حركة المقاطعة والشموليون… المتفرّجون

إبراهيم نصر الله

Feb 22, 2018

في الحفل السنوي للجمعية العربية لحماية الطبيعة، التي تمكنت من زراعة 3 ملايين شجرة في فلسطين، الحفل الذي حضره عمر البرغوثي مؤسس حركة المقاطعة، وماندالا مانديلا حفيد الزعيم نلسون مانديلا، وقف أحد الصحفيين ليوجه سؤالا غريبا للبرغوثي: هل تفكر حركة المقاطعة بأن تتحول إلى حركة مسلحة؟!
البعض حزن من مستوى فهم الصحفي للحركة، والبعض أكد حزنه على المستوى الذي بلغته بعض صحافة اليوم، لكن السؤال في الحقيقة يتجاوز تلك القاعة التي طرح فيها، إلى ما هو خارجها، ليشير إلى أننا، في تعاملنا مع قضايانا، شموليون إلى حد مخيف.
كثير من الناس الذين يقابلهم المرء يريدون كل شيء دفعة واحدة، ولا يؤمنون بأي عمل رمزي، أو ما هو أبعد من رمزي في مجال النضال ضد الصهيونية، ولا يريد بعض المتقاعدين عن النضال، كما لا يريد المتقاعسون، أو المتفرجون، ولا يدركون أي شكل آخر من أشكال المقاومة، إنهم مع تحريرها فورا من النهر إلى البحر، وهذا حق وطني وإنساني، لكنهم إذا ما أطلقوا طلقة من فوق أرائكهم، فإنهم يطلقونها ضد كل من يعمل لتجذير هذا التحرير في الفكر الإنساني، دون أن يبدّل هؤلاء حتى جلستهم.
سؤال الصحفي الذي يمثل وكالة أنباء رسمية، نموذج لذلك، فدولته ضد إطلاق أي رصاصة نحو عدو لم يعد عدوًّا بالنسبة لها، ولكن هذا الصحفي يملك الجرأة لمحاكمة حركة المقاطعة بسؤاله (الوطني التحريري)، السؤال الذي لا يريد أن يعترف بأثر حركة المقاطعة، فهو أشبه ما يكون بسؤال استنكاري يضع حركة المقاطعة في مرتبة نضالية ثانية، مع أن الحركة اليوم، باتت في حضورها أقوى من أي حزب أو تنظيم فلسطيني على الأرض، ليس هذا إلا بسبب الترهل التنظيمي والانغلاق التنظيمي والاتكاء على الماضي التنظيمي، أو بقيام هذه التنظيمات بتقسيم فلسطين على ما نراه وتمزيقها، في وقت تقوم حركة المقاطعة بتجميعها، وتوحيدها، ورسم صورة مغايرة لها في الضمير الإنساني، بعد أن ميّعتها القيادات السياسية، وأرجعتها، وترجعها، منذ انتفاضتها الأولى إلى الوراء أكثر فأكثر.
من هنا يمكن القول إننا شموليون، وربما لا ندرك ما يقوم به البعض من المناصرين لنا إلا بعد أن يستشهدوا، راشيل كوري نموذج مغاير لما نحن عليه، وفيتوريو أريغوني، والفنانون الأجانب الذين يرفضون زيارة الكيان الصهيوني، نموذج مغاير، الفنانة التي ترفض الغناء في دولة تقتل وتحتل وتستبيح، والأكاديمي الذي ينادي بالمقاطعة، والكاتب، المخرج، ربة البيت التي ترفض شراء بضاعة صهيونية في باريس أو دبلن أو روما، نماذج مغايرة، يعرفون أنهم، رغم كونهم أفرادا يُحْدِثون فرقًا في مسيرة الحياة وتغييرًا، لأنهم يملكون ضميرا وبُعد نظر، وهؤلاء أنفسهم، أو آباؤهم، وأجدادهم، هم الذين أحدثوا الفرق في مفاصل كبيرة عبر حياة البشرية، حين تعلق الأمر بفيتنام، وجنوب أفريقيا، وكثير من بقاع الأرض.
نعاني هنا من أناس يريدون كل شيء دون أن يفعلوا شيئا، ويشككون في كل شيء، ليظلوا فوق أبراج المبادئ حرّاسا، وإذا ما حدَّثتهم عن دور الأدب، الفنون، المواقف الفعلية التي يدفع أصحابها أثمانا باهظة لها، إذا ما حدَّثتهم عن إيقاد شمعة في مسيرة احتجاج، اعتصام، مظاهرة ضد سفارة أو زيارة لطاغية، أو أمام جدار، يهزون رؤوسهم، في أبراج آلياتهم الثقيلة! وكأنهم يجارون طفلا صغيرا في منطقه، أو أوهامه التي تجعله يظن أن هذه الوسائل يمكن أن تكون مفيدة!
هؤلاء لا يدركون الأهمية الفعلية، وليس الرمزية وحسب، لأناس جاؤوا من أقصى الأرض لكي يقيموا في بعض المناطق الفلسطينية التي تعتبر مناطق خطرة لا يستطيع الأطفال فيها الوصول إلى مدارسهم، فيذهبون في مهمة يومية شجاعة، هي مرافقة الأطفال إلى المدارس وإعادتهم منها كي لا يتعرضوا لاعتداءات الجيش الصهيوني والمستوطنين، وكي لا يكونوا فريسة للجهل إذا حُرموا من كتبهم المدرسية ومقاعدهم وملاعبهم.
بعد انتخاب ترامب رئيسا، أعلن عدد من مصممي الأزياء بأنهم لن يتعاملوا مع السيدة الأولى للبيت الأبيض احتجاجا على مواقف زوجها، وهذه بادرة تحدث للمرة الأولى. مصممة الأزياء الفرنسية صوفي شياليه التي تعيش في نيويورك أعلنت رفضها التعامل مع ميلانيا، احتجاجا على (الخطاب العنصري والتمييزي ضد النساء والأجانب الذي اعتمده زوجها خلال الحملة الانتخابية). وما لبث عدد من أشهر المصممين أن اتخذوا الخطوة نفسها.
بالتأكيد، سوف تجد ميلانيا آخرين يصمّمون لها، ولكن سيكون هناك فتقٌ ما، مَزْقٌ ما، في كل فستان سترتديه، لأن هناك من رفض أن يشارك في تصميمه.
لم تنجح حركة المقاطعة هكذا، إلا لأنها أدركت أن كل إنسان يستطيع أن يفعل شيئا، يقدم شيئا، وحسب طاقته، ولذا تشكَّلَ نَهَرُها في النهاية من ملايين قطرات الماء النقية، بحيث باتت خطرا فعليا، لا من حيث أثرها الاقتصادي وحسب، بل من حيث قدرتها على أن تزرع في الفكر البشري يوما بعد يوم، أن هذا الكيان، هو كيان عنصري، فاشي، قاتل، وتلك في الحقيقة أفضل فكرة يمكن أن تسود، تمهيدًا للتّخفف منه.

