تصريحات ولايتي والمأزق الإيراني في العراق

يحيى الكبيسي

Feb 22, 2018

في سياق التكريس المنهجي للهيمنة الإيرانية في العراق، خرج علينا مستشار الخامنئي للشؤون الدولية على أكبر ولايتي بتصريحات لافتة فيما سمي بالمؤتمر التأسيسي للمجمع العراقي للوحدة الإسلامية، بدأ فيه بالحديث عن الصحوة الإسلامية التي رفع رايتها الخميني، لينتهي إلى أن «قائد الثورة الإسلامية في إيران لن يسمح بتحقيق الأمريكان أحلامهم في العراق»، ثم تحدث عما أسماه بجبهة المقاومة في «العراق وسوريا ولبنان» التي ستطرد الأمريكيين من شرق الفرات! وانتهى إلى القول بأن «الصحوة الإسلامية» لن تسمح بعودة الشيوعيين والليبراليين إلى الحكم في العراق!
وكالعادة، مع أي تصريح إيراني من هذا النوع والذي يمس السيادة العراقية بشكل صريح ومباشر، تصمت الجهات الرسمية العراقية جميعها، بل ان بعض المسؤولين الرسميين العراقيين يزايدون على الموقف الإيراني نفسه؛ فنائب رئيس الجمهورية نوري المالكي يكرر ما قاله ولايتي من ان على الحكومة العراقية «كسائر أعضاء جبهة المقاومة» عدم السماح للأمريكيين الانتشار في شرق الفرات! وأن العراق ليس كاليابان وكوريا الجنوبية لكي يسمح للأمريكيين بالتواجد العسكري فيه! أما وزير الخارجية العراقي ابراهيم الجعفري فيتحدث عن «الدور المهم» الذي لعبته إيران في «الدعم الاستراتيجي والمعنوي للمقاومة في المنطقة»! أما نائب رئيس مجلس النواب همام حمودي، وهو الامين العام للمجلس الاعلى الإسلامي، فقد بدا موقفه متساوقا مع موقف ولايتي في رفض أي تواجد عسكري أمريكي في المنطقة، بل زاد بان هذه الخطوة «لها غاياتها واهدافها الخبيثة، داعيا لاستمرار التعاون لمواجهة مخططات العدو» ـ كما جاء في الوقع الرسمي لمجلس النواب العراقي!
لا يمكن أن نفهم هذه التصريحات، والرسائل المتضمنة فيها، من دون العودة إلى زيارة آية الله محمود الهاشمي الشاهرودي رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، والنائب الاول لمجلس خبراء القيادة (الهيئة التي اناط بها الدستور الإيراني مهمة تعيين وعزل المرشد الاعلى) إلى العراق في أيلول/ سبتمبر الماضي. يومها قلنا في مقال بعنوان «إيران وسباق الاحتفاظ بالعراق»، أن زيارة الشاهرودي جاءت بعد حدوث الانقسام الشيعي الشيعي في الموقف من اتفاق عرسال بين حزب الله وتنظيم الدولة/ داعش حينها، وأن هذا الانقسام الحاد بين يمين شيعي عراقي مرتبط بالمشروع الإيراني يؤمن بالأممية الشيعية، وبين تيارات عقلانية شيعية تحاول صياغة هوية وطنية شيعية ترى وجوب تقديم الهوية الوطنية على أية انتماءات هوياتية اخرى! وقلنا أيضا أن دور المرجع الشيعي الاعلى في العراق السيد علي السيستاني، بدا واضحا في تأييده للتيار الأخير عندما نقل عنه المتحدثون باسمه، كلاما صريحا وغير مسبوق عن وجوب تقديم الفاعلين السياسيين الشيعة «المصالح العليا لبلدهم» على المصالح الشخصية والفئوية والمناطقية»! كما كان واضحا في نقده للرؤية الإيرانية عندما أكد ان على «الاطراف الإقليمية تلاحظ في الأساس منافعها ومصالحها وهي لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة العراقية». وكما هو واضح فأن السيد علي السيستاني، بعيدا عن الموقف التقليدي لحوزة النجف برفض مبدأ الولاية العامة المطلقة للفقيه وفق النموذج الإيراني، يبدو في مواجهة عملية مع هذا النموذج من خلال تسويق فكرة «وطنية شيعية» بعيدا عن فكرة «الأمة الإسلامية الشيعية» التي تنطلق منها إيران الدولة/ الثورة. وهو تطور مهم وأساسي في سياق دور حوزة النجف في الشأن العراقي العام بعد 2003.
وبالعودة إلى زيارة ولايتي، وتصريحاته، والشخصيات التي التقاها، فهي رسائل موجهة للداخل العراقي أكثر منها رسائل موجهة للأمريكيين! فقد بات من الواضح أن إيران اصبحت أكثر انزعاجا من تصاعد نزعة شيعية «وطنية» في العراق؛ فالحديث عن «جبهة مقاومة» يكرس الحديث عن أممية شيعية لها مصالح مشتركة، يأتي على الضد من موقف السيستاني الصريح الذي أشرنا اليه. وايضا التعريض المباشر بموقف السيد مقتدى الصدر الذي تحالف مع الحزب الشيوعي العراقي، وتيارات مدنية/ ليبرالية ضمن تحالف «سائرون» في الانتخابات البرلمانية القادمة! وما يرجح هذا التحليل أن ولايتي التقى في بغداد بحلفائه من اليمين الشيعي في العراق بشكل رئيسي، صحيح أنه التقى بالسيد عمار الحكيم، الذي انشق عن المجلس الاعلى الإسلامي وحرسه القديم بتأسيسه لتيار الحكمة، ولكن مراجعة ما صدر عن اللقاء يكرس فكرة أن الحكيم بدا بعيدا عن العباءة الإيرانية أكثر من أي وقت مضى! فوفقا لوكالة تسنيم الإيرانية لم نجد أي حديث عن الأمريكان وقواعدهم، أو جبهة مقاومة، بل وجدناه يوجه دعوة لافتة لدول المنطقة «للحوار من أجل إنهاء الحالة الضبابية في العلاقات»!
لقد سعت إيران، وبشكل منهجي، وبتواطؤ أمريكي صريح، إلى الدفع بالميليشيات المرتبطة بها في العراق للسيطرة على مناطق شرق الفرات في العراق. وقد كانت الخطة الإيرانية تسعى إلى تعبيد طريق حرير إيراني يربطها بالبحر الأبيض المتوسط من جهة، وبلبنان من جهة أخرى! وأن هذا الطريق لم يكن نتاج رغبة سياسية وعسكرية وحسب، بل نتاج مصلحة إيرانية مباشرة تتعلق بالنفط والغاز الإيراني وتسويقه في مرحلة لاحقة! ولكن من الواضح أن توزيع الأدوار الأمريكي الروسي في سوريا، وتقسيمهما لمناطق النفوذ، لم يأخذ بنظر الاعتبار المصالح الإيرانية! خاصة وان التواطؤ الأمريكي اللاحق بالسماح لميليشيا الحشد الشعبي بالتواجد في مناطق غرب الفرات، وصولا إلى تماس هذه الميليشيات مع قوات النظام السوري في البوكمال. يواجه تحديا حقيقيا من خلال الوجود الأمريكي في التنف السوري من جهة، ومن خلال الوضع الجيو سياسي لمنطقة غرب الفرات، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه بديلا للطريق المار بشرق الفرات الأكثر تأمينا، والأقل مخاطر، والذي يبدو ولايتي حريصا عليه بشكل غير مسبوق!
على الجانب الآخر، بدا العراق الرسمي الآخر، تحديدا السيد العبادي، بعيدا تماما عن هذه المواجهة! على الرغم من ان أحد أبرز المقربين من رئيس مجلس الوزراء كان طرفا رئيسيا في مؤتمر تأسيس المجمع العراقي للوحدة الإسلامية الذي القى فيه ولايتي كلمته! في استمرار للعبة المزدوجة التي مارسها الفاعل السياسي الشيعي الرسمي طوال مرحلة ما بعد 2003؛ أي محاولة الإمساك برمانتي الولايات المتحدة وإيران بيد واحدة! فالعبادي الذي يحظى عمليا بثقة الأمريكيين ودعمهم لولاية ثانية، عمد إلى التحالف مع قائمة الفتح التي ضمت الميليشيات الاكثر ارتباطا بإيران، وعلى الرغم من فض هذا التحالف لأسباب فنية وليست سياسية، إلى ان تحالفهما فيما بعد الانتخابات يبدو الأكثر ترجيحا! ولا يمكن فهم هذا الوضع الإشكالي إلا بالعودة إلى سياق العلاقات الأمريكية الإيرانية في العراق والتي حكمتها لعبة مزدوجة مارسها كلا الطرفين على الأرض بعيدا عن المواجهة التي لا تحضر إلا على مستوى الخطاب حتى اللحظة، وليس ثمة مؤشرات، على الرغم من تصاعد حدة هذا الخطاب، توحي بان هذه العلاقات ستنتقل إلى حالة مواجهة حقيقية في المستقبل القريب!

