خذوني إلى فلسطين: رحلة السوريّ إلى بلاده

حسام الدين محمد

Feb 24, 2018

امتحنني الشاعر خالد الناصري، مدير «دار المتوسط» للنشر بسؤاله على الهاتف من إيطاليا: هل تحب أن تذهب إلى فلسطين؟
قلت، من دون تفكير كثير، «طبعا».
السؤال الجميل كان مقدّمة لفعاليات أجمل في رام الله ونابلس وبيرزيت، من دون أن ننسى طبعاً، حيثيّات المعاناة الفلسطينية، التي جربها الفريق المرافق، لعبور خط الغزاة الإسرائيليين، الذين استلمونا بعد خروجنا من المركز الحدودي الأردني، وطلبوا منا الانتظار الذي طال ساعات.
كان الجوّ عجائبياً بحق، فالضيوف الذي كان بعض حالهم مثل حالنا، متنوّعو الجنسيات والأشكال، ولعلّ العبور البرّي لبعضهم كان طريقاً مقدّسا يمرّ بنهر الأردن الذي ذكرت عنه وقائع في الكتاب المقدس، وصولاً إلى القدس، سرّة العالم وسرّه الغريب.
راقبت باهتمام حركة الأجساد والأشخاص. كان هناك ضابط إسرائيلي يتكلم العربية ويحمل عوزي أو ما يشبهه (لست خبير أسلحة) ويبدو فرحاً بنفسه بشكل مبالغ فيه ولكنّ البعض انساقوا مع ذلك، كبعض الموظفات، وأحد الضيوف الذي وجد وصلاً بليلى.
بعد تدخّل محمود من السلطة الفلسطينية قبل موظف (لعلّه ضابط أمن) أن يلتقينا (أو يحقق معنا). كان مضحكاً، حين علم أنني سوريّ، أن يتعاطف مع السوريين المساكين، ولم ينس طبعاً أن يذكرني بمسلسل «باب الحارة». كلمات غوغل التي اختارها حققت النتيجة فخفّ التوجّس وأحسسنا أننا سنبدأ أخيراً رحلة الوصول إلى فلسطين لتتحوّل من إنشاء عاطفيّ على مدى عقود إلى حقيقة مجسّدة.
الرسميّون الفلسطينيون الذين كانوا في انتظارنا أخذونا إلى استراحة في أريحا التي طابقت الحرارة فيها التصوّر الشائع عنها، قبل أن تبدأ عيوننا، مع شرح من كانوا معنا، بقراءة بصريّة تشرح الاحتلال كما لم نفهمه من قبل: مناطق شاسعة ممنوعة على الفلسطينيين، حواجز عسكرية عالية تطلّ على أهم المراكز، مستوطنات أشد علوّا وغطرسة، ومستوطنون يمرّون من أمامنا بالسيارات أو يقفون بانتظار وسيلة نقل عامة.
الأماكن التي تسيطر عليها إسرائيل في الضفة تبدو قاسية وممتنعة على البشر لكنّ العين ترتاح حين تبدأ بقراءة يافطات المحلات الفلسطينية التي تعدنا بفواكه ولحم طير مما تشتهون، وبفلافل وكباب وسلطات وحلويات، وبانفلاش عربي يتحدى أنماط العمارة الاستيطانية وفلسفتها بغواية البشر الحقيقيين وملذاتهم وآلامهم، وهو مشهد سيتجلى بأفضل حالاته في رام الله التي ستكون مقرنا، في فندق «برج فلسطين»، للأيام المقبلة.
الفعالية التي جئنا لنحييها كانت حول الترجمة (التي لي بعض الباع فيها)، وكانت بدعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية، وستأخذنا إلى جامعات بيرزيت ونابلس حيث سنلتقي طلابها وأساتذتها الأجلاء، ونحاول حكّ معارفنا بمعارفهم، وحكاياتنا بحكاياتهم، ولنجد أصحابا ضيعناهم من أيام بيروت ودمشق وقبرص، ونتعرّف، أقولها بصدق، على فذاذة عبقرية المكان والشعب الفلسطينيين.

