مصر: بين الفرنكفونية والأمركة والرفض العَمْد للكفاءات الوطنية

محمد عبد الحكم دياب

Feb 24, 2018

يبدو أن مصر تشهد اندفاعا متسارعا نحو الفرنكفونية لتحل محل الأمركة، مع استمرار مظهر العلاقة الحميمية بين «المشير» والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. والاثنتان؛ الأمركة والفرنكفونية تزيدان القرب المتنامي بين الرئاسة المصرية وأركان الدولة الصهيونية، والعلاقة بالفرنكفونية تبدو أكبر وأعقد، وهي ليست بالخفة التي تُمارس في الدوائر الرسمية والسيادية، والفرنكفونية لو لم تواجه فمن المتوقع أن يكون تأثيرها كارثيا على الثقافة الوطنية والقومية؛ الضاربة في عمق الزمن، وتزداد خطورة الفرنكفونية بفعل الفراغ الثقافي والروحي الناجم عن إهمال التعليم وإفسادة وتحويله إلى سلعة بعد أن كان خدمة مجانية للمواطنين.
والأمركة نشأت واستمرت بالإبادة؛ بأشكالها ومضامينها.. الحضارية والثقافية والتاريخية والعرقية.. وكونها بلا ظهير تاريخي اسْتَعْدَت الثقافات الوطنية وشوهت الهويات القومية، ولذلك أصيبت الشعوب المؤمركة بالخرف «الزهايمر» الثقافي، وتُصوَّر الأمركة لهذه الشعوب كعلاج لذلك الخرف.. والآلية المعتمدة للفرنكفونية هي الضم و«فَرْنَسَة» الجماعات البشرية التي تقع تحت الاستيطان الفرنسي، وكانت الجزائر؛ ذلك البلد العربي الشقيق، نموذجا فرنكفونيا صارخا قبل التحرير، ولمدة مئة وثلاثين عاما. وكانت الأمركة والفرنكفونية وما زالت من أهم روافد الحركة الصهيونية، منذ غزو نابليون للشرق العربي، وتكفله برعايتها؛ قبل تجسيدها في كيان استيطاني عنصري؛ نتابع عدوانيته ودوره الإقصائي للوجود الفلسطيني ولثقافته الوطنية والعربية.
ويأتي الاندفاع الرئاسي في وقت تعيش فيه الأمركة مأزقا شديدا وتواجه الفرنكفونية أزمة مستفحلة، والمأزق واضح من كونها تيارا بلا تاريخ، وفقد عقله ورشده بدخول دونالد ترامب ورهطه إلى البيت الأبيض. وموضوعنا هو الورطة الرسمية المصرية مع الفرنكفونية، وسبق أن تناولنا الأمركة مرارا.
ومن المفيد قراءة شهادة الكاتبة والشاعرة التونسية آمال موسى عن الفرنكفونية في مقالها المنشور هذا الشهر، واعتمدت في شهادتها على تقرير «المجلس الأعلى للفرنكفونية»، ورصدت تراجع الفرنسة (مرادف الفرنكفونية) في أفريقيا، وتقهقرها بشمالها، وانخفاض المتحدثين بها لأقل من 28‪٪‬ في الجزائر. وحصول سبعة آلاف طالب تونسي على درجة صفر في اللغة الفرنسية في امتحان البكالوريا العام الماضي. وفي المغرب تراجعت اللغة الفرنسية، وهو بلد يحتل الترتيب الخامس في قائمة الدول الفرنكفونية. وأضحت اللغة العربية في صدارة اللغات المستخدمة في شبكات «التواصل الألكتروني» بين المغاربة وعرب الشمال الافريقي.. واستشهدت على ذلك التراجع بتصريح للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين زار تونس مؤخر وقوله: «أعلن عن رغبتي في تعزيز تعليم الفرنسية، أرغب في إعطاء دفعة للفرنكفونية في تونس».
ويبدو أن «المشير» رأى في غزو الفرنكفونية تعويضا عن خفض المعونات والقروض الاقتصادية والعسكرية الأمريكية لمصر.. ثمنا لالتزام حكوماتها بـ «اتفاقية السلام» الصهيونية، وتعويضا عن الانشغال الأمريكي في المواجهة مع روسيا وكوريا الشمالية والصين وإيران وتركيا وسوريا وحزب الله.
ويستند «المشير» في علاقته بالفرنكفونية على أكثر مجالاتها تهديدا لمستقبل مصر؛ عن طريق «الشراكة الفرنسية المصرية في إعداد وتدريب واختيار القيادات وكبار المسؤولين فى الدولة المصرية»، وهي شراكة فيما لا يجب المشاركة فيه، فإعداد وتدريب واختيار القيادات والمسؤولين؛ مهمة وطنية صرفة لا تقبل الشراكة مع أحد، فالعمل الوطني ليس اختصاصا أمريكيا ولا فرنسيا وليس شأنا صهيونيا، ولا دخل لأحد فيه.. إنه عمل مؤسسات وهيئات وطنية مسؤولة؛ بها ما يكفي من الكفاءات، وسبق أن أعادت بناء الدولة بمؤسساتها وهيئاتها بعد نكسة 1967، وقبلها تحولت مصر لورشة كبرى تسابق الزمن في إعداد وإنجاز المشروعات العملاقة؛ في الانتاج المدني والعسكري والخدمي، وكنا من جيل شاهد ذلك عن قرب، وقد تأتي فرصة لحديث مفصل عن ذلك، وكيف كانت الوفود الزائرة؛ عربية وأجنبية، تسأل من أين حصلنا على تلك الخبرات والمهارات.. وأي بلاد ذهبنا إليها للدراسة، وكان الزوار من الأشقاء العرب يسعدون حين يتأكدون أنها السواعد والعقول المصرية والعربية الخالصة مئة في المئة.
