الأيوبي بين الوعي الأوروبي والوعي العربي

د. محمد عبدالرحمن عريف

Mar 02, 2018

صلاح الدين الأيوبي قائد عسكري أسس الدولة الأيوبية التي وحدت مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن في ظل الراية العباسية، بعد أن قضى على الدولة الفاطمية التي استمرت 262 سنة. قاد صلاح الدين حملات ومعارك عدّة ضد الفرنجة وغيرهم من الصليبيين الأوروبيين في سبيل استعادة الأراضي المقدسة التي كان الصليبيون قد استولوا عليها أواخر القرن الحادي عشر، وقد تمكن في نهاية المطاف من استعادة معظم أراضي فلسطين ولبنان بما فيها مدينة القدس، بعد أن هزم جيش بيت المقدس هزيمة منكرة في معركة حطين. كان صلاح الدين يقول بمذهب أهل السنة والجماعة.
في الوعي العربي نجد عُقاب صلاح الدين الذي اكتشف في قلعة القاهرة، والذي اقتُبس ليُصبح شعارًا لدول عربية وإسلامية، بالرغم من أن الدولة التي أسسها صلاح الدين لم تدم طويلاً من بعده إلا أن صلاح الدين يُعَدُّ في الوعي العربي الإسلامي محرر القدس. ومع تصاعد مشاعر القومية العربية في القرن العشرين، ولا سيما في وجود الصراع العربي الإسرائيلي، اكتسبت بطولة صلاح الدين وقيادته أهمية جديدة، فقد كان في تحريره للقدس من الصليبيين مصدر إلهام لمعارضة العرب في العصر الحديث للصهيونية. كما استُلهمت شخصيته في الملاحم والأشعار وحتى مناهج التربية الوطنية في الدول العربية، كما أُلّفَت عشرات الكتب عن سيرته، وتناولتها المسرحيات والتمثيليات والأعمال الدرامية.
لا يزال صلاح الدين يُضرب به المثل كقائد مسلم مثالي واجه أعداءه بحسم ليحرر أراضي المسلمين، دون تفريط في الشهامة والأخلاق الرفيعة. علاوة على ذلك، كان يُنظر إلى وحدة العالم العربي تحت راية صلاح الدين رمزًا مثاليًا للوحدة الجديدة التي سعى إليها القوميون العرب، بقيادة جمال عبد الناصر. لهذا السبب، أصبح نسر صلاح الدين رمزًا لدولة ما بعد الملكية في مصر، واعتمد لاحقًا كشعار لعدد من الدول العربية الأخرى مثل العراق وفلسطين واليمن وسوريا. بل إن هناك محافظة في العراق سُمّيت على اسمه، إضافة إلى جامعة صلاح الدين في أربيل أكبر مدن كردستان العراق.
يوجد عدد قليل من المباني منذ عهد صلاح الدين ما زالت باقية في المدن الحديثة. فقد كان أول من حصّن قلعة القاهرة (1175-1183) مدخلاً ذلك الطراز المعماري العسكري إلى مصر الذي لم تعرف قبله سوى القصبات الشمال أفريقية، ونموذجا آخر عليه وإن كان أصغر قلعة الجندي في سيناء، والتي تشرف على طريق القوافل الذي يربط مصر بالشرق الأدنى. في تلك القلعة، عثر فريق آثار فرنسي عام 1909م، على عدد من الغرف المقببة الكبيرة المنحوتة في الصخر، فيها بقايا متاجر وصهاريج مياه. كذلك يُطلق بعض المسلمين على أولادهم الذكور اسم «صلاح الدين» تيمنًا بهذا القائد، على الرغم من أن هذا الاسم كان لقبًا للسلطان الأيوبي خُلع عليه بعد إسقاطه الدولة الفاطمية وقتاله الصليبيين.
