نشرت إحدى أجمل الأقلام الأدبية في المغرب وهي فاطمة الافريقي مقالا مؤثرا عقب اعتقال الصحافي علي أنوزلا منذ سنوات. العجيب في الأمر أن شبكات التواصل الاجتماعي أعادت نشره بغزارة بعد اعتقال مدير جريدة «أخبار اليوم» توفيق بوعشرين الجمعة الماضية. عنونت السيدة فاطمة مقالها بثلاث كلمات تلخص استراتيجية النظام في التنكيل بمعارضيه من الصحافيين والحقوقيين: «التهمة تليق بك». ومن بين ما جادت به يراعتها : «لا تدري نَفْسٌ متى تُعتقلُ غداً، ولا بأي تُهمةٍ تُحاكَم (…) نحن متأكدون فقط، من نزول القضاء ونسألهم اللطف فيه. فقدرُنا مسطَّرٌ سلفا، ورقمُ زنزانتنا معروف». ثم أضافت «الكتيبة التي ستتكلف بالإشادة بالقبض علينا أخذت مستحقاتها مسبقا، والبلاغ الذي ستنشره وكالاتُ الأنباء شبهُ جاهز، ينقص فقط، نوعُ التهمة لينزل القضاء المقدر الذي ينعدم فيه اللطف (…) إعداد التهمة المناسبة لمقاسك ولونِ عينيك ونبضِ قلمك، هو الإشكالُ الوحيد (…) التهمة تحتاج ترتيبا دقيقا، وتفكيرا عميقا، وتخطيطا مسبقا، وسيناريو مشوقا ومتماسكا في حبكته الدرامية».
وفعلا فإن «نبوءة» الكاتبة في ما يخص حبكة الإخراج والسيناريو قد أصبحت حقيقة في قضايا الاعتقال السياسي التي حدثت منذئذ. فصكوك الاتهام تبدأ هينة حتى لا يُصدم الرأي العام، لتصبح خطيرة في تدرج وتصاعد مع مرور الأيام والأسابيع. فالصحافي هشام المنصوري تم اعتقاله بشبهة المشاركة في الخيانة الزوجية وإعداد وكر للدعارة سنة 2015، ثم تضخم ملفه القضائي ليُتابع وهو في السجن بتهديد السلامة الداخلية للدولة. حميد المهدوي كذلك اعتقل بشبهة الدعوة للمشاركة في مظاهرة ممنوعة ليدان ابتدائيا بثلاثة أشهر سجنا نافذا ولترفع العقوبة في الاستئناف إلى سنة كاملة، بل والأنكى من هذا أنه سيتهم وهو في السجن بعدم الإخبار بخطر محدق بالدولة حيث إن أحد الأشخاص الذي لا يعرفه، حسب صك الاتهام، اتصل به من هولاندا بالهاتف وأخبره بأنه اشترى دبابات من روسيا وأنه سيدخلها للمغرب لإحداث ثورة (ياسلام !). الشيء نفسه حدث مع العديد من معتقلي الحراك الريفي وهو ما يحدث الآن كذلك في قضية الصحافي توفيق بوعشرين.
فالبلاغ الرسمي الأول الذي أخبر الرأي العام باعتقال بوعشرين قد هدف للتخفيف من هول الصدمة حتى أن الحس «المهني» وصل بمحرريه إلى درجة التأكيد على أن قرينة براءة المعتقل وسمعته وسرية البحث أوجبت عدم الدخول في الجزئيات والحيثيات. إلا أن البلاغات العديدة التالية تناست شيئا فشيئا هاته المهنية وإرادة حفظ عرض الناس لتتصاعد حدة الاتهامات. فالبلاغ الرابع والأخير والمؤرخ بـ 26 فبراير/شباط يقول بالحرف إنه تقرر إصدار أمر بإحالة بوعشرين على غرفة «الجنايات في حالة اعتقال لمحاكمته من أجل الاشتباه في ارتكابه لجنايات الإتجار بالبشر باستغلال الحاجة (…) وهتك العرض بالعنف والاغتصاب ومحاولة الاغتصاب (…) وجلب واستدراج أشخاص للبغاء …الخ». كما يقول المغاربة «حجرة الخواف كبيرة» أي أنه يجب أن تخشى بأس الجبان في العراك لأنه يحاول أن يفتك تماما بخصمه باختيار سلاح لا تتطلبه غاية الصراع وذلك حتى يطمئن على نفسه.
