المغرب: متابعة الصحافيين حسب القانون الجنائي بدل قانون الصحافة يعرض حياتهم للخطر

سعيدة الكامل

Feb 24, 2018

الرباط ـ «القدس العربي»: بداية لا تبشر باحتمال تقدمه على سلم حرية الصحافة، تلك التي بدأها المغرب مع مطلع سنة 2018 حيث تواترت محاكمة الصحافيين والصحف. وبعد أن حاز على المرتبة 133 على 180 في الترتيب العالمي لحرية الصحافة سنة 2017 حسب منظمة «مراسلون بلا حدود» العالمية، ما زالت هذه الأخيرة ومعها جمعيات ومنظمات غير حكومية مغربية، تدق ناقوس الإنذار بخصوص ما تصفه مسا بحرية الصحافة وتضييقا على الصحافيين.
توالت حكايات الصحافيين عن متاعبهم مع السلطة، من سجن إلى غرامات إلى متابعات طويلة، إلى ضرب خلال تغطيات صحافية لأحداث احتجاجية، وتعددت معها التهم من المس بأمن الدولة إلى السب والقذف ونشر خبر زائف، كما تراوحت حالات التعنيف من الضرب والركل إلى السب وكيل الشتائم، هذا كله سجلته تقارير منظمات دولية ومحلية، وشهادات حية لممارسي المهنة.
آخر القصص التي استيقظ عليها الرأي العام الوطني، اعتقال الصحافي رشيد البلغيتي بتهمة شيك بدون رصيد، وهي حكاية تشبه ما حكاه الروائي المغربي محمد زفزاف عن الثعلب الذي يظهر ويختفي، كذلك شأن حساب جمعية يرأسها هذا الصحافي تظهر وتختفي بشكل «غريب وعجيب»، على حد وصف البلغيتي الذي قال في ندوة صحافية، بعد أن تم الإفراج عنه، أن «كل ما يقع هو بفعل فاعل» معلنا أن الملف الذي تسبب في اعتقاله والتحقيق معه مدة 16 ساعة «تقف وراءه جهة غير معروفة» عبثت بالملف على عدة مستويات، من المسؤولية الإدارية المحلية في مدينة طاطا وكذا الإقليمية وصولا إلى البنك الذي عرض حسابه لعملية قرصنة متوالية.
وقال البلغيتي لـ»القدس العربي»، ارتباطا بالسياق الذي تعرفه البلاد، أنه «انتقلنا من مرحلة ما كان يعتبره الديمقراطيون ومعهم بعض الصحافيين في المغرب، من تونسة المغرب على عهد زين العابدين بن علي» إلى ما سماه «مصرنة المغرب بالأساليب نفسها التي تعيشها اليوم مصر» وذلك من خلال ما وصفه بـ»الإجراءات السريالية لتكميم أفواه الصحافيين المستقلين».

قطع الإعلانات كعقاب مالي

والبلغيتي ليس أولى الحكايات ولا آخرها في مسلسل محنة الصحافة في المغرب. فأيام قليلة مضت حين قضت المحكمة الابتدائية في الدار البيضاء بتغريم الصحافي توفيق بوعشرين، مدير جريدة «أخبار اليوم»، بثلاثين ألف درهم، وتعويض قدره 450 ألف درهم لفائدة كل من عزيز أخنوش وزير الفلاحة ومحمد بوسعيد وزير المالية، كحكم في الدعوة القضائية التي رفعها الوزيران ضد يومية «أخبار اليوم» بدعوى نشر خبر زائف والسب والقذف، في ملف تعود أحداثه لنشر الجريدة تحقيقا صحافيا حول حيثيات سحب صلاحية الآمر بالصرف في صندوق تنمية العالم القروي، وهو صندوق يضم ميزانية مهمة (ستة مليارات دولار)، من يد رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بن كيران، ووضعها في يد وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، وكان بن كيران نفسه قد صرح أن ما تم خارج علمه، الأمر الذي أثار أزمة سياسية حينئذ.
وكتب بوعشرين في افتتاحية له حول الموضوع، عنوانها «المرافعة» وتضم تفاصيل ما جرى في جلسة المحاكمة الأخيرة، أن «خبر تغيير الآمر بالصرف في صندوق تنمية العالم القروي دون علم رئيس الحكومة، خبر صحيح» وأن هيئة تحرير الجريدة اتصلت بالوزيرين لكنهما التزما الصمت، فتم نشر التحقيق وعلق عليه في افتتاحيته في اليوم الموالي، مضيفا «فما كان من السيد أخنوش إلا أن غضب وقرر مقاضاة الجريدة».
الأمر لم يتوقف عند حدود المقاضاة، بل وصل إلى حد قطع شركات تابعة لوزارة أخنوش للإعلانات عن الجريدة وهو ما اعتبره بوعشرين «سابقة من نوعها لاستعمال إعلانات الوزارة أداة لعقاب الجرائد التي لا يروق خط تحريرها سيادة الوزير».
قطع الإعلانات كنوع من العقاب المالي الذي قد يضع مواقع صحافية أو جرائد على حافة الإفلاس، هو كابوس يكتم أنفاس حلم صحافة مستقلة، ورقابة «ناعمة» تجعل قلم العديد من الصحافيين يخط خطه بحذر وفق معادلة تضمن الحق في البقاء مع الحق في الكلمة الحرة، معادلة صعبة قل من ينجح في حلها ومن لم ينجح فمصيره الإفلاس أو الاصطفاف للجهة الغالبة احتماء بها أو خوفا منها، وكلا المصيرين يهدان بيت الصحافة الهش. هذا حديث العديد من الصحافيين المغاربة الذين تؤرقهم المعادلة الصعبة في مهنة كلما ضاق هامش الحرية صارت أصعب.

