صفقة القرن أم كرة الشحم؟

منصف الوهايبي

Feb 24, 2018

ماذا تريد أمريكا من الفلسطينيّين؟ ماذا تبيّت لهم؟ بل ماذا يريد العرب أو أنظمتهم أو بعضها من الفلسطينيّين؟
المستر دونالد ترامب والحكّام العرب لم يقرؤوا قصّة «كرة الشّحم» للكاتب الفرنسيّ غي دوموبسان؛ لذلك فإنّ تشابه الأحداث جاء مجرّد صدفة. نبدأ بقصّة دوموبسّان. خلال حرب 1870 بين فرنسا وبروسيا (ألمانيا)، اجتاح البروسيون مدينة ران في النّورماندي، يحدث هذا في كلّ الحروب تقريبا. عشرة أشخاص فرنسيين من سكّان المدينة قرّروا الهرب بعيدا عن مخاطر الحرب؛ يحدث هذا أيضا في كلّ الحروب تقريبا. الهاربون العشرة هم زوجان من التّجّار وزوجان من البرجوازيّة وزوجان من النّبلاء وراهبتان، السّتّة الأوائل لا تعوزوهم الفلوس ليتدبّروا أمرهم. والرّاهبتان روح الرّبّ في الأرض، ولا بدّ أنّ الرّبّ قد تدبّر أمرهما. وتاسع العشرة رجل ديمقراطيّ حتّى النّخاع، لا ندري من تدبّر أمره، ولكنّه كان هناك في العربة التي تجرّها الخيول. وعاشرةُ العشرة هي صاحبتنا اليزابيث رووسيه، وهي امرأة مومس معروفة، لا تخفي مهنتها، وكنايتها (بول دو سويف) أي كرة الشّحم، والأصوب «كرة الودك»؛ والودك لغة هو الدسم من اللحم والشحم. وهي امرأة بدينة قصيرة مدوّرة، ولكنّها جميلة مثيرة ذات عينين سوداوين ووجه كالتفّاحة. لأقل هي مثل «دجاجة وَدِيكة» كما يقول العرب عن الدجاجة السمينة.
يحدث هذا أيضا. المسافرون التّسعة لم يتزوّدوا بمؤونة لرحلة قد تطول وقد تقصر؛ وقد تتقطّع بهم السبل. كان ذلك سوء تقدير، وأكثر النّاس يسيء التّقدير في مثل تلك الأحوال. لكن كرة الشّحم أو الودك لم تسئ التّقدير، وكانت كريمة فقاسمت الرّكّاب طعامها بالرغم من نفورهم منها، أو هي على رأي عروة بن الورد عافية الإناء، تقسّم جسمها أو قوتها في جسوم كثيرة. حدث هذا ويحدث أيضا. وفي مدينة توتس، يلجأ الرّكّاب العشرة إلى فندق للاستراحة، ولسوء حظّهم، كان البروسيون قد استولوا على الفندق وأقاموا فيه مركز القيادة. سوء الحظّ أيضا يحدث زمن الحرب كما زمن السّلم. ولسوء حظّهم أيضا رفض الضّابط البروسيّ أن يمنحهم رخصة العبور إلاّ بمقابل: أن تمنحه كرة الشّحم جسدها ليلة واحدة. ولكنّ كرة الشّحم المومس التي تقتات بجسدها، وتأكل به؛ ترفض رفضا قاطعا أن تمنح العدوّ جسدها. تلك مسألة مبدأ. ولكنّ رفقتها لم يستوعبوا، فهذه مهنتها، فما دخل المبدأ في القضيّة؟ قالت مدام لوازوا بغضب: هذه هي مهنتها، فليس من المعقول أن تسمح لرجل ولا تسمح لآخر؟ ولا أحد منهم استهجن موقف الضّابط الرّخيص! وحده الرّجل الدّيمقراطيّ، بتجربة السّنين، وبحنانه الأبويّ المتصنّع، ظلّ يهوّن عليها الأمر؛ حتى استطاع أن يقنع كرة الشحم وهي التي فقدت أباها طفلة؛ فاستسلمت للضّابط البروسي.
 دعنا الآن من بقيّة القصّة، فقد أوفى الضّابط بوعده، وهناك ضبّاط يحاربون بشرف ويصالحون بشرف. يحدث هذا أيضا زمن الحرب، وتواصل المركبة رحلتها، ويزداد نفور الرّكّاب من اليزابيث رووسيه؛ حتى أنّهم لا يقاسمونها طعامهم، وهي التي لم تتزوّد هذه المرّة بمؤونتها لرحلة قد تطول وقد تقصر. لا المستر ترامب قرأ هذه القصّة ولا أيّ من الحكّام العرب. مستر ترامب ليس لديه متّسع من وقت وهو رجل أعمال وتاجر لا يشغل نفسه بالقراءة، والحكّام العرب لا يقرؤون أصلا. مستر ترامب لم يرغب في كرة الشّحم، ولكنّه رغب في غيرها من نساء المركبة؛ والأزواج بكلّ ما فيهم من نخوة، يحاولون أن يردّوه عن رغبته: «كرة الشّحم أشهى وألذّ!»، ومستر ترامب رجل عنيد، فكرة الشّحم في قبضته ولن تفلت! وكان عند وعده، فقد أخلى سبيل المركبة، ولكنّ الرّجال لم يرفعوا أبصارهم إلى كرة الشّحم. مازالت الرّحلة طويلة، وفي كلّ مدينة فندق وفي كلّ فندق ضابط اسمه مستر دونالد ترامب. من هم ركّاب العربة؟

