سيميائية المشهد الثقافي العربي

حسين الضو

Feb 22, 2018

في اللسانيات، هناك دال أي كلمة أو لفظ يرمز إلى مدلول، وهو ما يشير إليه الدال، وهذه العلاقة التبادلية بين الدال والمدلول هي ما تشكل الرمز، على سبيل المثال لفظ أو رسم كلمة سيارة ترمز للمدلول الذي هو عبارة عن مركبة ذاتية الدفع ذات عجلات، وهذه العلاقة بين الدال والمدلول لا يمكن فصلها، إذ هي كعملة معدنية لا يمكن لها أن تكون بوجه واحد فقط.
قام المفكر والناقد الفرنسي رولان بارت بتطوير هذه الفكرة في كتابه «الأساطير»، بقوله إن المدلول هو أيضا دال له مدلول من درجة ثانية، واستخدم هذه الفكرة لتقديم قراءة اجتماعية ثقافية للمجتمع البورجوازي، واستخدام هذا المجتمع للصور والميديا وكيفية توظيف السلطات لسيميائيات الدرجة الثانية، لخلق الثقافة والأيديولوجيا الذي يريد تقديمها على أنها المثالي، وما ينبغي له أن يكون، وهذه الدلالة من الدرجة الثانية هي ما يسميه رولان بارت بالأسطورة.
أحد الأمثلة على هذه الفكرة هي عندما تُستخدم صورة قائد ثوري وتوضع كملصق على القمصان، ليصبح شراء هذا القميص ليس مجرد عملية تبضع اعتيادية للملابس بل علامة على أن المشتري هنا يتخذ موقفاً ويعبر عن إعلائه للقيم العليا، كالحرية وغيرها، في حين أن ما يقوم به هو مجرد انخراط في عملية اقتصادية رأسمالية مغطاة بسيميائية من الدرجة الثانية، يُطلق عليه في علم اللسانيات بالـ Syntagm ولأنني لم أَجِد ترجمة عربية لهذا المصطلح، سأقوم بتعريبه إلى سِنتام.
فهذا السنتام في المثال هو أداة تمويهية للرمز لإقناع المشتري بفردانية زائفة سبق تشكيلها إعلاميا في إطار محدود ومقيد بأدوات رأسمالية مادية. لو استخدمنا الفكرة ذاتها لقراءة المشهد الثقافي العربي لوجدنا أن هناك «سنتاما» آخر هو ما يحرك المشهد برمته. سنتام يختلف عن ذلك الذي في المثال المتكون في بيئة فردانية، إذ أن المجتمعات العربية مجتمعات جماعاتية، نجد أن هذا السنتام غير ناضج ويدور في فلك الدوال لا المدلولات، أي المصطلحات لا ما ينطوي وراءها من مفاهيم. سنتام مقود ببروتوكولات غير معلنة وصريحة تشكل جماعات ظل بهويات دلالية لا مدلولاتية، والسنتام المتكون في الظل هذا هو مساحة خصبة جدا للتواطؤ.
ليس التواطؤ الناتج عن اتفاق الرؤى والآراء ثقافيا بقدر الاتفاق في الدلالات غير المتسقة في سياق واحد، واستخدامها لمغازلة الجماعات المتكونة للانضمام في مجموع، وقبول بقية الأفراد آراء بعضها مع تغييب الحوار الجاد. وتقوم الجماعة المكونة في مجتمع الظل الثقافي في هذا الإطار بضمان الانتماء وخلق الدفء الثقافي لمنتميه. ولذلك التجمعات الثقافية هي فضاء ينسلخ فيه من يفترض أن يكون مفكرا حرا ذا شخصية متفردة، ولديه أفكاره الخاصة عبر التجرد من كل ما يشكل هويته الفردية، ويتلبس الشخصية الجديدة التي تكونت في الظل الثقافي، ليضمن قبوله في هذه الجماعة أو تلك، فترى أفراد مشهد الظل الثقافي في حالة متشنجة يستخدمون مفردات وتعبيرات وحتى لغة جسد تواطأ الجميع عليها لتكون صورة للمثقف المقبول في تجمع أو جماعة كهذه.
وعليه تكون شخصية المثقف الحر في معظم الحالات مجرد صورة مزورة هي الأخرى قد تمت صياغتها في مشهد الظل الثقافي، الذي يستند إلى البروتوكولات غير المعلنة والسنتام المتفق عليه، بحيث يصعب إعادة فتح ملفه ومناقشته وصياغته، إذ لا بد لمن يريد التصدي لهذا المفهوم أن ينغمس ويكون مقبولا في ذلك المشهد، كي يكون كلامه مقبولا، وهي مفارقة تجعل من يريد أن يتعرض لهذه المنظومة شخصا منتميا إليها، وفور ضرب أواصر هذه العلاقات المتشكلة في الظل يتم رفض الرأي وتسقيط وإخراج قائله وتجريده من دفء الانتماء والتقبل من بقية الأفراد. وبالتالي يستحيل تفكيك هذا الفضاء الثقافي، إذ أن الكرة دائما في ملعبه، ولا يمكن تفكيك هذا المفهوم وإيصال رأي مضاد بغير أدواته.
وهنا سؤال أو تشكيك في صحة مشهد ثقافي كهذا، الذي هو أقرب لمجموعات collective اجتماعية وليست فضاءات ركناها الرأي والرأي الآخر، ومداورة الأفكار لتثاقف صحي خصب ومنتج فكريا وعلميا وأدبيا. وتشكل هذه الجماعات سلطات أبوية تشكل العقبة الرئيسة للتواصل الثقافي، التي ينبغي لكل مثقف ومفكر حر مجابهتها لتحريك ركود الأفكار وتخشب الرؤى ورفض المألوف لمجرد كونه مألوفا. المثقف في مثل هذا الفضاء هو أقرب إلى صورة إعلامية، حضوره ومظهره وطريقة حديثه والمفردات والمصطلحات التي يستخدمها تشكل دلالات من الدرجة الثانية لها مدلولات تُفهم في ذلك السنتام المتكون في الظل وغير المصرح عنه. ولذلك المنتمي لهذه الجماعات هو يمارس تلميع هذه الصورة بأدوات ذلك الفضاء الإعلامية بدون ممارسة حقيقية للتثاقف المقود بالأفكار والآراء، حيث يكون إتقان ذلك الفرد للغة أجنبية على سبيل المثال أو حضوره في محافل يتواجد فيها ممن لهم حضور إعلامي قوي أو الاستناد إلى الإحصائيات المضللة كعدد المتابعين وعدد مبيعات الكتب، أو ربط اسمه بألقاب لا تمت بتاتا لنشاطه الثقافي، كالطبيب والمهندس وغيرهما، كلها تساهم في خلق وجاهة كاذبة تساعده في الانضمام لذلك الفضاء غير المحكي عنه، وعليه يقبل تلك البروتوكولات ومن ثم يمارس نشاطه الثقافي الذي ما هو إلا غاية للحفاظ على الوجاهة ودفء الجماعة.
هذه القراءة موازية للقراءة التي قام بها رولان بارت في تشخيصه المجتمع الفرداني المتحكم فيه بالطبقة البرجوازية، مع اختلاف دوافع ومحركات سنتام المشهد الثقافي العربي الناشئ في بيئة ذات ثقافة جماعاتية لا فردانية.

٭ كاتب سعودي

سيميائية المشهد الثقافي العربي

حسين الضو

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left