أوساط المفكرين والكتاب وعدد من علماء الدين عن طريق مئات الإصدارات من الكتب، وألوف المقالات في الصحف، وفي أوساط المثقفين والإعلاميين، عن طريق المناقشات والتبادلات العالية النبرة في وسائل الإعلام الإذاعية والتلفزيونية، وعن طريق وسائل التواصل الإلكتروني الاجتماعي العالمية الكثيرة.
لكن ما يلفت النظر هو غياب الأصوات والمواقف الرسمية، غير الفردية الشخصية، لقوى الإسلام السياسي التاريخي المنظم بشأن ما يثار. وهو أمر يحتاج لطرح الأسئلة بشأن الكثير من التفاصيل، وبشأن مواقف تلك القوى المستقبلية، فإذا كانت قوى الإسلام السياسي تطرح شعار «الإسلام هو الحل» فإن من حق الناس والمجتمعات أن يتساءلوا عن المصادر المعتمدة، والمكونات المنتقاة والتجديدات المقترحة التي ستدخلها مختلف القوى الإسلامية السياسية على تفاصيل شعار «الإسلام هو الحل»، على ضوء نتائج المناقشات الجادة التي تجري، كما ذكرنا، في أوساط المفكرين والكتاب والمثقفين، وبعض علماء الدين وجمهور وسائل التواصل الإلكتروني الاجتماعي.
سنطرح هنا بعضا من الأسئلة الكبرى التي تحتاج لإجابات واضحة وصريحة، من الذين يؤكدون أنهم سيقومون بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، إذا استلموا الحكم في هذه الدولة العربية أو تلك.
السؤال الأول يتعلق بموضوع الخلافة الإسلامية مقابل الدولة المدنية الحديثة. لقد تأسست الخلافة بعد موت الرسول (صلى الله عليه وسلم) على انها سلطة دعوة ونشر لدين، وبالتالي فإن ولاء رعاياها، من المؤمنين على الأخص، يجب أن يكون في الأساس للدين وحده. أما اليوم فإن العالم كله يتحدث عن كيان دولة تهيمن على أرض وشعب، وتعتمد دستورا (أي عقدا اجتماعيا) قوامه المواطنة المتساوية أمام الفرص والقانون، من دون أي تفريق بسبب الدين أو المذهب أو الجنس أو العرق، أو الانتماء الاجتماعي. وبالتالي فإن ولاء المواطنين، المهيمن على كل ولاء فرعي آخر، هو للدولة الوطنية.
نحن هنا نتحدث عن الدولة المدنية الديمقراطية، القائمة على الحريات والمساواة والمواطنة والقوانين واستقلالية السلطات الثلاث، التي لا تستطيع التعايش مع مفاهيم وشعارات من مثل كلمة الذميين، ودفع الجزية، والتكفير، والحاكمية، وعدم الخروج على ولي الأمر، واشتراط موافقة جهات دينية على كل قرارات المجالس النيابية، وولاية الإمام الفقيه، وحصر بعض مناصب الدولة العليا في أتباع هذا الدين، أو ذاك المذهب، وحجب بعض المناصب عن المرأة المواطنة، وغيرها من مفاهيم فقهية تتعلق بنظامي التعزير ومحاربة المنكر، التي ما عادت صالحة لمجتمعات العصر الذي نعيش، أو من أحاديث مدسوسة على نبي الإسلام، أو من قراءات للنصوص القرآنية التي خضعت في الماضي للأهواء السياسية وصراعات الحكم.
والسؤال، إذن، هو إن كانت أحزاب وتنظيمات الإسلام السياسي تتابع تلك الكتابات والمداولات، وإن كانت لها آراء ومواقف علنية واضحة بشأن ما تقبل وما ترفض، على أسس عقلانية وأخذا بالمقاصد الكبرى للدين المتفاعلة مع واقع البشر من جهة، والمبنية على أسس العدالة والحق والقسط والميزان والرحمة من جهة ثانية، وكذلك بشأن انعكاس ما تقبل على دساتيرها وبرامجها، وشعاراتها الانتخابية، ومقدار ممارستها عند استلامها الحكم. ولنا في تجارب دول مثل مصر وتونس والمغرب والعراق دروس وعبر.
السؤال الثاني يتعلق بموضوع النظام الاقتصادي في الإسلام، الذي يحتوي على ملابسات واختلافات كثيرة. فالبعض يعتقد أن الربا المحرم في القرآن الكريم يقتصر على علاقة بين فردين، يستغل فيها الدائن ظروف المدين. بينما يرى آخرون أنه يشمل أيضا تعاملات المصارف، حتى ولو أنها قائمة على أسس قانونية وتعاقدية مختلفة عما كان يجري في الماضي.
وهناك من يحرم أي فائدة يحصل عليها الفرد مقابل شرائه لأسهم أو سندات بنكية، ويقترح عقود المضاربة. وليس هنا مجال لبحث هذا الموضوع الشائك، خصوصا محاولة التمييز بين المضاربة والاستثمار، وعقود الأشخاص وعقود المال، وتجاذبات موضوع التأمين. ويلاحظ أن الإسلام السياسي، بصورة عامة، يعطي اهتماما أكبر للمواضيع المالية، مثل الزكاة والصدقة والجزية والخراج والغنائم، بينما يعطي اهتماما أقل لما تأسس عليه النظام الاقتصادي الحديث، من إنتاج واستهلاك وأسعار وعمالة وتطوير تكنولوجي ونظم إدارية إلخ. ولا ننسى بالطبع السجالات حول النظام الاشتراكي الإسلامي، مقابل النظام الرأسمالي الذي يتماشى مع أسس الرأسمالية. ما يهمنا، في المحصلة، هو معرفة ما وصلت إليه الأيديولوجيات السياسية الإسلامية من قبول أو رفض لأهم موضوع في الحياة العصرية، موضوع الاقتصاد والمال.
ثالث سؤال هو ما يتعلق بموضوع مسائل الأحوال الشخصية، التي تحتاج إلى اجتهادات مستمرة، تأخذ بعين الاعتبار المبادئ الدولية لحقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة من جهة، وتأخذ بعين الاعتبار التغيرات الكبرى في ظروف وعلاقات الزواج وحضانة وتربية الأطفال وتعقيدات عمل الوالدين وغيرها من عشرات التغيرات من جهة أخرى. لا يستطيع الإسلام السياسي أن يعزل نفسه في قوقعة ويتجاهل ما يجري في ساحات الواقع الثقافي والسياسي والاقتصادي العربي المتشابك مع الساحات العولمية المماثلة. آن أن يكون لديه مفكروه ومنظروه ومثقفوه الذين يتفاعلون بحيوية وعلنية وسجاليه موضوعية مع نظرائهم الآخرين، ليطوروا دساتير ومشاريع وأهداف ووسائل أحزابهم وتنظيماتهم. فمن حق المواطنين أن يعرفوا ما ينتظرهم في المستقبل، إن استلمت الأحزاب الإسلامية الحكم.
هذا موضوع يمس صميم الحياة السياسية والاجتماعية العربية في الحاضر والمستقبل المنظور، وعدم الدخول في لججه لن يوصل إلى بر الأمان.
كاتب بحريني

