كيف نحمي أطفالنا من مخاطر الانترنت؟

انتحار طفل تونسي في لعبة «الحوت الأزرق»

روعة قاسم

Feb 24, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: هزت حادثة انتحار طفل تونسي في الثالثة عشرة من عمره شنقا في مدينة زغوان نتيجة ممارسته للعبة الحوت الأزرق، الشارع التونسي وأصابت الكثيرين بالحيرة والذهول. فلم يكن أحد يتوقع أن توصل لعبة إلكترونية شخصا إلى الانتحار خصوصا إذا تعلق الأمر بصبي يافع ما زال يتحسس أولى خطواته في درب الحياة الشائك.
واللافت أن الطفل التونسي ليس الوحيد الذي انتحر إثر ممارسة هذه اللعبة الغريبة، فهناك لائحة تضم ضحايا من بلدان أخرى، عربية وأجنبية، منهم طفلان من الجزائر وطفلة سعودية لم تتجاوز 12 عاما تدعى خلود سرحان وأخرى تدعى أنجلينا دافيدوفا من روسيا ألقت بنفسها من علو شاهق والأوكرانية فيلينا بيفن التي لم يتجاوز عمرها 15 عاما.
وابتدع اللعبة شاب روسي يُدعى فيليب بوديكين يبلغ من العمر 21 عاما بغاية تطهير المجتمع من «النفايات البيولوجية» على حد تعبيره أثناء التحقيق بعد أن تم القبض عليه واعترف بجرائمه، وأكد أن من أقدموا على الانتحار تنفيذا لـ»وصايا» لعبته كانوا سعداء بما يقومون به عن طيب خاطر ومن دون إكراه من أي طرف كان.
أودع مبتدع اللعبة السجن وهو الذي كان يستهدف شريحة بعينها أي الأطفال الذين لديهم مشاكل عائلية أو اجتماعية باعتبار هشاشة وضعهم النفسي وسهولة إقناعهم بعيدا عن رقابة الأولياء. فهذه اللعبة تمكنهم من إثبات الذات بعيدا عن مجتمع لم يعرهم الاهتمام اللازم والمطلوب في تنشئة الطفل سليما خاليا من العقد والرواسب النفسية.
ولعل السؤال الذي يطرح، كيف يسمح لهذه اللعبة أن تتواجد ويتواصل الانخراط فيها من قبل الأطفال والمراهقين رغم أن صاحبها مودع في غياهب السجن؟ ألا يؤكد ذلك أن هناك جهة أو مجموعة لديها أهداف محددة، ولا يقتصر الأمر على شخص المبتدع للعبة الذي من الوارد أنه مجرد كبش فداء للتغطية على نشاط الآخرين؟ لماذا لم يقع القبض على بقية أفراد الفريق المشرف على اللعبة وتركهم أحرارا يدفعون المراهقين دفعا إلى الانتحار؟

استهداف المراهقين

ولعل إمكانية تحميل «الحوت الأزرق» على أجهزة الهواتف المحمولة هو الذي جعل هذه اللعبة واسعة الانتشار في صفوف مستعملي الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة. كما أن استهدافها لشريحة المراهقين الذين تراوح أعمارهم بين 12 و 16 عاما، أي الفئة غير المكتملة النضج والقادرة على تدبر أمرها في حال عزمت على الانتحار خلافا لمن هم دونها سنا، يجعل من ابتدعوها ينجحون بسهولة في تحقيق مسعاهم.
ويبدو أن هناك جهة تتواصل مع المنخرطين في هذه اللعبة «التحدي» التي يطلب فيها بداية من المشارك الذي سيخوض خمسين مرحلة أن ينقش عبارة 57 F أو يرسم حوتا أزرق على ذراعه بآلة حادة. لأنه يطلب من المتباري أن يرسل صورة له بهذا النقش أو تلك الصورة لينال رضا المشرفين الذين يوجهون عن بعد ويدفعون المراهقين بتوجيهاتهم تدريجيا إلى الانتحار.
ومن بين التحديات التي يكون المراهق مجبرا على اجتيازها، ضرورة النهوض من النوم فجرا لتلقي مقطع موسيقي يؤثر سلبا على الحالة النفسية للمشارك، أي إصابته باليأس والإحباط. بالإضافة إلى مشاهدة أفلام الرعب والصعود إلى الأماكن المرتفعة مثل الجسور وأسطح المباني لمحاربة الخوف استعدادا للانتحار الذي هو الغاية على ما يبدو.
وأخيرا تأتي التعليمات للمشارك بعزل نفسه عن العالم الخارجي ومشاهدة أفلام الرعب مع تعذيب النفس من خلال جرح الجسم في أماكن متفرقة. وفي نهاية المطاف يطلب صراحة من المتباري أن ينتحر ولا يسمح له بالانسحاب بعد تهديده بفضح ما يمتلكونه عنه من معلومات صرح بها أثناء اجتيازه للعقبات المتعلقة باللعبة.

