تصاميم الحياة هي في مكان آخر

فيلم توماس أندرسون «الخيط الوهمي»:

محمد عبد الرحيم

Feb 24, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»:ربما يعتبر فيلم «الخيط الوهمي» «PhantomThread» لمؤلفه ومخرجه بول توماس أندرسون، من أهم الأفلام التي ظهرت في السنوات الأخيرة، نظراً للموضوع والشخصية الرئيسية في الفيلم، والتي يؤديها دانيال دي لوي، حيث يجسد شخصية مصصم أزياء بريطاني شهير في خمسينيات القرن الفائت. وكيف يشهد بدايات غروب الشهرة إن جاز التعبير، لكنه رغم ذلك يجد نفسه في النهاية من خلال حكاية حب غريبة مع فتاة تبدو ساذجة للوهلة الأولى، جسدت الدور فيكي كريبس، لكنها أكثر قوة وإصرارا على استمرار هذه العلاقة. وربما البطل نفسه، دي لوي وهذه الحالة التي توحي بالاستمرار ولو من جهة أخرى أو في شكل سردي آخر، هو ما يجعلنا نتذكر فيلم «كائن لا تُحتمل خفته» Unbearable Lightness of Being The، الذي أخرجه فيليب كاوفمان عام 1988، عن رواية ميلان كونديرا. وما بين تريزا ــ جسدت الشخصية جولييت بينوش ــ وآلما الكثير من أوجه الشبه، كذلك تبدو حياة كل من توماس ووودكوك كتنويعة لحياة الشخصية نفسها، وإن كانت تبدو كحياة في مكان آخر. إضافة إلى إعلان دي لوي نفسه الاعتزال والتفرغ للعيش كما يريد.

توماس/ وودكوك

ينسج وودكوك تصاميمه من خبرات حياتية وأحلام وهواجس تعبر عن مدى ارتباطه بأمه، هذه المرأة التي ظلت ذات تأثير كبير على حياته ــ لعبت شقيقته جزءا من هذا الدور أيضاً ــ وعلى علاقاته المتعددة بنساء مختلفات، هذه الفئة الراقية في المجتمع الإنكليزي، وأن مجرد موافقته على تصميم وصنع رداء لإحداهن، ما هو إلا الإمعان أكثر في هاجس البحث عن المرأة المفقودة، أو الموهمة والمسيطرة على مخيلته. حتى تقابل وآلما مصادفة في مطعم متواضع ــ لاحظ لقاء توماس بتريزا ــ هنا يعثر وودكوك على ضالته، هذه الفتاة ذات الجسد المثالي لتصميمات تشتعل بها مخيلته. وتنتقل معه إلى عالمه، حيث الدقة والسيطرة على كل شيء، ليتضح أن آلما ليست المرأة الأولى التي ستجالسه وشقيقته لتناول الطعام، وتصبح شريكة الطقس اليومي القاسي. على الجانب الآخر نجد تريزا تسعى إلى توماس، وتتوسل الأسباب حتى تظل بجانبه، وهو يرتعب من مجرد كسر حالة الروتين التي يعيشها، في ظل وجود سابينا المرأة الوحيدة التي تتفهمه وتحتمل وجوده ــ سابينا وبشكل غير مباشر تتمثلها شقيقة وودكوك في الخيط الوهمي ــ وفي كل من الفيلمين أو الحالتين، لا نجد سوى نساء يحطن بالبطل، فلا وجود لآخرين، سوى ظلال لوجوده بينهن. شك وودكوك في علاقة آلما بالطبيب الشاب، وغيرة توماس، من أحد الرجال وهو بصحبة تريزا. وبينما تخلق تريزا احتفالاً لاكتشافها غيرة توماس، تقرر آلما الذهاب بمفردها إلى الحفل الصاخب، وبينما يداري توماس غيرته وينكرها في وجه تريزا، يهبط وودكوك كالمجنون إلى الحفل، ليجد آلما بمفردها وسط الصخب، ودون أن يداري عجزه وضعفه، فقط علامات الغضب ووجه المتشنج دليل حب هذه المرأة، التي أصبح يشعر بمدى سذاجة عقله أمامها.

