سيرة رجل نهب الأهواء

الروائية السعودية زينب حفني في «الشيطان يحب أحياناً»:

محمد معتصم

Feb 24, 2018

من خلال رواية الكاتبة السعودية زينب حفني «الشيطان يحب أحيانا»، يتضح أن السرد غير المركب يعوض البنية المركبة من المحكيات التامة وغير التامة، بنوع من المحكيات القصيرة التي تكسبه التنوع والتعدد، وبذلك الإجراء الكتابي يتم تكسير التواتر السردي وخطية السرد.
رواية حفني تندرج ضمن الكتابة النسوية الجديدة التي تنتقد بهدوء السلوك الذكوري وتبرز قيمة المرأة اجتماعيا دون الإعلان الحاد عن الموقف الإيديولوجي الذي يجعل من الذكورة رمزا للسلطة والقهر اللذين تعاني منهما المرأة في المجتمع. وهذه تجعل الرجل رمزا للأنظمة الرأسمالية التي تحول جسد المرأة إلى سلعة تذر المال، ضاربة عرض الحائط بقيمتها الإنسانية ومكانتها في الأسرة وفي بناء المعرفة وترسيخ قيم العدالة ونشر روح المحبة بين الأجيال المتعاقبة.
تنبني القصة على ثلاث شخصيات روائية محورية، هي: مالك (الزوج) وعواطف (الزوجة) وسراج (الابن)، وبذلك تندرج الرواية ضمن «حكاية الأسرة»؛ الأم عواطف مصرية من جذور سعودية والأب من مدينة جدة السعودية، وهذا التشكيل العرقي يخدم أكثر لفضاء الروائي ويوسعه بالانتقال بين أمكنة ومعالم مصرية خاصة في القاهرة، وأمكنة ومعالم من جدة في السعودية. بلدان بقيم وأعراف مختلفة وأوضاع اجتماعية واقتصادية مختلفة تثري حتما المتن الروائي.
والشيطان في العنوان يمثله طبعا مالك الزوج، بينما قيمة «الحب» يمثلها الشق الآخر من مالك: أي مالك الأب. تضعُ الرواية شخصية مالك رمزا للإنسان المعاصر أو للإنسان المادي عموما الواقعِ تحت سيطرة سلطة المال والأهواء، والذي لا يقيم وزنا للقيم العامة ولإنسانية الإنسان. فكل شيء يمكن شراؤه بالمال، ولذلك ينبغي الحرص على مراكمة المال وتنميته بكل الطرائق والوسائل، حتى الاحتيال وخيانة الوصية والاستحواذ على ميراث وممتلكات الآخرين.
يظهر تحكم سلطة المال في مالك، واعتماده عصب العصر ورمز القوة والاستبداد من خلال ثلاثة موقف:
الموقف الأول: خذلانه لوصية والده ولأخويه زكي وعزة. يقول السارد على لسان والد مالك:» انتبه لكلامي جيدا يا مالك. أنت ولدي الأكبر ويدي اليمنى. لقد قررت أن تتولى إدارة شركتي بعد وفاتي. أن تتحمل مسؤولية أخيك وأختك من بعدي. أنا لا أريد لشركتي أن تتجزأ. لقد تعبت كثيرا لأصل إلى ما وصلت إليه. عزمتُ أمري بعد تفكير طويل، كتابة كافة أملاكي باسمك». حاول مالك التحدث. أشار له بيده أن لا يقاطعه. أكمل كلامه «أنا واثق بأنك لن تأكل حقوق أمك وإخوتك، وستراعي الله فيهم. أريدكم أن تكونوا دوما يدا واحدة. هذه وصيتي لك». وثق الأب وصيته في المحكمة. أصبح مالك بين يوم وليلة يملك كل شيء.
