روسيا بين الأكراد وتركيا في عفرين

فالح الحمراني

Feb 24, 2018

إلى جانب التطورات المتسارعة في الغوطة الشرقية، تراقب روسيا عن كثب التصعيد في عفرين. وعكس عمق اهتمام الكرملين بالوضع هناك، ان الرئيس فلاديمير بوتين وعلى غير العادة، عقد في منتصف الاسبوع اجتماعا مع أعضاء مجلس الأمن الروسي ناقش فيه الوضع في سوريا ولاسيما في عفرين، كما ناقش المسألة مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان. وتنظر روسيا للتطورات هناك من زاوية الدور الأمريكي فيها، الذي أثار مخاوف تركيا الأمنية، وهدد بنسف مناطق تخفيف التصعيد ومنع القوات الحكومية من انتزاع المناطق التي ما زالت تسيطر عليها «الدولة» الإسلامية أو قوى المعارضة المسلحة التي لم تنضم لعملية التسوية السلمية أو الالتحاق بواحدة من المنصات التي تقود التفاوض مع الحكومة السورية حول تنفيذ مبادئ بيان جنيف.
وتحدثت مصادر مطلعة عن ان موسكو طلبت من الأكراد التفاهم مع بشار الأسد والخضوع له، مقابل دعم مطالبهم بالحصول على حكم ذاتي في إطار الدولة السورية، بيد انهم رفضوا هذا الخيار. وكانت وزارة الدفاع الروسية سحبت القوة العسكرية من عفرين وأعلنت انها لن تتورط بالحرب فيها إلى جانب الجيش التركي، وستدعو إلى وقف إطلاق النار بالوسائل السياسية والدبلوماسية. ووصفت القيادة الكردية الموقف الروسي ذاك بانه تواطؤ مع أنقرة وخيانة لقضيتهم، وردت روسيا بحدة على هذه التهم وحملت الأكراد مسؤولية التصعيد بتحالفهم مع أمريكا.
وحذرت موسكو النظام السوري من تداعيات التورط بدخول قواته لعفرين. وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الفيدرالية المجلس الأعلى للبرلمان الروسي قسطنطين كوساتش: ان احتمال دخول القوات الحكومية السورية إلى عفرين محفوف بخطر نشوب مواجهات مباشرة بين سوريا وتركيا. وفي رأيه «ان هذا قد يعني بالنسبة لدمشق توسيع الأراضي التي تسيطر عليها، بيد ان هذا بطبيعة الحال سيزيد في الوقت نفسه من مخاطر المواجهات المباشرة بين سوريا وتركيا، وأقل ما يقال ان هذا غير مناسب في الوقت الحالي».
وتأخذ روسيا في هذه الأثناء البعد الدولي في التطورات في عفرين وتورط دول أخرى فيها، فالولايات المتحدة تدعم الأكراد بكثافة رغم ارتباطها بعلاقات تحالفية مع تركيا من خلال حلف الناتو، وكذلك إسرائيل وروسيا وإيران. ومن الخطأ الاعتقاد ان طرفا واحدا يفرض سيطرته على هذه المنطقة. وتقف روسيا في هذه الحالة في وضع صعب بين موقفها المعلن عن دعمها للأكراد بالحصول على تطلعاتهم كأمة، وسعيها لترتيب علاقة مستقرة مع تركيا، والإبقاء على وجود أنقرة في محور استانا الذي يضم إيران وروسيا، والإفادة منها للتأثير على قوى المعارضة السورية التي تدور في مدارها، فضلا عن عدم المس بالروابط الاقتصادية والمشاريع الكبرى في مجال الغاز والطاقة النووية للأغراض السلمية وصفقة منظومة اس 400 للدفاعات الجوية، التي تنطوي أيضا على اعتبار ان تركيا عضوة فيه.
بيد ان روسيا أعربت في الآونة عن عدم ارتياحها لتحركات القوى الكردية وخيارتها السياسية، وفي الدرجة الأولى ما يتعلق في وقوعها في المدار الأمريكي. وترى موسكو ان الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تلعب بالورقة الكردية لتحقيق أهداف جيو/ سياسية. وترى ان واشنطن تتحمل مسؤولية تأجيج الوضع في عفرين وما حولها.