أسئلة مطروحة على الإسلام السياسي

د. علي محمد فخرو

- -

3 تعليقات

  1. استاذنا المحترم
    الاسلام السياسي اشكال و الوان و هو ككل الاحزاب و الحركات الدينية في العالم (مثلا الحزب الديموقراطي المسيحي في المانيا و اشقائه في اوروبا و الاحزاب الهندوسية الدينية و لوبي الكنيسة الانجليكانية الامريكي و الاحزاب الدينية اليهودية…) لا يقدم وصفة دينية كاملة و لكنه يستند الى روح الدين وفي هذا اختلافات شاسعة ما بين مفكريه و مريديه. ومن هنا فليس مطلوبا من الاسلام السياسي ان يقدم فتاوي دينية لكل قضية مدنية الا اذا كان القصد هو اغراقهم في مجادلات و اختلافات لا تنته.
    في بلادنا، الاسلام السياسي على مختلف الوانه يطرح نفسه كحبل انقاذ بعدما فشل الاخرون و هذا هو سر قوته و تأثيره..والامثلة التي رأيناها في الانظمة الاسلامية في ايران و السعودية و السودان و افغانستان غير مشجعة و لكني اعتقد ان الاسلام السياسي جيد جدا كمعارضة. و كما هو معروف فان المعارضة القوية تجبر الحكم على الترقي و النجاح..فاذا نجحت الاحزاب المدنية عاد الدين الى مكانه الطبيعي في قلوب الناس و سلوكياتهم وكل حسب ايمانه و استيعابه.

  2. لا يوجد شيء اسمه إسلام سياسي ياسيدي المحترم.هي أحزاب ملفعة بالدّين كتجارة سياسية في بازاراللعبة السلطوية.فهي بالنتيجة الحقيقية لا تختلف عن ( إيمان ) قريش في الجاهلية بعبادة الأصنام من أجل تحقيق الأرباح الموسمية من قبائل العرب حين القدوم إلى الحجّ بمكة.صدقني
    لم يتغييرشيء سوى الديكور.الأصنام هي هي؛ فقط لبست ربطة العنق والنظارة ؛ والشعراء هم هم فقط مسكوا المكرفون والسيكارة ؛ والخطباء هم هم ؛ فقط وقفوا على منصات وأرائك من خشب الصاج بدل جذوع النخل.والعقال هو هو فقط كان ( يصنع ) في بلاد العربان واليوم يصنع في الصين وتايوان.وكانوا يتعاملون بدينارالروم واليوم كذلك يضعون أموالهم في بنوك ( الروم )…{ وكلّ حزب بما لديهم فرحون }.والحمد لله ربّ العالمين.

  3. من حق أي حزب سياسي ضمن منظومة ديمقراطية أن يتخذ لنفسه خلفية (أو مرجعية عامة) فكرية وحضارية إسلامية، مثلما أن لغيره الحق في اعتماد مرجعيات مغايرة ليبرالية أو اشتراكية أو ماركسية ــ لينينية أو غيرها…
    هذا لا يعني أن الحزب ذا الخلفية الإسلامية مطالَب بأن يقوم بدور دائرة الإفتاء الديني، وبأن يدلي برأي في كل مسائل البحث العقدي والفقهي التي هي من شؤون العلماء المجتهدين والمفكرين ومراكز الدراسات المتخصصة… وإنما المطلوب ــ دائما وفق المنطق الديمقراطي ـــ (على نحو ما هو موجود مثلا في بلدان مثل تركيا وتونس والمغرب الأقصى وماليزيا وأندونيسيا..) أن تعبّر الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية عن رؤاها والحلول التي تقترحها لمشاكل مجتمعاتها الخصوصية ضمن برامجها السياسية، وأن تتنافس انتخابيا مع غيرها من الأحزاب المترشحة للحكم على أساس تلك البرامج لا غير.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left