كل من يعرف هذا الصحافي اللامع يعرف أن عمله هو إدارة جريدة يومية قوية الشكيمة وليس إدارة ماخور. يبدو أن البعض ممن يحكموننا قد جُن جنونهم أو ابتغوا من وراء هاته القضية إعطاء عبرة لمن يعتبر وحتى لمن لا يعتبر. ولكن علينا أن نتساءل الآن ما سر كل هذا الحقد الرسمي على المواطن بوعشرين. إن افتتاحيات مدير «أخبار اليوم» أصبحت مرجعا يوميا لكل الملاحظين في المغرب. كما أن أسلوبه السلس ولغته السهلة الممتنعة جعلت من نصوصه السياسية موضوع نقاش دائم في مقاهي الحواضر الكبرى. أما تحاليله التي تغالب جرأتها اعتدال مواقفه المعروف، فإنها تتتبع بقلم دؤوب كل عورات النظام من فساد وتلاعب بطبقة السياسيين والمؤسسات. إن بوعشرين كمواطن جعل من فضح طبائع السلطوية، في صيغتها المغربية، مهمة شخصية شبه مقدسة. بوعشرين، طبعا، كان يعرف أنه مهدد وأنه تحت المراقبة ولكن لوعته بتفكيك الواقع السياسي المغربي كانت تجعل من الكتابة رغبة لا تقاوم لديه. كان يعتقد أن المغرب، مهما كان، محكوم عليه بأن يسير آجلا أم عاجلا في اتجاه الديمقراطية. كان لا يتحاشى، كما يفعل الكثير من المنتقدين للسلطة، ذكر أسماء الأقوياء وتشريح تكتيكاتهم السابقة ومشاريعهم اللاحقة للمشاركة في الاستحواذ على الدولة أو للبقاء في مواقع السلطة والمال. كان لا يترك أحدا ولا مؤسسة بما في ذلك القصر.
إن الحقد وصل بخصومه إلى أن يختاروا يوم الُثامن من مارس/آذار، رغم أن الملف غير جاهز حسب دفاعه، كأول موعد لمحاكمته وذلك لتسييد الرأي أن العدالة لا تتساهل مع من يهين كرامة النساء في محاولة لاستمالة جزء من الحركة النسائية ذات الحساسية الكبيرة والمشروعة اتجاه قضايا الاغتصاب. وفي الأخير لا بد من القول إن هاته المحاكمة سيكون لها تاريخ وأنها لن تردع حراك المغرب وأحراره عن قول كلمة الحق.
٭ كاتب من المغرب
المعطي منجب
هنالك صحافية تتهمه بالتحرش الجنسي لذا لا تزايدوا على القضية واتركوا العدالة تقول كلمتها.
التضييق على الصحافة الحرة تزايد بعد أن استتب الأمر للدولة العميقة في المغرب وظنت أنها تجاوزت بدهاء تبعات عواصف “الخريف العربي”، في آخر تقرير لها صنفت منظمة “مراسلون بلا حدود RSF” حرية الصحافة بالمغرب لسنة 2017 في المرتبة 133 من بين 180 دولة في العالم، مرتبة جد متأخرة بالنظر للصورة المغلوطة التي تحاول وسائل إعلام النظام ترويجها على المستوى الخارجي! ومما جاء في تقرير “مراسلون بلا حدود”: (إن السلطات المغربية تمارس ضغوط سياسية واقتصادية على الصحافة المستقلة في المغرب لردعها عن التطرق للقضايا الحساسة…)
لم يكن الصحفي “المشاكس” توفيق بوعشرين الأول الذي يتعرض لمتابعة قضائية بتهم يصعب تصديقها، القائمة طويلة ولعل آخرهم الصحفي علي أنوزلا الذي اتهم بالمس بالوحدة الترابية للبلد، فيما نفى وقتها الصحفي التصريح المنسوب إليه. في خضم متابعة الصحفي أنوزلا صرح السيد سعيد بومدوحة نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: (يجب على السلطات المغربية أن تكف عن محاكمة صحفيين بسبب ممارسة عملهم،. وأن تكف كذلك عن محاكمة النشطاء السلميين بتهم تتعلق بأمن الدولة والإرهاب، وينبغي على السلطات أن توقف حملتها المستمرة لإخراس الأصوات المعارضة…).