التحقيق جنس صحافي منبوذ في المغرب

تحقيق هو الذي جر «أخبار اليوم» ومدير نشرها إلى قاعة المحكمة من قبل وزيرين في المحاكمة الأخيرة، والتحقيق جنس صحافي منبوذ في المغرب، خصوصا إذا اقترب من رجال أقوياء في السلطة، حول تدبيرهم ملفا ما، هذا ما تؤكده المحاكمة الماراثونية لما يعرف بـ»مجموعة المعطي منجب والنشطاء الستة»، التي ابتدأت في صيف 2015 وستعقد جلستها الحادية عشر في نهاية اذار/مارس المقبل، ومعظمهم صحافيون ونشطاء في الجمعية المغربية لصحافة التحقيق التي تقوم بتكوين الصحافيين في مجال صحافة التحقيق، وهم يتابعون بتهم منها «تهديد أمن الدولة الداخلي» و»تلقي تمويلات من الخارج». حسب هشام منصوري، أحد المتابعين في الملف، فمحنة هذه المجموعة لها علاقة بصحافة التحقيق قائلا لـ»القدس العربي»، ان «السلطات انزعجت من عملنا الميداني خاصة أننا أعطينا في برامجنا أهمية كبيرة للمناطق النائية وهو ما اعتبرته السلطات تحريضا» مضيفا «ثم هناك شخصية منجب المزعجة بتحليلاتها الدقيقة والجريئة»، معتبرا أن خشية السلطات من صحافة التحقيق مردها إلى «وعيها أن الأوضــاع قابلة للاشتعال بسبب تفشي الفساد الإداري والسياسي في كل المؤسسات وحتى في قلب النظام».
والحديث عن شرارة الاحتجاجات يأخذنا لحكاية الصحافة مع حراك الريف. فحراك الريف لم يكن مباركا على العديد من الصحافيين الذين دخلوا السجن بسبب تغطياتهم للحراك، حسب منظمة «مراسلون بلا حدود» التي كانت قد اعتبرت في تقرير لها أن «وضعية الصحافيين المغاربة والأجانب الذين يغطون الأحداث الجارية في شمال المغرب في تدهور مستمر»، مضيفة أنه «منذ بداية الأحداث الجارية في هذه المنطقة رصدت مراسلون بلا حدود انتهاكات عديدة لحرية الإعلام». وحراك الريف ترى المنظمة ذاتها أنه السبب الثانوي خلف آخر الأحكام السجنية الثقيلة في حق الصحافيين، وهو ما صدر مؤخرا في حق عبد الكبير الحر، مؤسس الصفحة الإخبارية «رصد المغربية»، من قبل المحكمة المتخصصة في قضايا الإرهاب في مدينة سلا، جارة الرباط، حيث لم يعد الحر حرا بعد أن حكمت عليه المحكمة بأربع سنوات سجنا نافذا، وهو الحكم الذي اعتبرته «مراسلون بلا حدود» أنه بـ»سبب تغطيته لحراك الريف»، موردة في بيانها الصادر غداة الحكم على الحر في أول شباط/فبراير أن الحر تمت متابعته منذ صيف 2017 بتهمة الإشادة بالإرهاب والتحريض على المشاركة في مسيرة غير مرخص لها في الريف، وإهانة هيئات منظمة. دفاع الحر، المحامي محمد أغناج كان قد اعتبر في بيان له أن الحكم «قاس جدا» وأن «كل عناصر وأفعال المتابعة مستمدة من منشورات الصفحة الفيسبوكية التي لم يعد المتهم مسيرا لها منذ 2016».
وتتوالى المحاكمات، فيوم بعد النطق بالحكم على الحر، وجه وكيل الملك في المحكمة الابتدائية في الرباط، استدعاء للصحافيين، عبد الحق بلشكر، وكوثر زاكي وعبد الإله ساخير، للمثول أمام المحكمة بتهمة «نشر معلومات تتعلق بلجنة تقصي الحقائق التي تم إنشاؤها من أجل النظر في ملف التقاعد في المغرب» التهمة تجعل هؤلاء الصحافيين يواجهون عقوبة من سنة إلى خمس سنوات حبسا. نقابة الصحافة في المغرب استغربت المتابعة، مؤكدة أن الصحافيين قاموا بواجبهم في الإخبار بمعلومات صحيحة ودقيقة وأن التقرير موضوع المتابعة لم تعد وقائعه سرية، معربة عن مخاوفها من أن يكون الصحافيون راحوا ضحية حسابات سياسية داخل مجلس المستشارين، الغرفة الثانية في البرلمان المغربي، ومستغربة كيف تتم متابعة الصحافيين بموجب القانون الجنائي في تهم النشر.
متابعة الصحافيين حسب القانون الجنائي عوض قانون الصحافة والنشر، نقاش صار يملأ قاعات المحاكم في محاكمات الصحافيين. ومن بينها محاكمة الصحافي حميد المهداوي، المحكوم بسنة سجنا نافذا في ملف حراك الريف بتهم جنائية، بعد أن تمت إدانته بالفصل 299 من القانون الجنائي الذي أدانه بالتحريض على المشاركة في مسيرة غير مرخص لها في الريف، ولا زال يأتي من سجنه إلى محكمة الاستئناف في الدار البيضاء رفقة معتقلي حراك الريف في متابعة بتهمة جنائية أثقل من الأولى وهي «عدم التبليغ عن جناية تهدد أمن الدولة».
محاكمات الصحافيين مستمرة وفصولها تثير الرأي العام المحلي، والمنظمات الوطنية والدولية المهتمة بحرية الصحافة والإعلام تدق ناقوس انجراف الدولة نحو كتم حرية الصحافة عموما. ولا يبدو ان لصراخها أي اذن صاغية. فهل صارت الصحافة المستقلة في المغرب مغامرة غير محمودة العواقب؟ وهل صار القلم المستقل معارضة سياسية في مشهد صحافي يتسابق فيه الكثيرون لنيل «بركات» الموالاة؟ وهل تستطيع أن تأمن دولة على مسيرها إذا الكل رمى وردا في عيونها، ورأت هي في من يقولون: حذار في الطريق أشواك وحفر، خطرا على أمنها؟ وأمن الصحافي في أن يكتب الحقيقة دون وجل من يحميه؟

