بين الأجندتين المحلية والدولية: فلسطينيو الداخل.. حان وقتكم لتتحدثوا اللغة الإنكليزية

أسعد غانم ووديع عواودة:

Feb 24, 2018

الناصرة – «القدس العربي»: برؤية تاريخية منذ 1948 ما زال صوت المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل غير مسموع كفاية في العالم، مقارنة مع أقليات أخرى. في ظل هذا الفراغ تستغل إسرائيل المواطنين الفلسطينيين كورقة دعائية بأشكال مختلفة للحديث عن الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وعن «الفيلا داخل الغابة» وعن الأقليات وضمان حقوقهم السياسية والدينية.
في مرات كثيرة تستغل وجود نواب عرب في الكنيست لإيصال رسالة للعالم حول التسامح والمساواة المدنية باعتبارها روح الديمقراطية، رغم أنها تقوم على الأرض بما ينسف مزاعمها المعلنة. بالنظر للأيدي الفاعلة في إسرائيل لإسماع الألسن اللاهجة بالحلو والمعسول تبان مواطَنة عمرها سبعون عاما أنها ما زالت إجرائية ومنقوصة جدا في جوهرها، وهذا في أحسن الأحوال، فالمواطنون العرب لا يخرجون فقط من الإجماع القومي في إسرائيل وتحرّم مشاركتهم في الحكومة، بل لم تتبدل النظرة الأمنية لهم باعتبارهم تهديدا أمنيا وديمغرافيا منذ اعتبارهم هكذا من قبل رئيس حكومتها الأول دافيد بن غوريون عام 1948.
خلال زيارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس للكنيست في الشهر المنصرم تم إخراج كل نواب المشتركة بفظاظة، بمن فيهم أولئك الذين لم يرفعوا لافتات احتجاجية. مع ذلك تم عرض ذلك  كـ «دليل» على الديمقراطية من قبل المضيفين ومن قبل الضيف على حد سواء.
هناك عدة أسباب تتعلق بجهات مختلفة: اولا أهمل المواطنون العرب الجبهة الخارجية تاريخيا منذ 1948 بعد فقدان وطنهم غداة النكبة ومكابدتهم صدمة وخوفا دفينا من التهجير، لا سيما أن العالم العربي تركهم كما تترك الأم مولودها في السرير وتهرب. استمر الخوف لسنوات بعد فترة الحكم العسكري (1948- 1966) باعتبار أن الخروج للعالم «استعداء لإسرائيل وتحد لها».
ثانيا: يضاف لذلك سياسات الأسرلة والاحتواء، فهذه لعبت دورا بتكريس أجندة محلية فقط.
ثالثا: تشتت الفعاليات السياسية العربية في إسرائيل أيديولوجيا وسياسيا، وتغليب الأجندات والولاءات الحزبية والمصالح الشخصية للسياسيين والناشطين أدى لعدم بلورة استراتيجية سياسية تشمل أيضا تدويل بعض قضاياهم. طبعا أثقل على هذه المهمة عدم إتقان الإنكليزية كلغة دولية طيلة سنوات كثيرة في الماضي، وهذه اليوم لم تعد عائقا.
 رابعا: لا شك أن ميول الغرب المتواصلة حتى اليوم للتركيز على الصراع الكبير وعدم الاهتمام بقضايا المواطنين العرب في إسرائيل وربما تأجيلها لما بعد تسوية القضية الفلسطينية لعب دورا في إهمالهم في مؤسساته وإعلامه. وهذا يفسر السكوت على عمليات تهويد الدولة وعلى تشريعات غير ديمقراطية أخرى زادت بشكل كبير منذ عاد اليمين للحكم في 2009 ، حيث يتولى رئيسها بنيامين نتنياهو عمليات التحريض المباشر وتهويش اليهود من «التدفق في الحافلات للتصويت» حتى «العدو الخارجي هنا .. بيننا».

ما الجديد؟

هناك تغيير طفيف: نشهد في السنوات الأخيرة مبادرات فردية وغير منظمة وغير كافية، نتيجة تحول حكومات إسرائيل لسياسات استعداء سافر وضغوط فظة، مما يشجع للخروج بالشكوى للعالم. لجنة»المتابعة العربية العليا، التقطت الفكرة وأطلقت قبل عامين ونيف «اليوم العالمي لدعم الفلسطينيين في إسرائيل» وهذا ينبغي البناء عليه. حتى الآن وفي ظل إمكانات المتابعة العليا «ما زالت المبادرة محدودة وغير جامعة، تعوزها خطة مبلورة وما زالت تعتمد على السفارات الفلسطينية فحسب، وتحتاج لدعم عدة أطراف بغية بلورتها وتحديثها بما يتلاءم مع وضعنا ومطالبنا».
لا شك أن تشكيل القائمة العربية المشتركة عام 2015 زاد من ثقة السياسة العربية بذاتها، ودفع العالم للتنبه لجمهورها نتيجة ارتفاع قوة تأثيره السياسي والضجة حولها. وهذا دفع جهات سياسية وإعلامية دولية للاهتمام بالمواطنين العرب وقضاياهم. ويمكن القول إن الإعلام العالمي بحث عن فلسطينيي الداخل أكثر مما بحثوا عنه كما يحصل اليوم مثلا مع صحيفة «ذي غارديان» البريطانية التي انتدبت الكاتب الصحافي أيان بلاك لزيارة البلاد، وإعداد تقرير عن حيفا في هذه الأيام، بالإضافة لمنصات صحافية مهمة أخرى في العالم تهتم أكثر من الماضي بوضع الداخل. كما أن نواب المشتركة بادروا لزيارة مؤسسات دولية لكنها ما زالت فردية وغير منهجية وبدون رؤية وخطة عمل، وتبدو أحيانا استعراضية ضمن «حرب النجوم» بين بعض نوابها.