تحضرني وأنا أطالع خبر متابعة الصحفي توفيق بوعشرين محن زملائه في مهنة المتاعب الذين سبقوه في سلسلة حملات التعريض والتهم المعلبة والمتابعات القضائية الماراطونية، منهم أبو بكر الجامعي الذي أصدرت إحدى المحاكم في حقه حكما بغرامة مالية خيالية تناهز 300 ألف دولار مما سبب إفلاسه وأجبره على الهجرة، الصحفي علي أنوزلا توبع أيضا بتهم غليظة من تمجيد الإرهاب إلى المس بالوحدة الترابية!! فيما كان ينتظر زميلهم الصحفي رضى بنشمسي نفس المصير بعد تعليق صدور صحيفته “تيل كيل” بتهم الإخلال بالإحترام للملك ولأفراد العائلة الملكية، مما اضطر الصحفي بنشمسي للجوء للهجرة بعد إدانته. هذا الأخير لم يتوقف عن إبداء مواقفه الجريئة في صحف دولية، فقد نشرت جريدة “لوموند” الفرنسية مقالا له بعنوان (سيادة الرشوة الكبرى في المغرب) مما جاء فيه أن الكاتب العام والمشرف على تدبير ثروة الملك السيد منير الماجدي استخدم أموالا عمومية من أجل شراء فرع من شركة أمريكية، فرفع المعني بالأمر شكاية بالمحكمة الأولى بباريس بدعوى التشهير والمس بشخصه، لكن المحكمة الفرنسية حكمت ببطلان الدعوة وعللت حكمها ببراءة الصحفي بنشمسي بأن مقاله في جريدة لوموند يدخل في صميم مهنته الصحفية.
لا توجد ضمانت حقيقية في المغرب لممارسة حرية الصحافة والإعلام، كل الأقلام الحرة التي تمارس دورها في مواجهة دوائر الفساد والإستبداد تجد نفسها عرضة لحملات المضايقات والتشهير الممنهج وتشديد الخناق حتى كتم الأنفاس.
المقال مساندة مطلقة للصحفي توفيق بوعشرين. ومن المؤكد أن المخابرات المغربية كانت تتربص بهذا الصحفي الذي تميز بافتتاحياته التي كانت تنتقد الجميع في اليمين والوسط واليسار والتقنوقراط وبعض مستشاري ومساعدي الملك وعلى رأسهم فؤاد عالي الهمة ومنير الماجدي. الوحيد الذي كان يناصره السيد بوعشرين هو السيد بن كيران الرئيس السابق للحكومة المغربية إلى حد أنه كان ينتقد بشدة أصدقاء هذا الأخير داخل الحزب لأنهم رفضوا التمديد له بولاية ثالثة على رأس الحزب.
وجدت الاستخبارات ضالتها في العلاقات الخاصة جدا للسيد بوعشرين مع زميلاته الصحفيات في المؤسسة الإعلامية التي يمتلكها ويسيرها. وربما استغلت الاستخبارات حالات تلك العلاقات إلى حد استدراج الصحافيات لتقديم شكايات بالتحرش الجنسي ومحاولات استعمال العنف من اجل الاغتصاب. هذه أمور تقوم بها جميع المؤسسات المخابراتية في العالم لتصيد أخطاء الأشخاص الذين تريد إيقاعهم في ورطات أو فضائح أخلاقية. ومن المؤكد أن المحاكمة ستكون حامية الوطيس بين متهم ودفاعه يتشبتان بالبراءة وبأن القضية مفبركة ومطروزة للانتقام من صحافي مزعج و تلطيخ سمعته وبين صحافيات قدمن شكايات بالتحرش الجنسي ومحاولات الاغتصاب.وما هو مثير في الأمر أن المحاكمة ستبدأ يوم 8 مارس وهو يوم له دلالاته الرمزية كعيد للمرأة.
وينبغي أن نسجل بكل تقدير الموقف المبدئي الذي عبرت عنه النقابة الوطنية للصحافة المغربية ( ولو أن السيد بوعشرين لم يكن يحملها في قلبه ) حينما اتخذت موقف الحياد في انتظار تجلي المزيد من الحقائق وفصل القضاء ونددت بالتشهير الذي واكب القضية منذ التعرف على فحواها وأطرافها خاصة وأنها تعني صحفيا متميزا ومرموقا وصحافيات شابات في بداية عهدهن بمهنة المتاعب. ولعل هذا النعت ( مهنة المتاعب ) يحمل أكثر من معنى ومدلول في هذه القضية بالذات.
الصحفي القدير علي لمرابط حكم عليه بالسجن ب 4 سنوات و 10 سنوات منع عنه الكتابة