الطريق إلى عفرين والواقع المر

إبراهيم درويش

Feb 24, 2018

إلى أين تمضي تركيا في عمليتها السورية؟ وهل سيحقق الرئيس رجب طيب أردوغان أهداف عملية «غصن الزيتون» ويطهر بلدة عفرين من مقاتلي حماية الشعب «الإرهابيين» ويخلق الأجواء لعودة اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم؟ الجواب على هذه الأسئلة مرتبط بالحقائق على الأرض التي وجد أردوغان كغيره من القوى المتنافسة على أرض سوريا أنفسهم يواجهونها. فشبكة العلاقات والولاءات والمصالح الإقليمية والدولية متباينة ومتجادبة في الوقت نفسه. فإصرار الرئيس أردوغان على منبج وضعه وجها لوجه أمام مواجهة مع الولايات المتحدة التي وضعت قواتها هناك لحماية حلفائها الأكراد ضمن مظلة «قوات سوريا الديمقراطية» ولم يكن الطيران التركي قادرا على التحرك في المجال الجوي بدون إذن من الروس الذين سحبوا مستشاريهم من عفرين قبل بدء العملية التركية. ولم تمنع القوات الأمريكية في شرقي الفرات المقاتلين الأكراد من التدفق للدفاع عن عفرين، وحسب المتحدث باسم حماية الشعب فلا فرق بين عفرين ومناطق الأكراد الأخرى، مع ان الأمريكيين تعللوا أن البلدة ليست داخلة ضمن ترتيبات التعاون بينهم وبين الأكراد الذين استخدمتهم لقتال تنظيم «الدولة».
وقالت إن وجودها شبه الدائم في سوريا هو لمنع ظهور الجهاديين ومواجهة التأثير الإيراني. وعليه لا يمكن فصل العملية التركية التي بدأت 20 كانون الثاني (يناير) عن التطورات الأخيرة بين إيران وإسرائيل والهجوم الذي يقوم به النظام السوري على آخر معاقل المقاومة في الغوطة الشرقية، قرب دمشق وهو الذي غطى على العملية التركية التي وجدت نفسها عالقة بين مواقف أمريكية وروسية غامضة واتفاقيات تكتيكية بين قوات موالية للنظام السوري والمقاتلين الأكراد لتسليمهم المدينة بدلا من السماح للقوات الكردية والمقاتلين الموالين لها من الجيش السوري الحر السيطرة عليها. وتحرك الأكراد ليس غريبا لأن سجلهم يظهر أنهم مستعدون للتعاون مع النظام طالما خدم مصالحهم وحماهم من عدوهم التركي.
ويواجه النظام التركي في عملية عفرين حربا إعلامية غربية شككت بقدرات أردوغان كقائد عسكري وتبنت بالمطلق تصريحات ومواقف المتحدثين باسم الأكراد وقوات حمايتهم مثل زعم استخدام الجيش التركي الأسلحة الكيميائية ضد عفرين بالإضافة لاستهداف المدنيين وهي مزاعم اعتبرها أردوغان «كاذبة». وعلى العموم يمكن تحليل مسار العملية التركية من خلال تطورين حدثا خلال الأيام الماضية وهي دعوة الأكراد في عفرين القوات الموالية للنظام دخولها وزيارة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون للمنطقة والتي شملت تركيا.
فعلى صعيد دخول القوات الموالية للأسد المدينة ترى صحيفة «نيويورك تايمز» (22/2/2018) أن الصور الاحتفالية للمقاتلين الموالين للرئيس بشار الأسد والأكراد الذين حملوا صور الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، سرقت اللحظة من الجيش التركي الذي يقاتل منذ شهر لدخول البلدة. مشيرة إلى أن هذه واحدة من النكسات الكثيرة التي واجهت طموحات الرئيس التركي في سوريا.
ونقلت عن مايكل ستيفنز من المعهد الملكي للدراسات المتحدة قوله: «هذا أمر «سيحد من خيارات تركيا» التي هددت بضرب القوات الموالية للنظام. ورغم اعتماد تركيا على آلاف من المقاتلين الذين دربتهم «سي آي إيه» إلا أن تقدمها ظل بطيئا وخسرت 32 جنديا في العملية التي كان من المفترض ان تكون سريعة وأهدافها واضحة وهي تنظيف المنطقة من مقاتلي حماية الشعب- فرع حزب العمال الكردستاني وإنشاء منطقة آمنة لعودة اللاجئين السوريين. ورغم سيطرة الأتراك وحلفائهم السوريين على عدد من القرى قرب الحدود التركية إلا أنهم لم يصلوا بعد إلى المدن. وكان النظام عارض العملية التركية منذ البداية وهدد بمواجهة الجنود الأتراك لكن الروس سمحوا لتركيا بالعمل. ولم يكن دخول القوات الموالية للأسد بدون ضوء أخضر روسي، فقد ذكرت تقارير أن مسؤولا روسيا مع مسؤولين من الحكومة السورية التقوا في حلب، سابان حمو، قائد الحماية الكردية في البلدة واتفقوا على شروط انسحاب مقاتليه وفتح المجال أمام دخول القوات الموالية للنظام. وتعلق الصحيفة أن قبول الأكراد دعما من النظام يهدد بخسارتهم حكمهم الذاتي، خاصة أن عفرين هي الحلقة الضعيفة من «روجافا» أو كردستان الغربية التي يعمل أكراد سوريا على بنائها وتحاول تركيا منع السيناريو.