في الوعي الأوروبي بالرغم من كون صلاح الدين خصمًا للأوروبيين، فإنه ظل لديهم نموذجًا للفارس الشهم الذي تتجسد فيه أخلاق الفروسية بالمفهوم الأوروبي، حتى أنه توجد ملحمة شعبية شعرية من القرن الرابع عشر تصف أعماله البطولية. فعلى الرغم من المذبحة التي قام بها الصليبيون عندما احتلوا القدس في عام 1099م، فقد عفا صلاح الدين وسمح للمسيحيين الغربيين بالمغادرة مع بقايا الجيش المسيحي المنهزم، طالما أنهم كانوا قادرين على دفع الفدية التي فرضها عليهم. كما عومل الأرثوذكس (ومنهم مسيحيون عرب) معاملة أفضل لأنهم عادة ما كانوا يعارضون الغزو الأوروبي الصليبي. بالرغم من الاختلاف في العقيدة فإن القُواد المسيحيين امتدحوا صلاح الدين، خصوصًا ريتشارد قلب الأسد، الذي يُروى أنه قال عنه إنه أمير عظيم وإنه بلا شك أعظم وأقوى قائد في العالم الإسلامي؛ كما يُروى أن صلاح الدين ردَّ بأنه لم يكن هناك قائد مسيحي أشرف من ريتشارد.
بعد معاهدة الرملة، تبادل صلاح الدين وريتشارد الهدايا كرمز للاحترام المتبادل، ولكنهما لم يلتقيا قط وجهًا لوجه. رسم أوروبي من القرن الثالث عشر يُظهر ريتشارد الأول «قلب الأسد» وصلاح الدين في مبارزة. قال عنه المؤرخون الأوروبيون أنه «من الحق أن كرمه وورعه وبعده عن التعصب؛ تلك الليبرالية والنزاهة التي كانت النموذج الذي ألهم مؤرخينا القدماء؛ هي ما أكسبه احترامًا في سوريا الإفرنجية لا يقل عن الذي له في أرض الإسلام».
الواقع أن هناك الكثير من الشهادات الأوروبية الناصعة المشيدة بصلاح الدين، ومن ذلك ما ذكره المؤرخ الصليبي أرنول المعاصر لصلاح الدين، كما نجد أن المؤرخ البيزنطي نيكتاس خونياتس الذي شاهد بأم عينيه سقوط القسطنطينية في يد الصليبيين عام 1204م وما فعلوه بهذه المدينة العريقة من سلب ونهب وهتك أعراض نسائها، حتى راهبات الأديرة لم يسلمن من هذا الفعل الفظيع، هذا المؤرخ حين يتحدث عن صلاح الدين ودخوله على رأس المسلمين القدس، تختلف نبرته وتعتدل لهجته.هذه الشهادة الغربية تؤكد ما ذكرناه من نبالة وطهارة مقصد المسلمين حين دخلوا القدس بقيادة صلاح الدين، لا همَّ لهم إلا استعادة مقدساتهم من دون الاعتداء على المحتلين، ولو فعلوا ما لامهم أحد، فلا تنسى صفحات التاريخ حمامات الدم التي امتلأت بدماء المسلمين حين اقتحم الصليبيون القدس عام 1099.
نعم لقد شكَّلَ فعلُ صلاح الدين حين استعاد المدينة صدمة نفسية عميقة للأوربيين جميعًا، وهو ما جعل مؤرخ سقوط الإمبراطورية الرومانية إدوارد جيبون، يشيد بصلاح الدين ويمتدح تواضعه وتقشفه. وهذه الشهادة تشير إلى جانب رائع في حياة صلاح الدين، وهو تقديم مصالح الأمة على مصالحه الشخصية، فعلى رغم تدينه وتقواه إلا أن مصلحة الأمة تغلب على مصلحته الشخصية، فلم يتمكن من أداء فريضة الحج بسبب خوفه على ما حقق من إنجازات، منها توحيد مصر والشام في دولة واحدة أثمرت استعادة القدس ومعظم المناطق التي احتلها الصليبيون في فلسطين.