على رام الله

أمسيتنا الأولى في رام الله شهدت جولة على الأزقة القديمة حيث عرفنا مضيفونا على مركز موسيقيّ أسسه من كان بطل صورة شهيرة في طفولته تظهره وهو يحمل حجراً ليواجه جيش الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى، ووصول ذلك الطفل المقاوم بالحجارة إلى الرجل الذي يعلّم الموسيقى لأطفال رام الله مسار يثير التفكّر والتأمل والاحترام.
تنقلاتنا بين المقاهي جمعتني بأصدقاء قدامى، كحسن البطل، الذي كان مدير تحرير مجلة «فلسطين الثورة»، خلال إقامتي الطويلة في قبرص، وكان وقتها معلّما صحافيا حقيقياً لجميع من يعمل معه، كما كان أمثولة فلسطينية متنقلة، ولم أتعرّف أحداً في حياتي أكثر تمثّلا لذلك التفاؤل المتفاعل مع كل ما يجري من أحداث حوله، وتحويله إلى مادة صحافية شديدة العمق والإمتاع.
التقينا أيضاً بغسان زقطان، الشاعر البديع والذي يقف على خطّ سياسي قريب منا، نحن السوريين، وكان الشاعر مهيب البرغوثي هو مفاجأة رام الله بحكاياته التي لا تنتهي عن السجون التي دخل إليها، في العراق وسوريا، ونقائه الذي لا يوازيه إلا تدخّله في كل شيء يمشي أو يتحرك.
دعينا في رام الله إلى منزل يوسف الشايب، الصحافي الذي ناله أذى من جرأته في الكتابة، وزوجته الصحافية بديعة زيدان، التي كانت الدينامو الكبير للدفاع عنه أيام سجنه عام 2012 وما تلا ذلك من منعه من السفر واستدعائه للتحقيق مجددا، وامتزج مذاق «المقلوبة» الفلسطينية الفاغمة بالصحبة الجميلة.
حكايات رام الله ستمتد على مدار الأيام الأربعة التي قضيتها في فلسطين، وستتضمن زيارة قبر ومتحف ياسر عرفات الرائع الذي يوجز، عبر شخص الزعيم الراحل، تاريخ النضال الفلسطيني ولحظاته الفارقة، ولعلّ أكثرها تأثيرا في الحاضرين هي التي تذكّر بحصار عرفات في مقره (المقاطعة) ودخول الدبابات الفلسطينية إليها، وغرفته الصغيرة التي ينام فيها، ومكتبه، وغرفة حراسه.
أعجبتني كثيراً لوحة تجمع شخصيات الحكاية الفلسطينية على مدخل المتحف، وكذلك استخدام التكنولوجيا الحديثة التفاعلية للتعرف على جغرافيا فلسطين، ولطافة مدير المتحف محمد حلايقة وتبحّره في موضوع شغله، وانشغل صديقنا خالد الناصري حين لم يجد بلدته التي خرج والداه منها قرب الناصرة.