طبعا مالك يحب المال حبا جما، ووسع شركة والده ووسع ممتلكاته، ونسي حقوق أمه وأخويه اللذين طالباه بحصصهما من الميراث، لكنه نكر عليهما واحتال، ليلبي بالمال الكثير نزواته ورغباته الجنسية والتي سيسترجع بعضها في صيغة محكيات قصيرة، وسيعتمد السرد فيها على الاستذكار، لأن مالك على امتداد الخطاب الروائي كان سجين جسده. لقد وضعته الكاتبة في حالة شلل بعد جلطة دماغية ثانية، ولم يبق في ذاكرته من ماضيه غير مغامراته الجنسية في القاهرة وبيروت والدار البيضاء ومدن من دول العالم. في حين وضعت الكاتبة محكي عواطف الذاتي مسترسلا بضمير المتكلم، مستقلا في متن سردي خالص ممتد قامت الكاتبة من خلاله بتنويع طريقة السرد وبنيته. هذا التمييز في صيغة السرد يميل لفائدة عواطف الزوجة التي تتكلم عن نفسها في محكي سردي سير ذاتي يبدأ بهذه الصيغة/ الجملة: «ولدتني أمي عام 1948 م»، بينما بدأ محكي مالك بضمير الغائب، هكذا: «كان مالك ممددا على سريره الطبي كلوح خشبي. الجانب الأيسر من جسده هزيل، ساكن، لا حياة فيه». يعد هذا التمييز ملمحا من ملامح الكتابة النسوية، التي اعتادت أن تضع الرجل في مواقف مخجلة وساخرة، وأن تعلي من قدر المرأة المُحِبَّةِ الصبور المتفانية المنتجة لكن المهضومة الحقوق.
ومما يوثق لوقوع مالك تحت سيطرة المال، المجتزأ الآتي الذي يتمم المجتزأ السبق عليه: «أصبح أخوه زكي وأخته عزة يدوران في خلده كثيرا. يتذكر كيف طالباه بعد وفاة والدهم، بحقهما. أصرا على أن يعطيهما حصتهما حسب الشرع. قال له زكي:» أنت تعلم أن أبانا كتب كل شيء باسمك، لتحافظ على أملاكه، لا لكي تنهبها، وتنكر حقنا فيها». أقسم مالك لأخيه بأنه أعطاه حقه بالكامل. أخبره أن الأموال التي صرفها على تعليمه في بريطانيا سحبت جزءا كبيرا من نصيبه. أن تكاليف حفل زفافه وتأثيث بيت الزوجية، كان كل ما بقي من ميراثه. أنه يحتفظ بكافة الفواتير التي تثبت صحة كلامه، إن رغب في مراجعتها. نفح أخته مبلغا من المال. أخبرها هي الأخرى بأن هذا ما بقي لها عنده. أن المبالغ التي كان يبعثها لها شهريا طوال السنوات الماضية، غطى إرثها في مال أبيها».
هكذا حب المال سيقود الأسرة نحو التشتت، وقطع صلة الرحم التي ستكون بداية ترميم سراج لذاته وتصحيح مسار حياته الفاشلة، بأن يعيد الحقوق إلى أصحابها. قال لعمه زكي على الهاتف: «دون مقدمات هناك أمانة تركها جدي بيد أبي. أريد أن أعيدها إلى أصحابها».
الموقف الثاني: استحواذ مالك على ميراث عواطف وممتلكاتها عندما أحس بدنو أجلها، في الوقت الذي يهتم فيه المحب بمآل المحبوب. من خلال الوضعيتين المتناقضتين أخلاقيا؛ معاناة عواطف مع مرض السرطان واستيلاء مالك على ممتلكاتها ومالها ومجوهراتها ونقل ممتلكاتها إليه، تجلى معنى «الشيطان» في المتن الروائي، وتجلى كذلك قصد الكاتبة. إن الشيطان ليس بالضرورة كائنا معينا، بل هو كل من وقع تحت سطوة المال وسلطة الشهوات، الشيطان هو كل إنسان لا يحس بإنسانية غيره من الناس، ومن لا يرعى حقوق الآخرين، ويتحول إلى آلة ساحقة ماحقة لا تحيا إلا على الاستبداد واستنزاف من هم أقل حيلة ومن هم أضعف اجتماعيا.