زيارة بريطانيا

هناك وعلى سبيل المثال، شارك كاتبا هذا التقرير مجموعة شملت الناشطة سناء كنانة والمحامي أمجد عراقي، في ندوة عن العرب في إسرائيل. ومن ضمن أهم استخلاصات التجربة جهل أوساط واسعة هناك بنا وتعطشهم لسماع قضايانا.
في رحاب معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أكزيتر تكررت التجربة في  ندوة مماثلة مع البروفسور إيلان بابيه، تخللتها أسئلة الجمهور الأجنبي عن فلسطينيي 48.
وفي حديث لاحق قال بابيه إنه تلقى في اليوم التالي رسائل يقول أصحابها إنهم سمعوا للمرة الأولى عن المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. بل استذكر بابيه أنه سمع ملاحظات مطابقة من جهات عربية، وقال متوددا عن الجهل المتفشي حتى اليوم «سئلت من قبل طلاب من دول عربية: من هؤلاء «اليهود العرب»؟.

ما الحل؟

اولا: طبعا ليس سهلا لفت أنظار الإعلام الدولي لقضايا الأقلية العربية في إسرائيل لانشغاله عادة بقضايا أكثر. لكن بالطبع ممكن تعريف العالم بها من خلال خطة سياسية هي ثمرة عمل جماعي، أولا تكون الأدوات الإعلامية جزءا منها. على المستوى العملي يمكن المبادرة والتوجه للإعلام الدولي ومرافقته وتعريفه بقضايا ساخنة كما يجري في النقب وهدم البيوت في سائر المناطق، مثلما يمكن كتابة مقالات رأي بشكل منهجي في الإعلام الغربي المكتوب والقيام بمبادرات تعطي فرصة للإعلام أن يغطيها ومن خلالها تحقيق الهدف المنشود. على سبيل المثال زيارات دائمة لمؤسسات دولية كالبرلمان الأوروبي والأمم المتحدة ومؤسساتها، واللقاء الدائم بالسفارات الأجنبية واللقاء بمنتديات غير رسمية والتواصل مع سفارات الدول في تل أبيب ..الخ.
ثانيا: من المهم أن يتقن مندوبو المواطنين العرب في إسرائيل لغة الحقوق المنتشرة أكثر فأكثر في العالم اليوم، واستخدام خطاب المواطنة والذهاب للعالم كمواطنين في إسرائيل. على المستوى الإعلامي حان الوقت لتشكيل لجنة إعلامية وطنية تتمتع بشبكة علاقات وصداقات مع الصحافيين الأجانب تتولى صياغة خطة ناجعة للتعامل مع الإعلام الأجنبي والعبري أيضا.
لاشك أن فلسطينيي الداخل كبروا كما وكيفا ويملكون طاقات حقيقية كبيرة تحتاج للتنظيم والاستثمار بما يساعد في فضح، وربما منع ما يحاك اليوم وغدا ضد أقلية وطن أصلية لا يكفيها أن تكون محقة.
عاد كاتبا التقرير للتو من جولة في بريطانيا زارا خلالها عدة مدن وجامعات ومعاهد، وقد تعزز مجددا الوعي بما قيل.
في بريطانيا وحدها التقيا بمجموعة من الطلاب والناشطين ممن يجيدون الإنكليزية، ويمتازون بوعي سياسي وثقافة واسعة يدفئون القلب ووجدوا لهم أقرانا في كل دول العالم. هؤلاء يحتاجون لمبادرة تجمعهم وتشاركهم في صياغة مشروع علاقات عامة خارجي وتناط بهم مهمة السفير المتجول لفلسطينيي الداخل ولقضاياهم وتنظيمهم مهمة الفعاليات السياسية والأهلية، ولا بأس من امتحان وتحدي الموقف الديمقراطي المعلن من قبل المجتمع الدولي خاصة الغربي. ويستطيع فلسطينيو الداخل بسهولة تشكيل خلايا عمل على الأرض في كل المدن الرئيسية في العالم، وذلك يتطلب القليل: رصد ميزانية معينة من الأموال الهائلة المتدفقة على الأحزاب العربية من الكنيست شهريا وتدبير جماعة عمل جدية من ناشيطي المجتمع المدني والأكاديميين لمتابعة الموضوع، وتحضير مواد كافية بالإنكليزية عن أوضاعهم وتنكيل إسرائيل بهم وتمييزها ضدهم. الأمر ببساطة ممكن لو ترفعت قيادات الداخل قليلا عن التفكير في أولوياتها الفردية أولا، واستفاقت من وهم إمكانية تحقيق مطالب الجمهور العربي وضمان حياة كريمة ودرء مخاطر مستقبلية بغير ضغط خارجي على إسرائيل، شعبيا ورسميا من دول العالم ، والأرضية جاهزة، تنتظر منهم أن يلتقطوها.

بين الأجندتين المحلية والدولية: فلسطينيو الداخل.. حان وقتكم لتتحدثوا اللغة الإنكليزية

أسعد غانم ووديع عواودة:

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left