شادي رباب: تعلمت الموسيقى منفرداً وأرغب في الروحاني منها

لقاء الموسيقى والقمامة أنتج آلات وأنغاما دافئة عرفتها بيروت

زهرة مرعي

Mar 03, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: تصنيع الموسيقى من القمامة! الموسيقى والقمامة كلمتان في الظن كما اليقين يستحيل لقاءهما، تماماً كما الخطان المتوازيان. لكنه حصل. الفنان المصري الشاب شادي رباب ابن سهاج، والذي عاش وترعرع وسط حضارات الأقصر، أراد هذا اللقاء بين القمامة والموسيقى، فكان. عمر فكرته لا يتعدى الأشهر. تمكن حتى الآن من تصنيع حوالي 40 آلة موسيقية متنوعة من المواد الطبيعية جلود، وخشب، وحجارة، وقرون حيوانات نافقة، ومواد سبق تصنيعها واستعمالها، وجرى رميها عشوائياً مثل البلاستيك وأنابيب الحديد.
في بيروت كان اللقاء، فشادي رباب حلّ ضيفاً على «منشين» وأقام معرضاً تفاعلياً حمل عنوان «حاوية مزيكا» امتد من 1 إلى 3 أذار/مارس. هنا تفاصيل الحوار:
○ هل أنت في زيارتك الأولى إلى لبنان؟
• بل الثانية. الأولى كانت في أيلول/سبتمبر الماضي حيث شاركت في ورشة بدعوة من «العمل للأمل» حملت عنوان «فعل».
○ وماذا عن معرض «حاوية مزيكا» التفاعلي الذي أقمته في بيروت؟
• هو معرض يضم آلات نصنعها في محترفنا في الأقصر. مصدر تلك الآلات من الطبيعة، حيث نلجأ لجمع المهمل من الأشجار، ونعمل لتعديلها، فإذا بها تصبح فلوت، نايي ودجري دو الأسترالية التي نعدلها عبر إدخال جلود السمك. فيما نعتمد على صناعة مجمل الآلات من كافة المواد التي نستخدمها في حياتنا اليومية، ويجري الاستغناء عنها.
○ كيف بدأت صلتك بالفن؟
• عشت في بيت كله فن. والدتي ترسم، ووالدي يلعب الموسيقى. سماع الموسيقى يلازم أوقاتنا في بيتنا، بت مستمعاً جيداً، ومن ثم صار الفن شغفي. الآن وفي مرحلتي هذه تشكل الموسيقى هدف حياتي. فقد بدأت تعلمها من ضمن النشاط الاختياري، منذ كنت في مرحلة الدراسة الإعدادية. ومن ثم كان لي غيتار. اقتناؤه كان أمراً مستغرباً في سوهاج حيث نشأت وعشت. لم تكن سوهاج متآلفة في الأساس مع لعب الموسيقى. أما أن يقتني المرء غيتاراً فهذا من الأمور الكبيرة، ليس الخاطئة بل بالمعنى الإيجابي للكلمة.
○ وهل في سوهاج معهد لتعليم الموسيقى؟
• مستحيل جداً. الموسيقى فقط كنسية، وهي مغلقة، وهدفها خدمة الحاجات الكنسية فقط. وتلك الموسيقى لم تكن تخرج إلى الشارع.
○ هل دخلت الكنائس في سوهاج للتعرف إلى النغم البيزنطي فيها؟
• ليس من زمن بعيد بدأت الإصغاء لتلك الأنغام. هي روحانية عظيمة. ولأني أعيش في الأقصر علمت أن الألحان في الكنيسة القبطية كانت جزءاً من طقوس الفراعنة. وهي نفسها انتقلت للدين اليهودي ومن ثم للمسيحية. وبالملاحظة الدقيقة نجد أن الأناشيد والتواشيح الدينية الإسلامية أخذت بعضاً من تلك الألحان.
○ كيف وصلك الغيتار؟
• هدية من أخي الكبير محمد. هدية قيمة جداً معنوياً ومادياً، فثمنه مرتفع. أخي يلعب الدرامز، ولاحظ رغبتي في العزف فكانت مبادرته الجميلة لتشجيعي.
○ كم مدك الغيتار بالحماس للمتابعة؟
• بصراحة جذبني شكله في البداية. وعندما أمسكته بعد محاولات التودد لآلات أخرى، وجدت نفسي منجذباً له دون سواه، وما زلت. فهو يعبر عن ما في داخلي. أتقنت العزف عليه بمفردي إلى جانب الدراسة في الثانوي. ورافقني لاحقاً في دراستي الجامعية في كلية الفنون الجميلة.
○ هل تعطي الرسم وقتاً كما الموسيقى؟
• بالتأكيد. درسته على مدار خمس سنوات أصفها بالجميلة للغاية. رسمت الكثير من الأعمال، ولي معارض منفردة متعددة.
○ في الاختيار بين الموسيقى والرسم لمن الأولوية؟
• للموسيقى طبعاً.