٭ كاتب عراقي

تصريحات ولايتي والمأزق الإيراني في العراق

يحيى الكبيسي

- -

1 COMMENT

  1. لقد انتهت سيادة العراق على ارضه منذ الغزو الامريكي للعراق سنة 2003. و بعد 2007، صار النفوذ على العراق مقسما بين ايران و امريكا. و تفاهم 2007 بين امريكا و ايران يمثل فقط استراحة محارب للطرفين و لا يمكن ان يستمر طويلا . و كل ما يجري في العالم العربي منذ مجيئ اوباما الى اليوم هدفه بالنهاية الاعداد لتغيير ظروف المواجهة في العراق عبر اعادة تشكيل النظام العربي و استعمال العرب كحطب لحرب امريكا ضد ايران لطردها من العراق و نقل المواجهة معها الى داخل ايران ان امكن.

    و بعد ان انقلب ربيع اوباما الى فوضى استفادت منه ايران لتحسين وضعها في العراق على حساب امريكا عبر احراق ورقة داعش، و تنسيقها مع تركيا لتحييد ورقة استقلال الاكراد، لم يظل امام امريكا سوى استخدام الاكراد شرق الفرات في محاولة لكسب الوقت بانتظار تحديد استراتيجيتها الجديدة للعراق. و غني عن القول ان امريكا والتي رغم استعانتها بكامل جيشها و في اوج قوتها لم تستطع تحمل تكلفة حرب الاستنزاف التي قادتها ايران ضدها لتضطر لاقتسام النفوذ معها على العراق، هي اعجز عن حماية حدود وهمية على طول نهر الفرات محاصرة شرقا بايران و ميليشياتها العراقية و غربا بالجيش الروسي.

    ولعل تلك هي الرسالة التي ارادت ايران ان تبلغها لامريكا عبر زيارة ولاياتي، و هي ليست رسالة موجهة لداخل العراق، فتوجيه الرسائل الايرانية للداخل العراقي ليس من اختصاص ولاياتي.

    ووضع ايران في العراق هو افضل وضع لها منذ الغزو الامريكي الى الان. و لا يمكن الحديث عن مازق ايراني في العراق. فكل الطبقة السياسية في العراق من العبادي الى المالكي مرورا بالصدر و الحكيم هي اوراق ايران لبسط هيمنتها على العراق.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left