***

يتضمن كتاب «النار والغضب» شهادات من ستيف بانون، مستشار دونالد ترامب السابق، يتحدث فيها عن «صفقة القرن» أو «صفعة القرن» كما سمّاها الرئيس أبو مازن، أو «صفقة العصر» ولا أفهم شخصيّا لماذا ترجموها هكذا، إلاّ أن يكون المقصود بـ»العصر» عصرَ الثمرة مثل الليمونة أي ضغطها واستخرج ما فيها من سائل، أو عصر الدمّل إذا استخرج مِدّته، أو عصر يده إذا دعكها، أو عصر الثوب إذا لواه واستخرج ماءه، أو عصر بمعنى منع وحبس وأيبس وعرّق… وليس العصر بمعنى الدهر أو الزمن أو الحقبة منه. وها هم جميعا يعصرون الفلسطينيّين عصرا، بحثا لهم عن «أرض ميعاد» أو «أرض استبدال».  وليس قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، سوى جزء من تدابير تنفيذ هذا الاتفاق الذي تمّ إبرامه مع الجانب الإسرائيلي فقط، وربّما كان هناك تواطؤ عربيّ ما.

***

 ومع ذلك فقد يكون من الرجاحة بمكان أن نشيد بالتعامل العقلاني مع هذا الوضع المعقّد حيث القضيّة الفلسطينيّة تقع أو تكاد في آخر اهتمامات الأنظمة العربيّة، بل لعلّ بعضها يستعجل أيّ حلّ حتى لو كان مؤقّتا، أو هو يزيّنه للفلسطينيّين، كما فعل المسيو لوازوا مع كرة الشحم. هل الحلّ في المقاومة؟ ولكن أيّة مقاومة؟ وبأيّ شكل؟
 الحلم الفلسطينيّ لايزال حلما مبتورا؛ ونحن نرى هول المأساة في غزّة وعذاب الناس اليومي، أو نرى من رام الله المستوطنات وهي مدن قائمة على التلال والهضاب مسوّرةً بجدار الفصل العنصري وبالأسلاك الشائكة؛ تطوّق القرى والمدن الفلسطينيّة بما فيها القدس؛ فنتساءل: أيّ سلام سيستتبّ في ظلّها؟ بل كيف لحلّ الدولتين أن يتحقّق؟ ومع ذلك فإنّ الحلم الصهيوني حلم مبتور؛ ماهيّته جغرافيا لاهوتيّة تجعل من إسرائيل في المنظور الصهيوني دولة الصعود والعودة والتجمّع وإعادة التكوين.
كان لدى كثير أو قليل منّا، منذ عودة بعض الفلسطينيّين إلى جزء من أرضهم، حلم بإقامة دولة فلسطينيّة على حدود ما قبل 1967. ولكن يبدو أنّه يتبدّد؛ خاصّة أنّ الأغلبيّة من الإسرائيليّين لا تزال تطرح المسألة من حيث هي حقيقة مطلقة. فلا جبل صهيون حتى بالنسبة إلى المسيحيّ، مملكة من هذا العالم. وهو تأكيدا لا يعني فلسطين. والجغرافيا اللاهوتيّة على ما يقرّره بول ريكور في نصّ قديم له، وأظنّه تراجع عنه تحت ضغط ما، مرحلة ألغاها تاريخ الأنبياء اليهود الروحي. وعليه فإنّ الماهية المؤسّسة للوجود الإسرائيلي، ليست الماهية المؤسّسة لوجود المسلم أو المسيحي، واعتبار إسرائيل نفسَها امتدادا لإسرائيل الذاكرة إنما سنده المخيال الديني وليس التاريخ في كلّ الأحوال.