○ لماذا جذبتك بيروت لعرض «حاوية مزيكا»؟
• هي الطبيعة اللبنانية خاصة الجبلية. أما بيروت فأدرك عبر القراءة والاطلاع أنها جمعت عظماء في الموسيقى من العالم أجمع، وجميعهم كان يتشوق للعب على مسارحها. بيروت عريقة في التاريخ، وترحب بالفن بكل انفتاح.
○ ماذا عن محتويات المعرض وكم يجمع من الآلات الموسيقية؟
• في حدود 35 آلة من أنواع النفخ، الوتريات والإيقاع. وهذه الآلات مطروحة لمن يرغب في اقتنائها.
○ هل تهدف للتوسع في التصنيع والبيع؟
• المحترف الذي نعمل فيه في الأقصر هو الأصل والأساس. نحتاج لأن نتوسع ونقتني المعدات الضرورية للتصنيع، كذلك نحتاج لدفع بدل الإيجار. يعود زمن التصنيع لتسعة أشهر ماضية، وعمر المحترف المستأجر في حدود الشهرين فقط. نعد لإنطلاقة واسعة على صعيد التصنيع. وكلما نجح لنا معرض نخطط لمعرض جديد. والطموح المستقبلي هو التوسع في المعارض لجهة عدد الآلات، والمساحة.
○ هل تتعاون مع حرفيين على صعيد التصنيع؟
• أعمل مع صديقي وشريكي في المحترف أحمد البندق. هو خريج فنون جميلة، ومجدداً جذبته الموسيقى، وهو محترف تصنيع آلات موسيقية.
○ لماذا خطر لك مع صديقك تصنيع الآلات من الطبيعة ومن النفايات التي تضر بها؟
• أكثر من عامل حتّم هذا الاختيار. تأتي البيئة في المرتبة الأولى. وعلى صعيد آخر نهدف لصدمة مجتمعية، من حيث تبيان أهمية الأشياء التي أحيلت للنفايات، ومدى صلاحيتها لتصبح صوتاً موسيقياً عذباً. أي هو تحريض لمن يرغب على سبيل المثال في امتلاك الفلوت، كي يحاول صناعته من نفاياته المنزلية، وبدون أي كلفة.
○ هل تجمعون تلك المقتنيات المرمية بأنفسكم؟
• بل نتفق مع آخرين لجمعها. منهم من يعطيها دون مقابل، ومنهم من يتقاضى بدلاً رمزياً.
○ أين أنتم من التسويق؟
• نحن بصدد الخطوة الأولى وبيروت استقبلت المعرض الأول. كافة المراحل من التخطيط إلى التنفيذ كانت متيسرة وسهلة، بمساعدة الأصدقاء في «مينشين». لوجستياً ومادياً تأمن المطلوب لنجاح هذا المعرض.
○ هل تعرّفنا إلى فائدة الحجر في الآلات الموسيقية وكذلك قرون الحيوانات النافقة؟ وجميعها يدخل ضمن موادك الأولية في التصنيع؟
• نستعمل الأحجار الملونة في تطعيم الخشب. ونصنع آلة الإيكورينا من الحجر. هو حجر يشبه الفخار، يتم تخريمه لتنطلق منه الأنغام الموسيقية. والإيكورينا من عائلة آلات النفخ. أما قرون الحيوانات فتستعمل في تصنيع الترومبيت وغيرها من آلات النفخ. وكذلك نستعمل بعض العظام التي تطرحها مجازر اللحوم في النفايات لصناعاتنا.
○ السؤال لشادي رباب الفنان أي نوع من الموسيقى ترغب في ايصالها للجمهور؟
• أكتب الموسيقى إنما ليس وفق الطريقة الأكاديمية، بل أحفظها وأسجلها. وأكتبها وفق أسلوب «تابس» وهو عبارة عن أرقام. كتبت الكثير من المقطوعات، واهتمامي ينصب على الموسيقى الروحانية كما موسيقى الطقوس. وموسيقى السكان الأصليين في الولايات المتحدة.
○ كشاب يفترض أن جمهورك الأكبر من جيل الشباب. فما مدى إقبالهم على الموسيقى الروحانية التي تقدمها؟
• ألمس هذا القبول والترحيب ليس عبر الإفصاح أو التصريح الكلامي، بل من خلال هؤلاء المتلقين. عندما نلعب تلك الموسيقى يصبح الجمهور في حالة تلقي كلي، وإصغاء لا تشوبه شائبة. جميعهم يسرح في سلام داخلي. ولا بد من الإشارة إلى أن الموسيقى الصادرة عن آلات تمّ تصنيعها من الخامات الطبيعية صوتها أصدق بكثير وأكثر ملامسة للإحساس من تلك المصنعة من خامات صناعية. الفرق كبير بين الخشب الطبيعي، والبلاستيك المُصنع على شكل خشب. إنه الدفء الذي يلامس الروح.
○ ماذا عن حفلاتك في سوهاج والأقصر؟
• كمصنّع للعديد من الآلات أتقن اللعب عليها بشكل جيد. يبدأ التحدي من إتقان اللعب على آلة ما ومن ثم تصنيعها. والعكس لن يكون صحيحاً.