تريزا/آلما

كل من تريزا وآلما حاولت وأصرت على أن يدور هذا الرجل في فلكها، دون أن يحيد عن دوره المرسوم. ولو بطريقة مختلفة. فإن بدت تريزا أكثر رقة ونزقاً، إلا أن آلما أكثر وعياً، حاولت تريزا خيانة توماس، لتتمثل شعوره، لكنها لم تستطع أن تتمادى، بينما آلما لم تتورع عن محاولة قتله بعناية ورفق، وكأنها تميته لتعيده إلى الحياة مرّة أخرى بصورة أفضل. حلت آلما محل الأم الشبحية، هذه التي تجلت له وهو يكاد يفقد روحه، ليتوارى الشبح إلى الأبد وتصبح آلما هي الحقيقة ومعنى الوجود. أما تريزا فكانت الأكثر صبراً ــ الأمر هنا يتعلق بالمجتمعات ومدى ثقة أفرادها بأنفسهم، وهو ما يحيل إلى تحليل آخر، ما بين المجتمع الإنكليزي والتشيكي، كدلالة على مجتمع مُستعمِر، وآخر مُحتل ــ فصبر تريزا لا حدود له، وأفعال آلما لا حدود لإثارتها الدهشة.

أخيراً رجل حُر

تاريخ طويل من القلق والتوتر والعلاقات المتشابكة، ونساء مهجورات كضحايا بالمصادفة أو بدون قصد، لتبدو هذه الثقة المفرطة، وهذا الصلف الذي يتنفسه كل من توماس ووودكوك، عبارة عن طلاء هش لشخص مهزوم في الأساس ومنذ البداية، كل هذه المظاهر ما هي سوى ألعاب طفولية وغضب من العالم. فلا الشهرة ستفي بالغرض، ولا اللامبالاة والتباهي بعلاقات نسائية مجالاً للشعور بالبطولة. فالمأساة التي ظهرت أمام توماس أنه أحب تريزا بالفعل، وأصبح مسؤولاً عنها، وهي نفسها المأساة تتجسد أمام مصمم الأزياء الشهير، في علاقته الملتبسة والمعقدة بفتاة المطعم، التي تبدو بائسة ومتعثرة الخطوات. البداية دائماً حيث يبدو البطل أكثر ثقة ووعياً ولديه عالم من الإدهاش الدائم لكل امرأة تتخطى عتبته، لكن في الحقيقة هو الأكثر ارتباكاً وضياعاً، والباحث الأبدي عن يد تمسك بيده. وبعد رحلة طويلة وتفاصيل من الصعب احتمالها إلا من خلال عمل فني ــ فيلم أو رواية ــ يتخفف هذا الكائن من ثقل وجوده، ويصبح حراً في النهاية، حتى ولو كانت هذه النهاية تتمثل في موته. تتحدث آلما عن وودكوك في بداية الفيلم، وكأنها تتحدث عن شخص انتهى، أو ذكرى، قائلة «لقد حقق لي كل أحلامي، ومنحته في المقابل كل قطعة من نفسي». ليتضح ان حديثها عن ذكرى ما كانه هذا الرجل، ولم يعد ينتمي إليه الآن.

وهم العود الأبدي

يفتتح كونديرا روايته بتعليق طويل يتناول فكرة «العود الأبدي»، التي ابتكرها ورددها «نيتشه». وإن كانت في رواية «كائن لا تُحتمل خفته» جاءت بمفهوم النقيض. فالحياة واحدة، وتتوقف على مدى الاختيارات أو ما نظن أنها اختيارات، لذا لم يكن من سبيل سوى المواصلة مع ما تم اختياره أو الاتفاق على العيش في ظله. ومن هنا نرى كيفية نسج علاقات الحب، فالأمر ليس سهلاً تماماً، لكنه صراعاً يستمر ولو إلى حين، وستبدو الحياة الأولى ــ قبل الاتفاق غير المعلن للعشق الأبدي ــ مجرد ذكرى، وحياة سنشك في أننا قد عشناها بالفعل. فـ «العود» المقصود هنا هو العود لما هو كائن، صفعة قوية لذاكرة لئيمة. ولنلحظ مدى استسلام كل من توماس أو وودكوك لمصيره، الأول الذي ترك مهنته وعاش ليعمل في مزرعة نائية برفقة تريزا، والثاني الذي استسلم تماماً لعالم آلما، وهو يستقبل تجربة الموت من جديد في سعادة بالغة، هذا ما تزامن مع انهيار عالم تصميم الأزياء، بظهور الملابس الجاهزة الصنع، وتسرّب بعض الزبائن/ النساء من سطوته. فالتاريخ ينكر أصحابه، ويمثّل بهم في وحــدة قاسية، وقد أفلحت آلما في تبديد خيوط الوهم، وخلق تاريخاً سيظل بينها وبين مَن تميته وتحييه حسب هواها.

تصاميم الحياة هي في مكان آخر
فيلم توماس أندرسون «الخيط الوهمي»:
محمد عبد الرحيم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left