أعجوبة بيرزيت

أخذنا المشرفون على الفعالية في يومنا الثاني إلى جامعة بيرزيت وهي مكان لم أر مثله أبداً، ويجسّد، مثل كل مكان سأزوره، طاقة هائلة تلخّص عشرات السنين من نضال الفلسطيني لقهر واقعه وتغييره بالتعلّم وفتح آفاق جديدة. شربنا القهوة المرّة في غرفة مدير الجامعة، الرابع في تاريخها، عبد اللطيف أبو حجلة، بحضور مجموعة من كبار الإداريين والأساتذة، وبعدها انطلقنا إلى غرفة محاضرات، مارّين بأقسام تحمل أسماء المتبرعين بها، مثل كلية الهندسة (عمر العقاد)، ومكتبة يوسف أحمد الغانم، مبنى العيادة الطبية (عزيز شاهين)، ومركز ديانا تماري صباغ، وملعب منير عطا الله، ومركز نجاد زعني لتكنولوجيا المعلومات، وسعيد خوري لدراسات التنمية، وهذه وقائع توضّح فهماً مذهلا لدور العلم في الارتقاء بالشعب الفلسطيني وقضيته.
كنت وبرهان القلق، المترجم الفلسطيني، وشقيق القيادي الفتحاوي الذي اغتالته إسرائيل عز الدين القلق عام 1972 (والذي رثاه الشاعر محمود درويش بقصيدة رائعة)، على سدّة المسرح، مع الأستاذ والمترجم الخطير إبراهيم أبو هشهش، الذي تنكّب أهوال ترجمة رواية «مالته لوريدز بريغه» للشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه، الذي قام بتعريفنا للجمهور.
تحدث القلق عن تجربته العفوية في ترجمة الكتب، والتي بدأت بقضايا السيبرنطيقا وانتهت بالشعر والأدب، وأفاض حول تجارب الترجمة الشفوية التي قام بها لياسر عرفات، وعلاقاته بالنخبة البلغارية، والموقع الالكتروني الذي خصصه لما كتب عن شقيقه.
الفكرة في بحث «ترجمة فلسطين» الذي قدمته، ليس بمعنى الترجمة الاعتيادية فحسب، بل بكل تأويلاتها الممكنة التي يفرضها واقع احتلال الجغرافيا، واحتلال اللغة والأماكن والمآكل والأزياء والثقافة، والتحدي الذي وضعه كل ذلك للفلسطينيين، الذين تحوّلوا، من دون أن يعرفوا إلى «شعب من المترجمين»، على حد قول أحد أساتذة الترجمة في جامعة غزة.
صعدت بنا الرحلة بعد ذلك لمتحف القدس في حرم الجامعة نفسها، والمتحدثة البارعة التي عرفتنا على انفتاح هذا المتحف على طرق حديثة لاستيعاب المدينة والتحولات الضاغطة الكبيرة التي تمارس ضدها وضد أهلها، وطرق تمظهرها في الإعلام والصورة والتوثيق والأفلام. كل ما في المتحف ينطق بالحداثة والتعاطي الفذ مع الزمن والفكرة.
أمسيتنا كانت حافلة بلقاء إيهاب بسيسو، وزير الثقافة الفلسطيني الشاب، الشديد الحيوية، والشاعر، وتبادلنا شجون الثقافة والسياسة والأدب في ظل الاحتلال، كما تطرقنا إلى المعارك المحلّية، كقضية منع رواية «جريمة في رام الله»، وعتابات المثقفين للسلطة، وصراعاتهم، وكان بسيسو قد أخذنا في جولة صباحية إلى مقر المكتبة العامة الفلسطينية الذي سيكون إنجازا معرفيا كبيرا.