لذلك سيكون الموقف الثالث نموذجا عن محكيات قصيرة يستذكرها مالك وهو على سريره الطبي وسجين جسده الذي خانه ورفض الاستجابة لأوامره، وربما تنظر الكاتبة إلى المرض، «الجلطة الدماغية»، عقابا علويا للكائن الشيطاني الذي خان الوصية وخان وفاء وحب زوجته وانتهك حقوق أخريات استمالهن أو وعدهن بالزواج.
الموقف الثالث: تبرزه أربع محكيات قصيرة، متصلة بهوسه الجنسي من جهة، ومن جهة ثانية بموقفه من المرأة التي يعُدُّها متاعا ووعاء بدون مشاعر إنسانية، وهي الصفة التي اشتهر بها بين أصدقائه: «أطلق عليه أصدقاؤه لقب «الدون جوان» لكثرة علاقاته النسائية. كان يعرف من أين تؤكل الكتف كما يقولون. له شخصية ساحرة. يملك لسانا معسولا. يٌوقع أي فتاة في حبائله بفترة وجيزة. يدعوها لأفخم المطاعم، يقدم لها بين آونة وأخرى هدية ثمينة تدير رأسها، ويوهمها بأن كل تجاربه السابقة لم تكن للتسلية، بل بحثا عن شريكة لحياته. عندما يتأكد أنها ابتلعت الطعم، يدعوها إلى بيته. تنفرط مقاومتها. تهبه نفسها في لحظة شهوة جامحة. يتذوق عسلها. تتلاشى لهفته نحوها فور وصوله إليها». وتلك المحكيات القصيرة، هي على التوالي: الفتاة الإيرانية، «كارول» البيروتية، «رولا» اللبنانية، السكرتيرة المصرية.
يعد محكي مالك، محكي استذكار يتأسى به وهو مسجى على سرير المرض، يسترجع لحظات ماضيه، والذي يتلخص في مغامراته الجنسية، وتسلطه وحبه المال حبا جما، لأنه السبيل لتحقيق نزواته وإشباع عطشه، وكأن سيرة مالك سيرة تافهة ومختزلة في لحظات إفراغ نزوة أو الشعور ببعض السطوة والاستبداد والقهر لمن هم أقرب إليه (زكي وعزة أخويه) ولمن هن مغلوبات على أمرهن والمنخدعات بمعسول لسانه ووعوده (النساء اللائي تذكرهن). ويعد محكي مالك مركبا ليس بنيويا، ولكنه مركب من حيث تعدد المحكيات السردية القصيرة التي تم بها تأثيث الفضاء. وإضافة إلى محكيات نسائه، هناك محكيات قصيرة أخرى من ذات الصنف؛ حياة المغربية، وتاليا الهولندية اليهودية، وهناء زوجته الأولى وأم صديقه الحميم هشام، وقد دام الزواج مدة شهر العسل، ومحكي الأختين العراقيتين اللتين سرى بإحداهما على ابنه سراج في القاهرة.
وهكذا ترسم الرواية الخطوط البارزة لشخصية من عالمنا المادي المعاصر الذي لا يؤمن بالقيم وبالحقوق الإنسانية، بل يستسلم لسلطة المال، عصب الحياة كما يقال. فالمال سلطة قاهرة للمستضعفين، جالبة للمتع الجنسية واللحظية التي لا تنتهي ولا تشبع إلا مع المرض حيث تسجن الرغبات والطموحات داخل الجسد المشلول، ثم ينهيها الموت. إنسان لا يعرف الحب، ولم يجربه: «هل أحبها في ذلك الوقت؟ هو نفسه لم يكن يعرف! أحاسيس الحب كانت مبهمة عنده. لم يمش من قبل في دهاليزه. لم يجرب طعم لوعة الوجد ولا ألم الفراق!».

زينب حفني: «الشيطان يحب أحيانا»
منشورات نوفل، بيروت 2017
193 صفحة.

سيرة رجل نهب الأهواء
الروائية السعودية زينب حفني في «الشيطان يحب أحياناً»:
محمد معتصم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left