المغرب: متابعة الصحافيين حسب القانون الجنائي بدل قانون الصحافة يعرض حياتهم للخطر

سعيدة الكامل

- -

4 تعليقات

  1. مايحصل مع الصحفيين الاحرار امثال المهداوي وبوعشرين ومنصوري ومرابط يضهر ان المكياج الديمقراطي لايخفي وجه المخزن الحقيقي انضمة القهر الى زوال من بجرين الى نواكشوط

  2. دومنيك ستراوش كان (DSK) المدير العام لصندوق النقد الدولي السابق ورئيس وزراء فرنسا الأسبق ومرشح الحزب الإشتراكي المفترض لانتخابات الرئاسة شاهده العالم كله محاطا برجال الشرطة المدججين بالسلاح وهو مقيدا ومجرجرا من الفندق نحو سيارة الشرطة التي قادته إلى المخفر من أجل تهمة الإغتصاب…وما سمعنا أحداََ يقول إن في الأمر مبالغة في استخدام القانون

    • الى الاخ البازغي، لكننا لم نرى مدير اداعة دوزيم و هو بين عشرين شرطيا بعد ان اتهمته الصحفية المتدربة
      .
      بالاغتصاب .. المشكل في المغرب هو استعمال معيارين بين هؤلاء و هؤلاء .. ما حصل فعلا مهزلة، ما دخل
      .
      موظفي الجريدة في الامر .. لماذا ترويعهم .. و لماذا احتجزوا مفاتيح مقر الجريدة ..
      .
      اسئلة مشروعة، الاجابة عنها توحي بشيئ غير عادي .. ربما ..

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left