الرقابة العائلية

وتؤكد الدكتورة ايناس بنمسعود رزاق الأخصائية التونسية في طب الأطفال لـ القدس العربي» ان استعمال الانترنت بصفة عامة يحمل مخاطر وتأثيرات جانبية سلبية. وتضيف: «بالرغم من كل ايجابيات الانترنت والأهداف التي انشئت لأجلها ومنها تسهيل الحصول على المعلومة والبحث السريع، إلا أنه مع مرور الوقت اكتشف الأطباء والمختصون النفسيون ان هناك مشاكل تتأتى من استخدامها. وان لها تأثيرات جانبية نفسية وصحية خطيرة على الأطفال، خاصة عندما لا يخضع استخدامها لضوابط أو رقابة عائلية». فاستخدام لعب الانترنت أو أي نشاطات الكترونية دون رقابة يمكن ان يجر الأطفال إلى أعمال سيئة تصل في بعض الأحيان إلى درجة الموت كما حصل مع الطفل التونسي الذي انتحر مؤخرا بسبب لعبة «الحوت الأزرق».
وأوضحت ان هناك مخلفات سلبية أخرى للانترنت مثل صعوبة التركيز والتعلم وصعوبة اندماج الطفل مع محيطه الاجتماعي والعائلي بسبب قضائه وقتا طويلا أمام شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر أو الهاتف المحمول. وتضيف: «عندما يتمسك الطفل باستخدام الانترنت بطريقة مفرطة تصبح لديه صعوبة في تسجيل المعلومات في ذهنه إضافة إلى صعوبات في الاندماج الاجتماعي ويتحول إلى إنسان يعيش في عالم افتراضي». وقالت: «هناك ألعاب الكترونية ونشاطات تحمل معها خطرا كبيرا، إذ تضع الطفل أمام تحديات تفوق عمره وقدراته الذهنية، وعند تخطي مراحل اللعب يصبح مدمنا على الانترنت ويصب كل هدفه على الانتصار في اللعبة مهما كان ثمن التحدي. فبعض الألعاب الالكترونية مثل «الحوت الأزرق» تفرض تحديات، إذ يطلب البرنامج من المتلقي ضرب عروقه أو وضع حبل حول رقبته وعندما لا يقوم بالتحدي اللازم تصبح لديه حالة اكتئاب وهي الحالة القصوى، ويمكن ايضا ان يتعرض لاضطرابات النوم».
وتحذر رزاق من تعريض الأطفال تحت الثلاث سنوات إلى شاشات التلفزيون والانترنت. وبالنسبة للأطفال ما فوق عمر الثلاث سنوات، تنصح اخصائية طب الأطفال بعدم تجاوز الطفل الوقت المسموح له وهو ربع ساعة أو عشرين دقيقة في اليوم. ويمكن ان تطول المدة الزمنية حسب تقدم الطفل في العمر وتطور قدراته الذهنية. وحذرت من ان هناك أيضا مخاطر أخرى تتأتى من بعض مواقع الاتصال أو الدردشة حيث يجد الطفل نفسه أمام نشاطات خطيرة أو تواصل مع غرباء دون رقابة الأولياء. لذلك شددت على ضرورة ان يكون استخدام الانترنت ضمن وسط عائلي وتحت رقابة الوالدين.

مجموعة الموت

ويؤكد حسام زواغي مهندس إعلامي واستاذ في جامعة منوبة مختص بتطوير الألعاب الالكترونية، ومسؤول في المنظمة التونسية لمطوري الألعاب التونسيين لـ «القدس العربي» ان ما يسمى بالحوت الأزرق ليس لعبة الكترونية، بل هو برنامج يتضمن مجموعة تحديات وضعها طالب روسي في كلية علم النفس يدعى بوتكين ويبدو انه كان مريضا نفسيا وألقت الشرطة القبض عليه وكان له شركاء ضمن شبكة اجتماعية لتطوير هذا النشاط الخطير وتدعى بمجموعة الموت». وأضاف: «أريد ان اؤكد انها ليست لعبة انترنت بل هناك مجموعة مسيرين يسهرون على برنامج التحديات الذي انطلق في روسيا عام 2013. وحدثت أول حالة انتحار سنة 2015. وعندما ألقت الشرطة الروسية القبض على مخترع هذا النشاط قال لهم انه أراد تطهير المجتمع عبر دفع الناس إلى الانتحار».
وعمن يقف وراء ترويج هذه النشاطات قال محدثنا انها لوبيات متطرفة تشبه لوبيات تهريب المخدرات وكلها تؤدي إلى الطريق نفسه أي الموت والانتحار. وأشار إلى انها ليست موجودة على محركات الألعاب العادية، وتصل إلى الشباب والمراهقين بطرق سرية من أجل نشر ثقافة الموت والانتحار. مشيرا إلى انها تتشكل من 50 مرحلة. وقال انه حسب تصريحات من نجوا من هذه المجموعة فانه كان يطلب منهم في البداية تحديات مضحكة مثل الذهاب للبحر ليلا، وهم يستهدفون الشريحة العمرية الهشة مثل الأطفال والمراهقين لنقص الوعي لديهم عبر عملية غسل دماغ كلي. وقال ان الخطورة تكمن بان هذا البرنامج يطلب من المتلقي رقم بطاقته وهويته الحقيقية ومعلومات عن أصدقائه وعائلته ومحطيه وإذا أدلى بالمعلومات الصحيحة حينها يكون قد وقع في فخ مجموعة الموت، حيث تقوم بتهديده بقتل عائلته أو أصدقائه إذا لم يكمل مراحل البرنامج كاملة حتى الموت انتحارا، لذلك يقدم على الانتحار وهو في حالة تخدير عقلي ويعتبر نفسه بطلا لأنه ضحى بنفسه من أجل حماية عائلته.
وقال زواغي ان انتشار هذه البرامج الخطيرة يصبح سهلا بسبب تفكك الروابط العائلية وعدم وجود رقابة على الأطفال والمراهقين. وتابع: «هناك عديد اللعب الخطيرة الأخرى، والحماية ليست في منع التطبيقات لأنه يصعب ذلك في ظل انتشار الانترنت لكن يجب تطوير الوعي الحديث مع الأطفال والشباب والمراهقين واعطائهم الفرصة للتعبير عن أفكارهم وأحلامهم وطموحاتهم دون خوف».

كيف نحمي أطفالنا من مخاطر الانترنت؟
انتحار طفل تونسي في لعبة «الحوت الأزرق»
روعة قاسم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left