نابلس: البحث عن الأهل

توجهت في يومي الثالث بسيارة فؤاد عكليك، صاحب «الدار الرقمية»، الذي شكى لي أحوال الكتاب والكتّاب في فلسطين بسبب الإجراءات الإسرائيلية والرقابة العربية والكلفة الباهظة، وهو ما دفعه للنشر الرقمي وبعد صعوبات الاتفاق مع PayPal التي قامت بإلغاء الخدمة لعدم وجود قوانين لحماية النشر الالكتروني. أحد الابتكارات الجميلة للدار كتاب لأغاني فلسطين مع روابط يمكنك سماعها على الانترنت بحيث يتجول القارئ بين المقروء والمسموع، وحكى عن أن أغلب ما يُنشر في فلسطين ذا طابع سياسي حتى الروايات.
في الطريق مررنا بمستوطنة ضخمة وبمخيم الجلزون قبل أن نصل إلى نابلس وجامعة النجاح، وكما حصل في بيرزيت، فقد استقبلتنا الهيئة الإدارية للجامعة قبل أن نبدأ ندوتنا الثانية، رفقة الكاتب البرتغالي افونسو كروش، ومترجمه التونسي عبد الجليل العربي.
برهان القلق لم يرغب في إنهاء رحلته إلى فلسطين من دون زيارة بلدته التي ولد فيها قبل أن يهجره الاحتلال الإسرائيلي إلى دمشق، ونجحت الاتصالات العديدة في لقائه بدليل إليها ليعود ليلاً مفتوناً بالتجربة. أفونسو جلب إعجاب الطلاب والأساتذة بأفكاره حول كتابه الذي ينتقد فيه رؤية المجتمع الاستهلاكي للشعراء، كما تحدّث العربي عن تجاربه مع الترجمة من اللغة البرتغالية للعربية.
بعد انتهاء الندوة طلبت من زملائي النابلسيين البحث عن أقرباء لي في المدينة، وتجوّلنا في أسواقها التي ذكرتني بأسواق دمشق وفاس، وكان لابد أن نقوم بطقس تاريخيّ: أن نجرّب الكنافة النابلسية في البلد الذي انطلقت منها، وهو ما حصل، حيث قادنا المضيفون إلى خان التجار لنصل إلى «حلويات الأقصى» المفتوح منذ 50 عاماً، فوجدنا زحاماً لم أر مثله قبلاً، وتناولت الكنافة الأسطورية واقفا وأنا أتلمّظ وأتفكّر في دور الطعام (والحلوى خصوصا) في تشكيل الهويّة وحنينها الدائم للطفولة.
اختصرت رحلتي، وعدت مع رفيق الطريق اللطيف فؤاد عكليك، وخسرت بذلك يوما رابعا في بيت لحم، وربما القدس وحيفا، ولكنني حملت مخزونا كبيراً من الإعجاب للروح الفلسطينية الفذة التي تقاوم أحد أخبث وأشرس الاحتلالات الاستيطانية في العالم.
العودة كانت أصعب، لأنها مقسّمة إلى مراحل وحافلات، تبدأ مع تسليم أمتعتك التي ستذهب، لسبب ما لعلّه أمنيّ، لوحدها، لتمرّ مجددا بمركز الخروج والاستقبال الإسرائيلي.
عند وصول الحافلة مشيت مع الماشين لكنني انتبهت إلى باب آخر يطلب مني، بصفتي أجنبيا، الذهاب منه، فحاولت رفع الحبل الفاصل لأفاجأ بصراخ عنيف من حارسة أمن إسرائيلية كادت تمتشق سلاحها وتقضي عليّ، وخاف الناس عليّ وصاح أحدهم: إيش صارلك يا خوي؟
في المساء، وبعد وصول الحافلة إلى مقر الاستقبال والخروج الأردني، انتظرت سيارة أجرة نقلتني إلى عمان قبل العودة للندن، وجاءني في الطريق اتصال من الأصدقاء في نابلس يقول: لقد وجدنا أقاربك!
تذكّرت حينها قصيدة قسطنطين كافافيس الشهيرة حول رحلة عوليس إلى إيثاكا: في الطريق إلى إيثاكا صلّ أن يكون الطريق طويلا!

خذوني إلى فلسطين: رحلة السوريّ إلى بلاده

حسام الدين محمد

- -

1 COMMENT

  1. “هل تودين الذهاب إلى فلسطين؟” يوماً ما سيمتحنني أحدهم و حينها سيقفز القلب من مكانه ليطير و يسبقني إلى هناك . أراني أجول أزقتها و أسواقها فتطرب روحي و أردد “جاية انا من الشام و قلبي فلسطيني …و الروح من الضفة و منها كحل عيني ..” . هنيئاً لمن زارها ,فلسطين الحلم ، فلسطين المشتهاة …خذوني إليها!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left