تلاعب روسي

وأكد المسؤولون الأكراد أن عمليتهم مستمرة ضد عفرين بعيدا عن دخول القوات الموالية للأسد. ويرى عدد من المحللين في الشأن السوري أن روسيا تريد ان تظل ممسكة بأطراف اللعبة السورية. ويرى كريم هاس، المحاضر في جامعة موسكو الحكومية أن «روسيا ليست خارج العملية بل هي في مركز الصفقة». ويضيف أن روسيا تستخدم عفرين لإجبار الأكراد السوريين والنظام على الجلوس معا ويستخدمون العصا التركية لتحقيق جلوس قادة الأكراد مع النظام على الطاولة. ويمكن أن يمنح التدخل الروسي مخرجا لأردوغان الذي أصر على أن العملية ضرورية للأمن القومي ولإنشاء منطقة آمنة تسمح بعودة اللاجئين. ولهذا انضم عدد من مقاتلي الجيش الحر للعملية على أمل العودة إلى قراهم. ولكنهم تكبدوا خسائر ولا يقتربون لتحقيق أهدافهم. ويرى ستيفنز من المعهد الملكي للدراسات المتحدة بلندن أن أردوغان يستطيع ادعاء تحقيق نصر من نوع ما حالة تحرك النظام ضد قوات حماية الشعب. ويقول إن الموقف الإستراتيجي التركي ضعيف ودائما ما يبحث الأتراك عن مكاسب تكتيكية، خاصة أنهم يواجهون لاعبين أكثر تمترسا في سوريا وغيروا استراتيجيتهم أكثر من مرة لتتناسب مع احتياجاتهم الأمنية التي باتت تركز على التهديد الكردي والدور الذي تلعبه الولايات المتحدة على حدودها. والتعاون الكردي مع النظام سيؤثر سلبا على الطموحات التركية الهادفة لمنع ولادة كيان كردي على حدودها، هذا إن صدقنا ما قاله المعلق ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» (22/2/2018) من أن الأمريكيين والروس والإسرائيليين يناقشون فكرة تتمحور حول تعاون الأكراد مع الدولة السورية التي يتم إصلاحها وليس بالضرورة النظام، خاصة أن أمريكا لا تستطيع البقاء طويلا في سوريا ولا يمكنها دعم الكيان الكردي للأبد.
وفي الوقت الذي كان فيه الأكراد والسوريون يناقشون برعاية روسية موضوع عفرين، اجتمع مسؤولون أمريكيون وأتراك لبحث موضوع منبج، حيث طالب الرئيس أردوغان بإخراج قوات حماية الشعب منها.
وطرح في الاجتماع آلية تعاون أمني أمريكي- تركي في منبج. ويتزامن هذا التطور مع إنفراجة في العلاقات بين البلدين بعد زيارة ريكس تيلرسون لأنقرة في 16 شباط (فبراير). وفي أثناء الزيارة اعترف تيلرسون أن هناك أزمة في العلاقات ووافق على إنشاء لجنة مشتركة تجعل من منبج أولوية لها وقد أسهمت لهجة تيلرسون التصالحية في ترطيب الأجواء. إلا أنه قال ـ وهذا مهم ـ إن اللجنة المشتركة قد لا تناقش المناطق التي حررت من تنظيم «الدولة»، مشيرا إلى أن السبب الذي جعل الأمريكيين ينشرون قواتهم كان للتأكد من بقاء مبنج تحت سيطرة «حلفائنا» أي قوات سوريا الديمقراطية. ويظل السؤال فيما إن عملت الولايات المتحدة على إرضاء انقرة بحل في منبج، لكن أردوغان يبدو مصرا على السيطرة عليها رغم أن الوقائع والتطورات كلها تقف ضده. فتعاون الأكراد مع النظام السوري كوسيلة لوقف أنقرة يمكن ان يكرر في منبج كما في عفرين.
ويريد الأكراد من هذه المناورات القول ان لديهم خياراتهم رغم حنقهم على روسيا التي سمحت للطيران التركي بضربهم. وعلى خلاف جرابلس التي سيطر عليها الأتراك عام 2016 فالوضع في منبج مختلف، فسكانها الذين عاشوا تحت حكم تنظيم «الدولة» ورحبوا بقوات سوريا الديمقراطية لن يتقبلوا دخول الأتراك إلى بلدتهم. وكما يقول فهيم تاستكين من موقع «المونيتور» (23/2/2018) فإن سكان منبج سيفضلون الجيش السوري على التركي. ويرى الأكراد انه حتى لو خرجت القوات الأمريكية كما فعل الروس في عفرين فسيتم تكرار السيناريو نفسه في منبج، أي تسليمها للنظام. وفي الوقت الحالي يعول الأكراد على الموقف المتشدد من البنتاغون الداعم لهم خلافا للبيت الأبيض الذي عادة ما يميل لاسترضاء تركيا. وهذا نابع من أهمية البلد للمصالح التركية مع أن أصواتا بدأت تطالب الإدارة الأمريكية باتخاذ موقف متشدد من أنقرة، كما في كتابات إغناطيوس في «واشنطن بوست» أو مقالة إريك إلدمان، السفير الأمريكي السابق في تركيا وجيك سوليفان، مستشار الأمن القومي لجوزيف بايدن، نائب الرئيس باراك أوباما اللذان قالا في مقال لهما بمجلة «بوليتكو» (13/2/2018) إن تركيا خرجت عن السيطرة وأن أردوغان يريد تدمير التحالف الأمريكي- التركي.