***

لكأني الآن في «الخيمة البيضاء» أطلّ مع كاتبتها ليانة بدر على رام الله، وعلى المستوطنات والحواجز والجدار العازل، من نافذة قطار يسير بطيئا سريعا.. سريعا بطيئا.. في حركة دائريّة سيكودراميّةّ، تأخذ بنقلات سريعة مفاجئة، ثمّ تتأنّى، وتتباطأ في سلسلة من الأحداث المنفصلة المتّصلة؛ وكلّ ذلك على مدار 24 ساعة تستغرق هذا العالم الفلسطينيّ المتحوّل، حيث تكاد فلسطين المظلومة و»الظالمة» نفسها أيضا بجرحها الداخلي الذي لا ندري متى سيندمل؛ وهي تكاد تنزل سهل الأباطح، حيث لا حلّ الدولتين بالقائم، ولا الدولة الواحدة.. حيث الخيمة التي تنهار هي «خيمة أوسلو».. حيث لا أمل إلاّ في الجحيم.
 عبرت إلى رام الله مرّتين: أواخر شهر سبتمبر 2000  مع نفر من الشعراء العرب في ملتقى فلسطين الشعري الأوّل، وكان محمود درويش معنا طوال رحلة الأيّام الستة تلك؛ وأواخر ديسمبر 2013 وحدي بدعوة من متحف محمود درويش.
وفي المرّتين قطعت الطريق من عمّان إلى جسر الملك حسين فأريحا فرام الله. استشعرت أنّني كنت أخرج من سجن، ولكن دون أن أذوق طعم الحرّيّة؛ وأظنّ أنّ هذا هو الشعور الذي ظلّ يلازمني في الرحلتيْن كلتيهما، كما كتبت في مذكّراتي، ولا أزال أرى فلسطين حتى الآن من مشبّك، وأقول لعلّ الفردوس صُنع ليظلّ مسيّجا؛ والجنّة مغلقة أبدا. غير أنّ فلسطين ليست الفردوس المفقود؛ ولن تكون صورة من الأندلس.

***

لكأنّ الفلسطينيّين الآن في صَهْريجٌ غسّان كنفاني، المُشرب بِأكْسيدِ البُرونْزِ. ونحن نعرف أنّهمْ طرَقُوا منذ احتلال فلسطين، ولا يزالون يطرقون. ونحنُ هناك نسمعُهمْ. ولكنّنا سددنا آذاننا بشمع النحلِ.. ولم نفتحْ لهمْ.. وإذْ دقّوا على الخزّان مرّاتٍ.. ومرّاتٍ؛ قطعنا آذاننا لنخرسهم.
 «صفقة القرن» اليوم ليست بالون اختبار، بل هي في المنظور الأمريكي استشراف أساسه تهيئة العرب للقبول بطيّ صفحة القضيّة الفلسطينيّة. ومسعى محكوم بسيناريوهات أو احتمالات. وكلّ فعاليّة مستقبليّة تعني أنّ المستقبل ليس مكتوبا ولا هو نتاج قدر أمريكي. إنّما هو صنيعنا نحن البشر مثلما هو صانعنا.
 واليأس من كلّ شيء قد يكون مفتاح الأمل في كلّ شيء. والفلسطينيّون ليسوا بـ»كرة الشحم» ولن يكونوا أبدا.
كاتب تونسي

صفقة القرن أم كرة الشحم؟

منصف الوهايبي

- -

1 COMMENT

  1. ليس المهم ما يريده عدوك لك ، لكن انضمام اخوتك او من قالوا بانهم معك الى اعدائك هذا هوا المهم والمصيبة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left