كان عنوان صحيفة «الأهرام» شبه الرسمية في 19 فبراير/شباط 2018 عن «الشراكة» المصرية الفرنسية عن طريق «المدرسة الوطنية الفرنسية للإدارة»، وقيامها بالإشراف على «الأكاديمية المصرية للشباب»؛ المُخطط لها أن تكون مصدرا رئيسيا لاختيار مسؤولي وقادة الدولة. وبذلك يقع «المشير» في المحظور؛ بتنازله عن دور الدولة في أكثر المجالات خطورة على الأمن الوطني، والتجاوز على حق الأحزاب والجماعات السياسية في تدريب وإعداد أعضائها وقياداتها، والقبول بغزو سياسي وثقافي طوعي جاء استجابة لطلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإحياء الفرنكفونية، التي يوليها اهتماما خاصا؛ تجاوز علاقة رئيس بثقافة بلده الوطنية إلى تعويله على اللغة في استعادة الحقبة الاستعمارية. ويواجه لذلك تحديات كبيرة؛ أسبابها واضحة؛ منها أن الفرنسية لم تعد لغة عالمية، وتراجعت للمرتبة التاسعة من حيث عدد المتحدثين بها، ونسبتهم 3.05‪٪‬ من سكان العالم؛ خلافاً للإنكليزية التي يتحدث بها ربع سكان العالم، وضَعُف تأثيرها بهجرة الأجيال الشابة لها؛ بحثا عن فرص عمل أفضل وتحقيق طموحات أكبر. بجانب رد اعتبار اللغة العربية في إدارة شؤون دول المغرب العربي، إضافة إلى تأثير تراجع الدعم الفرنسي المالي والثقافي والفني لها.
وفي افتتاح حقل «ظَهَر» للغاز قال «المشير»: حنعمل (سنعمل) أكاديمية نعلم فيها الناس يعني إيه (ماذا تعني) الدولة؛ مش أي واحد ميعرفش يفك الخط (أي لا يعرف الكتابة) يتصدى لإدارة الدولة!! وهو كلام يتنافى مع اشتراطات الدستور في المؤهلات العلمية والمهنية الموضوعة لموظفي ومسؤولي الدولة، وهذه مخالفة دستورية تحتاج لتفسير، وكانت أقل المؤهلات لمرشحي الرئاسة في انتخابات 2012 هو المستوى الجامعي، والأغلبية كانوا حملة ماجستير ودكتوراه، وكلهم تقريبا ذوو كفاءات في مجالاتهم المهنية والتنظيمية، ومنهم من تصدى لفساد الحكم، وتحدى السطوة البوليسية، ويا ليت «المشير» يضرب الأمثلة المؤكدة لما يقول ويُصرح.
ومن استبعدوا من انتخابات الرئاسة الشهر المقررة الشهر المقبل يحملون شهادات جامعية، ومن المسؤولين السابقين والشخصيات العامة، التي لها باع في المجالات المدنية والعسكرية، ومن نختلف معه منهم لا نبْخسِه حقه، ونقر بجدارته العلمية والمهنية والقيادية والشخصية إذا ما استحقها، وتأكدنا من أنه كان «يفك الخط»، ويتحدث بكلام مفهوم ومرتب، و«المشير» يعلم أنه رئيس بلد معروف عنه أنه «بلد شهادات»، فرئيس الوزراء الأسبق المستبعد من الترشيح كان «يفك الخط»، وكذلك رئيس الأركان السابق الذي يعاقب على نيته في الترشح، وليس على عدم معرفته الكتابة أو عدم قدرته في التحدث إلى الناس، والقاضي ورئيس الجهاز الرقابي السابق عُزل ليس لكونه لم يحصل على شهادة تفيد معرفته الكتابة، ولم يسبق أن اعتلى قاض غير مؤهل منصة القضاء، والأمثلة لا تحصى ولا تعد.
ونصيحة يسديها رجل مخضرم مثلي إلى أي مسؤول مهما علا منصبه وكَبُرت وظيفته ألا يستهين بأحد أو يقلل من قدره، أو يزكي نفسه وينكل بمخالفيه، فهذه عادات بالية؛ نهت عنها العقائد والقيم الدينية والوضعية، ونبذتها الأعراف والتقاليد العامة والاجتماعية. ومع هذه النصيحة أضيف أن معارفنا المتواضعة والقيم، التي تربينا عليها علمتنا «أن العظمة لله وحده»!!.

٭ كاتب من مصر

مصر: بين الفرنكفونية والأمركة والرفض العَمْد للكفاءات الوطنية

محمد عبد الحكم دياب

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left