حل

إلا أن صحيفة «وول ستريت جورنال» (21/2/2018) تحدثت عن خطوات واجتماعات مكثفة عقدها المسؤولون الأمريكيون مع نظرائهم الأتراك في محاولة لإبعاد أنقرة عن موسكو وطهران. وأشارت لاجتماعات تيلرسون وجيمس ماتيس، وزير الدفاع ومستشار الأمن القومي، أتش أر ماكمستر. ونقلت عن مستشار في إدارة دونالد ترامب أن «اصطفاف تركيا مع روسيا وإيران هو ضد المصالح التركية».
وتقول الصحيفة أن الولايات المتحدة تريد تركيا في صفها خاصة وأنها تحاول الوقوف أمام الجهود الإيرانية بالمنطقة وتخشى من نجاح الروس بتقسيم الناتو من خلال بيع أنظمة دفاع صاروخي إلى تركيا. وكان الرئيس أردوغان تحدث مع فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني لترتيب قمة تعقد هذا الربيع في تركيا لبحث الأزمة السورية. وهو ما يغضب الأمريكيين الذين يرون أن خطة بوتين بدون جوهر. وتعترف أمريكا أن مشكلة العلاقة مع تركيا هي في دعمها الأكراد السوريين وتحاول والحالة هذه البحث عن توازن بين الخلافات التي لا يمكن ردمها. فقد قدم الأمريكيون عروضا مثل إنشاء رقابة عسكرية مشتركة للتأكد من عدم ضرب الأكراد الأراضي التركية. وتحاول واشنطن البحث عن طرق لتخفيف قوة الأكراد الذين عملت على تقويتهم بالمال والسلاح والتدريب على يد القوات الأمريكية الخاصة، عبر تسليمهم المناطق ذات الكثافة العربية لسلطات محلية. إلا أن المطلب التركي الأهم وهو التوقف عن دعم قوات حماية الشعب الكردية ليس على قائمة اهتمامات إدارة ترامب. وبدلا من ذلك تقترح على أنقرة أن تتقدم ببديل وتحديد القيادات الكردية في سوريا التي ترغب بالعمل معها.

 الطريق إلى عفرين والواقع المر

إبراهيم درويش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left