وتشير بهذا إلى واقع انشاء قوى أمن حدودية، خُصصت لها الأموال الطائلة لتدريب «قوى سوريا الديمقراطية»، التي أصبحت الميليشيات الكردية أساسا لها. وقال وزير الخارجية لافروف «لقد جرى هذا التطور في الوقت الذي ظهرت لدى تركيا الكثير من التساؤلات حول تلك الخطط، وخاصة عندما تم الإعلان عن إقامة منطقة آمنة على طول الحدود بين سوريا والعراق». موضحا «نحن جميعنا نعرف ما هو موقف تركيا إزاء هذه أو تلك من وحدات الميليشيات الكردية. ويمكن تقييم الموقف التركي هذا بمختلف الصور، ولكنه واقع». وقال ان من قصر النظر العمل مع تجاهل هذا الموقف تماما. وأضاف «اننا نلاحظ نتائج قصر النظر هذا، بما في ذلك في عفرين». وأكد ضمن هذا السياق: «روسيا كانت منذ البداية وستظل مؤيدة لمشاركة الأكراد بصورة مباشر في كافة الجهود بشأن التسوية السورية. ان الأكراد ـ جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري. ان قرار 2254 لمجلس الأمن الدولي انطلق من هذا الأمر» مطالبا بـ «عملية تسوية بمشاركة الحكومة وطيف المعارضة والمجتمع السوري بأسره. وبدون مشاركة الأكراد لن يتيسر لنا تحقيق تسوية الأزمة السورية بشكل نهائي وثابت. ولكن ينبغي التقدم نحو هدف مثل هذه التسوية الشاملة بمشاركة الأكراد، من خلال التوصل إلى وفاق مشترك بين جميع اللاعبين السوريين سواء في الداخل أو في الخارج، من المشاركين في العمليات التي تدور في سوريا وحولها».
وترى موسكو ان الولايات الأمريكية تهدف من خلال دعم القوى الكردية الانفصالية والمعارضة التي تقف إلى جانبها، لإقامة «شبه دولة» على جزء كبير من الأراضي السورية على الضفة الشرقية من نهر الفرات وحتى الحدود العراقية. وبات كل هذا يشبه على نحو متزايد خط تقويض وحدة الأراضي السورية. ويجري في هذه الأراضي إنشاء أجهزة سلطة محلية ذاتية ومستقلة عن دمشق. وتُرسل إلى هناك الأموال من أجل ان تعمل أجهزة السلطة تلك، وتُزود بالأسلحة، وبدعم أمريكا يجري إنشاء أجهزة حفظ النظام. «لقد طرحنا هذه الأسئلة مرات عديدة، ولكننا لم نحصل على أجوبة واضحة باستثناء شعار عام حتى لا نشعر بالقلق، من انهم يؤيدون وحدة سوريا. ولكن في الواقع يبدو كل شيء مختلفا» كما قال لافروف.
يتضح ان الجانب الروسي ينظر إلى التطورات في عفرين من منظارين مختلفين، تعزل القضية الكردية كقضية أمة تسعى لنيل حقوقها القومية، عن قضية القوى السياسية الحالية التي تقوم بالوكالة عن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على التصعيد وعرقلة المضي في تصفية وتدمير ما تبقى من الهياكل السياسية والعسكرية لتنظيم «الدولة» الإسلامية ومواجهة هيئة تحرير الشام التي تسيطر على شرق الغوطة. وعلى وفق تقييمها، الذي جاء على لسان نائب وزير الخارجية مبعوث الرئيس الروسي لشئون الشرق الأوسط وبلدان افريقيا ميخائيل بوغدانوف: «ان مسؤولية تأجيج الميول الانفصالية بين جزء من الأكراد تقع في الدرجة الأولى على الأعمال الخرقاء لشركائنا الأمريكيين». وكما قال انهم خلقوا لدى الأكراد الوهم ان أكراد شمال سوريا، ومهما فعلوا، سيكونون بحماية ورعاية الولايات المتحدة. وأثاروا لدى الأتراك ـ المخاوف الشديدة على أمن حدود البلاد الجنوبية، التي اعتزم الأمريكيون، كما يُفهم من بعض بيانات ممثليهم الرسميين، تسليمها للتشكيلات الكردية التي دربها وسلحها مدربون أمريكيون. والنتائج المحزنة معروفة. ولذلك، فان عنصرا إضافيا من وصفتنا هو توصية لجميع القوى الخارجية التي تحاول التأثير على الوضع في سوريا، ان تأخذ بعين الاعتبار الحقائق الإقليمية المُعقدة، وخصوصية سوريا، هذا البلد الفريد للغاية في نوعه.
وقال بوغدانوف وهو الذي يدير ملفات الشرق الأوسط في الخارجية الروسية، ان روسيا الاتحادية مستعدة عند الضرورة القيام بدور الوسيط لتسوية النزاع المسلح في عفرين. وأوضح « لا نفرض دورنا على أي طرف، ولكن إذا استدعى الأمر، فنحن مستعدون للقيام بمساع حميدة من أجل وقف إراقة الدماء، وإيجاد القواسم المشتركة».

روسيا بين الأكراد وتركيا في عفرين

فالح الحمراني

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left