○ بالتصور الطبيعي ثمة حالة إنفصال بين الموسيقى والقمامة. كيف استوحيت جمعهما؟
• أردت صدم المجتمع بحيث يدرك أن للزبالة إمكانية مساعدتنا في تصنيع آلات موسيقية. ويمكن للآلات التي صُنعت من القمامة أن تمنحنا الموسيقى الروحانية المرهفة. فمن داخل الأشياء «الوحشة» نكتشف أجمل الأنغام. بالعودة إلى العنوان أي «تصنيع موسيقى القمامة» فهو في حد ذاته تسويقي وجذّاب. أن نقول «موسيقى الزبالة» عنوان ليس بمقدوره أن يغادر البال. المقصود هو الصدمة الإيجابية.
○ هل تتشارك لعب الموسيقى مع آخرين؟
• ألعب مع فرقة عالمية تتكون من ألمان وانكليز أسستها سنة 2010 اسمها «ملكوت». أجتمع مع صديقي أكسل لانغر الألماني الجنسية بروح واحدة في الموسيقى، رغم فارق العمر بيننا. فهو في الـ62 وأنا في الـ27. أكتسب الكثير من خبرات هذا الصديق العظيم. فهو جال وعاش في بقاع كثيرة وعظيمة من هذه الكرة كما الهند. ولحسن حظي أن لانغر اختار العيش في الأقصر. بدأت صداقتنا قبل حوالي الخمس سنوات، ونحن نتبادل المعرفة، وأنا بشكل خاص أنهل من تجاربه وعمره المديد في الموسيقى. وباشرنا التعاون الموسيقي، ونستعد للتسجيل قريباً، فلدينا العديد من المقطوعات الموسيقية الجاهزة. وبالمناسبة يلعب لانغر الكيبورد والموسيقى الإلكترونية بدون ضوضاء.
○ هل لنا أن نعرف أهم ما تعلمته من هذا الصديق الموسيقي العتيق؟
• ليس لي تحديد الأهم، كل ما يقوله لي مهم على صعيد خبرته الموسيقية والإنسانية. أظن أنه وضعني على السكة الصحيحة، بحيث لا أضغط على نفسي لتحقيق موسيقى جديدة، بل أن أترك الأمور تنساب. فالموسيقى كما الماء تنساب دون دفع.
○ ماذا عن الكلام الذي يترافق مع موسيقاك. هل تكتبه أم تختاره من شعر آخرين؟
• الاثنان معاً. في الشعر المكتوب أميل إلى النصوص الدينية، وأختار بعضاً من العهد القديم. أبحث عن الحكمة في الكلمة التي ترافق الموسيقى. قد ترافق جملة واحدة نصاً موسيقياً من ثلاث أو أربع دقائق. النصوص التي أكتبها خاصة بالسلام والإنسانية.
○ معارضك للفنون التشكيلية تترافق مع الموسيقى وفي أحدها رسمت بالفوسفور. لماذا؟
• أركز دائماً على الصدمة التي تحمل رسائل. في الرسم أعمل لتحقيق صدمات بصرية لدى الناس، عندها سيرسخ الموضوع في أذهانهم بعد عيونهم. وفي معظم الأحيان يتم التركيز على مخاطبة العقل اللاواعي لدى المتلقين.
○ أين وجد فنك الترحيب الأكبر، في الشرق أم الغرب؟
• إلى جانب لبنان سبق وقدمت العديد من الحفلات في الأردن. طبعاً القبول موجود، لكنه أكبر في الغرب. في الغرب المتلقي مستعد وجاهز لسماع الموسيقى الروحانية. في حين أن غالبية الجمهور العربي معجب بالسائد والمعروف من قبله. قلة تقبل بالتجديد. في مصر يرغب الجيل الذي يصغرني سناً في الموسيقى التي أقدمها. أما الأكبر مني فقبولهم محدود أو خجول.
○ هل أنت روحاني على صعيد الرسم كذلك؟
• نعم. وتتداخل في رسمي الحداثة والمولوية الصوفية. وأرسم ما يتصل بعلاقة الإنسان مع نفسه. وفي المعرض الذي حمل عنوان «كاف ملكوت» لعبت الموسيقى طوال حضور الجمهور لمعاينة اللوحات. وكان القبول عالٍ جداً. ففي معارضي أعمل على الحواس كافة. البخور وسواه كان موجوداً، ليشتغل على الشم، إضافة للبصري والسمعي. وكان الجمهور يقرأ خلال وجوده في ورق قدمناه له. وهذا النوع من الفن قدمته في 2010. وإلى ذلك أنهيت خدمتي في الجيش على مدى سنة وشهرين، لم أعزف خلالها الموسيقى لأني خدمت في شمال سينا.

شادي رباب: تعلمت الموسيقى منفرداً وأرغب في الروحاني منها
لقاء الموسيقى والقمامة أنتج آلات وأنغاما دافئة عرفتها بيروت
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left