حركة المقاطعة والشموليون… المتفرّجون

إبراهيم نصر الله

- -

3 تعليقات

  1. مقالك سيدي من ( كلام نواعم ) في هذا الشرق الأوسط المضطرم.يقول بسمارك وهولصادق { المدفع يمزق الورق }.وكذلك الممحاة والقلم.وأقف
    مع عبارتك : { بالتأكيد، سوف تجد ميلانيا آخرين يصمّمون لها، ولكن سيكون هناك فتقٌ ما، مَزْقٌ ما، في كل فستان سترتديه، لأن هناك من رفض أن يشارك في تصميمه }.فهل سيتراجع مثلًا زوجها ترامب عن اعترافه أنّ القدس عاصمة لليهود ؛ بسبب من احتجاج مصممي الأزياء ؟ أم : { لا تفتّح لهم أبواب السّماء ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط } ؟

  2. مقالة الأديب الكبير ابراهيم نصر الله اصابت كبد الحقيقة ، وهي معالجة واعية وتشخيص دقيق لاهمية نضال المقاطعة على اختلاف اشكالها ، لكن ماذا نفعل يا استاذنا العزيز والمزايدات أصبحت اسهل الحلول .

  3. المشكلة يا صديقي الأستاذ براهيم ان الأنظمة الشمولية عامة تحالفت مع الصهيونية وتتجاهل اي نشاط عربي ضدها بل ان كل همها هو التصدي لإيران. ومن المؤسف بل والمشجع ان بعض المؤسسات وألأفراد اليهود في مختلف انحاء العالم يناصرون المقاطعة اكثر من القادة العرب .
    حركة المقاطعة مستمرة وتزداد زخما واصبحت تشكل سلاحا مؤثرا باتت تخشاه الحركة الصهيونية واسرائيل ترصد لها الأموال وتبذل الجهود من اجل التصدي لها. حركة بي دي إس تغزو الجامعات والمعاهد والمؤسسات الإقتصادية في مختلف انحاء العالم وهي مستمرة ولن تتوقف الا بعد ان تحقق اهدافهاز
    تخية قلبية لك

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left