عن مكانة صلاح الدين الأسطورية في أوروبا، يقول المؤرخ الروسي ميخائيل زابوروف إن «الرقة النسبية التي أبداها القائد العسكري صلاح الدين الأيوبي بعد الاستيلاء على القدس كانت، في ما كانت، سبباً لتزيين تاريخ صلاح الدين في الغرب في ما بعد بشتى الأساطير التي تطري شهامته غير العادية، أما في الواقع، فإن اعتدال صلاح أملته الاعتبارات السياسية، ذلك أنه كان عليه أن يضم أراضي دول الصليبيين إلى قوام الدولة المصرية، ولم يكن من شأن شراسة الظافر إلا أن تسيء إلى هذه القضية».
يبقى إعجاب المؤرخ البريطاني هاملتون جب بصلاح الدين أيما إعجاب، إذ يرى في عهده نقطة فارقة في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، حين يقول: «يشكل عهد صلاح الدين أكثر من مجرد حادثة عابرة في تاريخ الحروب الصليبية، فهو يمثل إحدى تلك اللحظات النادرة والمثيرة في التاريخ البشري… استطاع صلاح الدين أن يتغلب على جميع العقبات لكي يخلق وحدة معنوية برهنت أن لها من القوة ما يكفي القول للوقوف بوجه التحدي من الغرب».
على النقيض، ووفقًا لبعض المصادر، فخلال الحرب العالمية الأولى، أعلن القائد البريطاني إدموند ألنبي بفخر أن «اليوم انتهت الحروب الصليبية» رافعًا سيفه نحو تمثال لصلاح الدين الأيوبي بعد الاستيلاء على دمشق، وهي العبارة التي لازمت ألنبي طوال حياته، وهو ما احتج عليه بشدة ضد من يصفون غزوه لفلسطين عام 1917م بالحملة الصليبية. وفي عام 1933م، ذكر ألنبي أن أهمية القدس تكمن في أهميتها الاستراتيجية، ولم يكن هناك دوافع دينية لتلك الحملة. كما احتفلت الصحافة البريطانية أيضًا باحتلال الشام برسم هزلي لريتشارد قلب الأسد وهو ينظر إلى القدس وكتب تحتها عبارة «أخيرًا، تحقق حلمي». وبعد أن دخل الفريق أول الفرنسي هنري غورو المدينة في شهر يوليو/ تموز1920م، ركل قبر صلاح الدين الأيوبي وهو يصيح «استيقظ يا صلاح الدين، لقد عدنا.. وجودي هنا يكرس انتصار الصليب على الهلال».
كانت المواجهة مع الملك ريتشارد ومعاهدة الرملة آخر أعمال صلاح الدين، إذ أنه بعد وقت قصير من رحيل ريتشارد، مرض صلاح الدين بالحمى الصفراوية يوم السبت في 20 فبراير/ شباط 1193م، الموافق فيه 16 صفر سنة 589 هـ، وأصابه أرق فلم ينم الليل إلا قليلاً، وأخذ المرض يشتد ويزيد، حتى قال طبيبه الخاص، أن أجل السلطان أصبح قاب قوسين أو أدنى، واستمر المرض يشتد حتى انتهى إلى غاية الضعف، وتوفي صلاح الدين فجر يوم الأربعاء في 4 مارس/ آزار 1193م، الموافق فيه 27 صفر سنة 589هـ، فأفجع موته المسلمين عمومًا والدمشقيين خصوصًا، وبكاه الكثيرون عند تشييعه، وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه، وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه، ودُفن بعد صلاة عصر ذلك اليوم في المدرسة العزيزية قرب المسجد الأموي في دمشق، إلى جوار الملك نور الدين زنكي، وعندما فُتحت خزانته الشخصية لم يكن فيها ما يكفي من المال لجنازته، فلم يكن فيها سوى سبعة وأربعين درهمًا ناصريًا ودينارًا واحدًا ذهبًا، ولم يخلف ملكًا ولا دارًا، إذ كان قد أنفق معظم ماله في الصدقات.

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية

الأيوبي بين الوعي الأوروبي والوعي العربي

د. محمد عبدالرحمن عريف

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left